السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مصر القديمة .. الجديدة

مصر القديمة .. الجديدة

تتسارع الأحداث في مصر بوتيرة مقلقة جعلت الشعب المصري يضع يده على قلبه من شدة الخوف على مصيره وهو الذي خاض ثورته لتأمين الانتقال نحو المستقبل والانعتاق من نظام استبدادي أفسد السياسة والاقتصاد  وأوصل مصر إلى حافة الانهيار بعد أن وصل عجز موازنتها مستويات خطيرة تهدد “بالسكتة القلبية”. وتعمق هذا العجز بعد الثورة لينتقل من 7،2 % من الناتج القوي الخام بداية 2011 إلى 7،5% ،ويتوقع أن يصل نهاية 2012 إلى حوالي 180 مليار جنيه ،أي بنسبة 13 % من الدخل القومي الإجمالي . 

وما يعقد من الوضعية الاقتصادية لمصر ويتهدد أمنها واستقرارها ، ارتفاع نسبة الدين الداخلي إلى 1.1 تريليون جنيه بنسبة  70.7% من الناتج المحلي نهاية مارس 2012  مقارنة بـ 932.6 مليار جنيه فى نهاية مارس 2011 ، أي ما نسبته 68% من الناتج المحلي. 

يأتى هذا الارتفاع بسبب زيادة إصدارات الأذون وسندات الخزانة ليصل رصيد كل منهما إلى 382.9 مليار جنيه و250.1 مليار جنيه على التوالى مقارنة بـ 320.4 مليار جنيه و206.8 مليار جنيه فى نهاية مارس 2011، نتيجة زيادة الاحتياجات التمويلية للدولة. 

هذا فضلا عن ارتفاع أعباء خدمة الدين الخارجي بمقدار 165.7 مليون دولار أمريكي لتبلغ 1.5 مليار دولار أمريكي خلال الفترة من يوليوز وحتى دجنبر 2011 . أمام هذه المعطيات التي تنذر بكارثة اقتصادية ماحقة ، نجد أطياف المشهد السياسي المصري حاذقة في  انتاج الأزمات ومراكمتها ، حتى غدا في حكم المؤكد أن ثورة الفل لم تحدث لإخراج المصريين من أزمتهم ، بل لتزيدهم أزمات فوق أخرى ( أزمة اللجنة التأسيسية الأولى والثانية ، أزمة البرلمان ، أزمة الإعلان  الدستوري الثاني ، أزمة الرئاسة الخ) .  وهذه الأزمات وضعت مصر أمام إشكالات حقيقية لا سبيل إلى حلها إلا بالتعاون بين كل الأطراف السياسية ، وبينها وبين المجلس العسكري . 

وأبرز هذه الإشكالات : الصلاحيات التشريعية في ظل حل البرلمان لمن تؤول ؟ 

هل للعسكر أم للرئيس ؟ 

ما صلاحيات الرئيس وعلى أي أساس يتم تحديدها في ظل غياب الدستور؟ 

وعلى أية مبادئ وأسس ينبغي تشكيل اللجنة التأسيسية ؟ علما أن اللجنة التأسيسية الأولى هيمن عليها التيار الديني ( إخوان وسلفيين ) مما اضطر باقي القوى السياسية ومعها الأزهر إلى الانسحاب منها ؛ أما اللجنة الثانية فتشكلت على أساس طائفي: 50  % للإخوان و 50 % لباقي القوى السياسية بما فيها أحزاب إسلامية أخرى.

ولا يمكن لهذه اللجنة أن تصوغ دستورا ديمقراطيا يضمن الانسجام والتعايش بين مختلف مكونات الشعب المصري ؛ خصوصا وأنها (= اللجنة ) تضم في عضويتها عناصر متشددة تنفي صفة المواطنة عن المسيحيين وتعتبرهم أهل ذمة ، كما ترفض تهنئتهم في أعياد الميلاد . 

بل منهم من توعد بفرض الجزية على المسيحيين .إن مصر  اليوم بحاجة إلى من يوحد شعبها لا إلى من يقسمه على أساس ديني وطائفي .  وكان الأجدر بالمصريين أن يستفيدوا من تجربة تونس التي انطلقت من وضع دستور مصغر يحدد للمجلس التأسيسي حدود سلطاته التشريعية ومجالاتها إلى حين وضع دستور  عام يعرض على الاستفتاء. 

إذ ، منذ التحضير لمرحلة ما بعد مبارك ، أصر التيار الديني ــ  الإخوان المسلمون والسلفيون ــ على إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية قبل صياغة الدستور . وهم بهذا وضعوا العربة أمام الحصان .وتمادى  الإخوان المسلمون في ببعث الروح في قانون العزل بهدف إقصاء منافسين بعينهم عن خوض المنافسة الانتخابية ، وعلى رأسهم عمر سليمان وأحمد شفيق الذي أنصفته المحكمة الدستورية وأعادته إلى حلبة السباق . 

