السبت , 10 ديسمبر 2016

السمع و الطاعة

 

قال الأمام أحمد بن حنبل، في مسند عبد الله بن عمر:ـ 

حدثنا يحيى عن عُبيد الله، أخبرني نافع عن ابن عمر عن النبي، صلى اللهُ عليهِ وسلم، قال: 

” السَّمْعُ والطاعَةُ على المَرْءِ فيما أَحَبَ أَو فيما كَرِهَ، إِلَّا أن يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَإِنْ أُمِرَ بِمعْصِيّةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ. “. 

إسنادٌ صحيح. ورواهُ البخاري [6: 82 و 13 : 109 من فتح الباري] عن مُسدَّد عن يَحيى بن سعيد، بهذا الإسناد، ورواهُ أيضاً[82:6] من طريق إسماعيل بن زكريا عن عبيد اللهِ. ورواهُ مسلم [86:6] من طريق الليث بن سعد. ومن طريق القطان وابن نُمير، وثلاثتهم عن عُبيد اللهِ.

وهذا الحديث أصل جليل خطير من أُصول الحكم. لا نعلمُ أنهُ جاء في شريعة من الشرائع، ولا قانون من القوانين، على هذا الوضع السليم الدقيق المحدد، الذي يُحددُ سُلطة الحاكم، ويحفظ على المحكوم دينهُ وعزتَهُ.

فقد اعتاد المُلوكُ والأُمراءُ، واعتادت الحكوماتُ في البلاد التي فيها حُكُوماتٍ منظمة وقوانين، أَن يَأمُروا بأعمال يرى المكلَّفُ بها أن لا مندوحة لهُ عن أداءِ ما أُمر بهِ.

وصارت الرعية، في هؤلاء وهؤلاء، لا يطيعون فيما أُمروا بهِ إلا أن يُوافق هوىً لهم أو رغبة عندهم، وإلا اجتهدوا أن يقصروا في أداء ما أمروا بهِ، ما وجدوا لِلتقصير سبيلاً، لا يلاحقهم عقاب أو خوف.

وكلُ هذا باطلٌ وفساد، تختل بهِ أداة الحُكم، وتضطربُ معهُ الأنظمة والأوضاع. إذ لا يرون أن الطاعة واجبةٌ عليهم، وإذ يطيعون ـ في بعض ما يطيعون ـ شبهُ مرغمين إذا لم يوافق هواهم ولم يكن مما يحبون. 

أما الشرع الإسلامي: فقد وضع الأساس السليم، والتشريع المحكم، بهذا الحديث العظيم. فعلى المرْ المسلم أن يطيع من لهُ عليهِ حق الأمر من المسلمين، فيما أحب أو كره، وهذا واجبٌ عليهِن يأثمُ بتركهِ، سواءً عرف الآمر أنهُ قصَّر أم لمْ يعرفْ، فإنهُ تركَ واجباً أوجبهُ عليهِ اللهُ عليهِ، وصار ديناً من دينهِ، إذا قصَّ فيهِ كان كما لو قصَّر في الصلاة والزكاة أو نَحوهما من واجبات الدين التي أوجبها اللهُ.

ثم قَيَّدَ هذا الواجبَ بِقَيدٍ صحيح دقيق، بجعلُ لِلمكَلِّفِ الحقُ في تقدير ما كُلِّفَ بهِ، فإن أمرَهُ مَنْ لهُ الأمر عليهِ بِمعصيةٍ، فلا سمع ولا طاعة. ولا يجوز لهُ أن بَعصي اللهَ بطاعة المخلوق، فإن فعلَ كان عليهِ الإثم، كما كانَ على من أمرَهُ، لا يُعذرُ بأنهُ أتى هذه المعصيةِ بأمر غيرِهِ، فإنهُ مُكَلَّ مسؤول عن عملِهِ، شَانَهُ شَأنُ آمِرِهُ سواءً.

ومن المفهومِ بداهةً: أن المعصيةَ التي يجبُ على المأمور أن لا يُطيع فيها الآمرَ، هي المعصيةَ الصِّريحةَ التي لا يتأولُ فيها المأمورُ ويَتَحايلُ، حتى يُوهم نفسَهُ أنهُ امتنع لأنهُ أُمر بمعصيةٍ، مُغَالَطَةً لِنفسِهِ ولِغَيرَهِ.

