الجمعة , 2 ديسمبر 2016

من يحكم من في إيران؟

في تقرير نشر في مجلة الإيكونومست تحت عنوان (أطفال الثورة الإسلامية) جاء أن الجمهورية الإسلامية تعتمد على نظام من القوى المتوازنة التي تعمل في ظلام دامس ويدخل في ذلك حتى موظفو الحكومة. والأكثر ظلمة هو هوية أولئك الذين يتخذون القرارات المهمة. فكل منظمة من منظمات الدولة لها ظلها. وعادة ما يكون الظل أكبر أهمية من أصله. وبالتالي فإن أي مسؤول إيراني عندما يتحدث فإنه يقول: إنهم سيفعلون كذا وكذا. ويندر أن يقول سنفعل كذا وكذا. وكأنما هناك حرص دائم أن يخرج الموظف نفسه من طائلة اتخاذ تلك القرارات.

هذا الوصف دقيق جدا في تسليطه الضوء على الصعوبة التي يواجهها من يدرس عملية صنع القرار في إيران، وذلك بسبب الازدواجية التي تفيء بظلالها على النظام السياسي الإيراني منذ اندلاع ثورة الخميني في 1979. الواقع الذي دشنته الثورة أفرز لوناً جديداً من العمل المؤسساتي يتناسب معه. من هذه الازدواجية رأينا الحرس الثوري وهو يقف بقرب من الجيش، ورأينا المحاكم الثورية ومحاكم الملالي إلى جوار النظام القضائي القائم قبل الثورة. ورأينا حزب الله الإيراني يعمل جنباً إلى جنب مع قوات الشرطة. ورأينا مجلس صيانة الدستور يعمل جنباً إلى جنب مع البرلمان الذي تم تغيير اسمه إلى مجلس الشورى الإسلامي. كأنما نحن أمام ثنائية الديانة المجوسية: النور والظلمة.

من الأشياء التي يختلف فيها النظام السياسي الإيراني عن أي نظام في العالم كله، الخصوصية. فلإيران خصوصية ليست لأحد. وهذه الخصوصية تبرز في مضمار العمل المؤسسي وفي الخطاب السياسي جملة وتفصيلاً. ولنأخذ على سبيل المثال، المرشد الأعلى بمستشاريه ومخابراته ونوابه في مؤسسات إيران، وصلاحيات المرشد الأعلى التي تجعل من رئيس الدولة مجرد صقر إيراني على يمينه. بل هو أكثر صلاحيات من أي رئيس جمهورية في العالم.

النظام السياسي في إيران هو مزيج من الديمقراطية والاستبداد. كما هو معلوم هذا ليس خاصاً بإيران، إلا أن هذه الثنائية المتناقضة تظهر بشكل فاقع. فالمواد الدستورية التي تتعلق برئيس الدولة ووزرائه هي مواد ديمقراطية تقوم على مبادئ مثل مبدأ التنافسية الانتخابية التي تصل لمستوى منصب رئيس الجمهورية، ومبدأ تحديد مدة ولاية رئيس الجمهورية بحيث لا تزيد على فترتين رئاسيتين متتاليتين، ومبدأ السماح بالتعددية الحزبية، ومبدأ مقارنة ثروات المسؤولين قبل تولي المنصب وبعد الخروج منه.

أما فيما يتعلق بالمواد المتعلقة بولاية الفقيه، فالأمر يختلف تماماً. إذ ننتقل لحزمة من اللوائح والقوانين والأنظمة بالغة التعقيد والتعسف، مما يجعل الفقهاء كمسرح العرائس التي يمسكها المرشد الأعلى بين أصابع يده. فهو يختار المنفذين الرئيسيين ومديري هذه اللعبة ويضع السياسات ويحددها ويحاسب حسابا عسيرا من يتجاوزها. وعندما نُـلقي عنا بالدستور، وننظر إلى أرض الواقع نجد أننا أمام هرمية تنتهي بنا إلى شخص المرشد الأعلى الذي يملك الحق في الاعتراض على قرارات رئيس الجمهورية دستورياً، بل وعزله واستبداله، مما يجعل الديمقراطية الإيرانية مجرد أكذوبة أخرى أو مسرحية هزلية في أحسن الأحوال.

هذا الوضع القائم تغيّر نسبياً مع محمود نجاد الذي أعده أقوى رئيس إيراني منذ اندلاع الثورة، الذي من الواضح أنه يسعى لكسر هذه المعادلة. فهو أول رئيس يصل به الحال لخوض معركة «الصلاحيات» مع المرشد، هذه قفزة كبيرة بلا شك. وما كان ليفعلها لولا أنه يحظى بتأييد عريض من قبل الحرس الثوري، كما أنه يتمتع بقدرة على المراوغة، بحيث أنه كلما سارت الأمور في طريق لا يرغبه في الداخل، توجه لمناوشة جيرانه في الخليج لاستدرار تعاطف الشارع معه وجذبهم بالقوة لصفه.

في مقابل كل هذا، الشارع الإيراني يسير في وجهة مختلفة تماماً عن كل المشهد بخطى حثيثة. فلا هم مع المرشد ولا مع نجاد، في سوادهم الأعظم. فالشباب الإيراني اليوم يتكاثر ميله نحو الاتجاه القومي – العلماني. والخطاب القومي قد استيقظ فعلا بشقيه الثقافي والسياسي. ويبدو أنه هو الموجة القادمة في إيران وهي في حالة غليان وغضب من الوضع الراهن. فالثورة العارمة في 2009 على خلفية تزوير نجاد للانتخابات ما زالت كالجمر الباقي تحت الرماد. إلا أن ما يبقي الوضع متماسكاً حتى اللحظة هو كون الجمهورية الإيرانية تلقي اليوم بكل ثقلها في المعركة التي تدور الآن في سوريا، وما إن تحسم تلك المعركة التي بدأت في التفكك مع تحلحل الموقف الروسي – الصيني، حتى يواجه نجاد والمرشد الأعلى مشكلة من نوع جديد.

———-

نقلاً عن الشرق

-- خالد الغنامي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*