منذ البداية إذن ، استغل الإسلاميون حماس الثوار الشباب لفرض أجندتهم على باقي القوى السياسية بما فيها العسكر. 

الأمر الذي أدخل مصر في نفق قد يتطلب الخروج منه تضحيات لا قبل للشعب المصري بها ولا طاقة له على تحملها. 

وخطة التجييش التي ينهجها الإخوان لحشد الشباب إلى ميدان التحرير وتطويقه بمطالب تستحيل الاستجابة لها ، ستوقظ الفتنة وتشعل الحرب الأهلية على النحو الذي عرفته الجزائر منذ 1991  أو أشد . ذلك أن الإصرار على إلغاء الإعلان الدستوري المكمّل هو إيذان بالحرب وتجييش لها .

نعلم جيدا أن تيار الإسلام السياسي هو تيار براغماتي  يميل مع مصلحته حيثما مالت دون أن يلتزم بما قطعه من وعود وعهود . وآخر وعود الإخوان في مصر أنهم لن يقدموا مرشحا للرئاسيات وفعلوها لما تبين لهم أن الطريق إلى هرم السلطة سالكة. 

وقد ينقلب تيار الإخوان على عقبيه وفق ما تقتضيه مصلحته من تواطؤ مع العسكر بالشكل الذي حدث من قبْل الثورة وخلالها وبعد سقوط مبارك . لكن الحشود المسوقة إلى ميدان التحرير سوقا عبر الباصات وحافلات النقل عكس ميدان التحرير ل25 يناير  الذي خلا من التجييش ، ليس لحماية أمن مصر ووحدتها ، وإنما لتأمين الرئاسة للدكتور مرسي مرشح الإخوان ؛(هذه الحشود ) ستصاب بخيبة أمل وقد عادت من حيث أتت بينما الإعلان الدستوري المكمل بات ساري المفعول على الجميع. 

كما أنا باقي المطالب لن يتحقق منها شيء (رفض رئيس بدون صلاحيات، رفض قرار حل البرلمان ،رفض مغادرة ميدان التحرير إلا بعد تحقيق المطالب إياها). 

وفي حالة إصرار الشباب على مواصلة الاعتصام بميدان التحرير وإخراجه عن طابعه السلمي ، فإن بيان المجلس العسكري  يشدد على (مواجهة أي محاولات للإضرار بالمصالح العامة والخاصة بمنتهى الحزم والقوة بمعرفة أجهزة الشرطة والقوات المسلحة في إطار القانون). 

وعلى عقلاء مصر وحكمائها استحضار دقة اللحظة التاريخية بكل مسئولية ووطنية والتفاعل الإيجابي مع دعوة الدكتورة عصمت الميرغني، رئيسة اتحاد المحامين الأفرو آسيوي لحقوق الإنسان، إلى “تفهم منطق الغاضبين والمحبطين، ولكن من ناحية أخرى يجب أن نؤكد أن الحق والمنطق لا يبرر أبداً تدمير البلاد وإحداث الفوضى فى أركانها، الأمر الذي سوف يعود بالضرر على مصر كلها”. 

بل حري بالمصريين جميعا أن يستحضروا فحوى الرسالة  التي وجهها إليهم نيسلون مانديلا حين ذكّرهم بتجربته “خرجتُ إلى الدنيا بعدما وُورِيتُ عنها سبعًا وعشرين عامًا لأني حلمت أن أرى بلادي خالية من الظلم والقهر والاستبداد ورغم أن اللحظة أمام سجن فكتور فستر كانت كثيفة على المستوى الشخصي إذ سأرى وجوه أطفالي وأمهم بعد كل هذا الزمن، إلا أن السؤال الذي ملأ جوانحي حينها هو: كيف سنتعامل مع إرث الظلم لنقيم مكانه عدلاً؟

 .. إن إقامة العدل أصعب بكثير من هدم الظلم. عليكم أن تتذكروا أن أتباع النظام السابق في النهاية مواطنون ينتمون لهذا البلد، فاحتواؤهم ومسامحتهم هي أكبر هدية للبلاد في هذه المرحلة، ثم إنه لا يمكن جمعهم ورميهم في البحر أو تحييدهم نهائياً، ثم إن لهم الحق في التعبير عن أنفسهم وهو حق ينبغي أن يكون احترامه من أبجديات ما بعد الثورة. أتمنى أن تستحضروا قولة نبيكم: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”). إن روح الانتقام لا تبني الأوطان بل تمزق أوصالها وتكسر شوكتها . ويظل حب الأوطان من الإيمان .

-- خاص بالسكينة :سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*