ونرى أن نضرب لِذلِكَ بعض المثل. مما يَعرف الناس في زماننا هذا، إيضاحاَ وتثبيتاً:ـ موظفٌ أمرهُ من لهُ عليهِ حقُ الأمرِ أن ينتقلَ من بلدٍ يحبه إلى بلدٍ يكرَههُ، أو من عملٍ يرى أنهٌ أهلٌ لهُ، إلى عملٍ أقلَ منهُ، أو أشدَ مشقةً عليهِ، فهذا يجبُ أن يطيعَ من لهُ عليهِ الأمر، لا مندوحة لهُ من ذلكَ، أحبَ أو كرِه، فإن أبى إباءَ صريحاً واضحاً، أم أبى إباءً مُلوياً مستوراً، يَتَمَحَّل الأسباب والمعاذير.

ولقد يرى المأمور أنهُ بما أُمر بهِ مغبون، أو مظلوم مهضوم الحق، وقد يكون ذلك صحيحاً، ولكنهُ يجب عليهِ أن يطيع في حال، فإن الظُّلَمَ في مثل هذه الأمور أمر تقديري، تختلفُ فيهِ الأنظارُ والآراء والمأمور في هذه الحال ينظرُ لِنفسِهِ، ويحكمُ لِنفسِهِ، فمن النادر أن يكونَ تقديرَهُ لِلظلمِ الذي ظَنَ أنهُ لَحِقَهُ تقديراً صحيحاً، لما يُشبهُ أن يكون من غلبةِ الهوى عليهِ، ولَعلَ آمرَهُ أقدرُ على الإحاطةِ بالمسألة من وجوهها المختلفة، ولعل تقديرهُ إذ ذاك أقربُ إلى الصواب، إذا لم يكن فعل ما فعل عن هوى واضحٍ وتعنتٍ مقصود.

والظُّلمُ في مثلِ هذا حرام، ولكنهُ على الآمر، أما المأمور فلمْ يُؤمر بمعصيةٍ، إنما المعصية في إصدار الأمر على غَير جِهة الحق.

نرى بعض القوانين تأذن بالعملِ الحرام الذي لا شكَ في حُرمتهِ، كالزنا، وبيعِ الخمرِ، ونحو ذلكَ، وتشترطُ لِلإذن بذلكَ رُخصة تصدرُ من جهةٍ معيَّنةٍ في القوانين.

فهذا المُوظف الذي أمرتهُ القوانينُ أن يُعطيَّ الرُّخصَةَ بهذا العملِ إذا تحققت الشروطُ المطلوبة فيمَنْ طَلَبَ الرخصةَ، فلا يجوز لهُ أن يطيعَ ما أُمرَ بهِ، وإعطاؤهُ الرخصةَ المطلوبةَ حَرامٌ قطعاً، وإن أمرَهُ بها القانونُ، فقد أمر بمعصيةٍ، فلا سمعِ ولا طاعةَ. أما إذا رأى أن إعطاء الرُّخصة في ذلك حلال، فقد كفرَ وخرجَ عن الإسلامِ، لأنهُ أحلَ الحرامَ القطعيَّ المعلومَ حُرمتهُ من الدينِ بالضرورة.

نرى في بعضِ بلادِ المسلمينَ قوانينٌ ضُرِبت عليها، نُقٍلتْ من أُوروبة الوَثَنية المُلحدة، وهي قوانين تُخَالفُ الإسلامَ مُخَالفةً جَوهرية في كثير من أُصولها وفُروعها، بل إن في بعضها ما يَنْقُضُ الإسلام ويَهْدِمُهُ، وذلكَ أَمرٌ واضِحٌ بَدَهيٌ، لا يُخَالِفُ فيهِ إلا مَنْ يُغَلِطُ نفسَهُ، ويَجْهَلُ دِينَهُ أو يُعاديهِ من حيثُ لا يَشْعُرُ، وهي في كثيرً من أحكامها أيضاً تُوافقُ التشريعَ الإسلامي، أو لَا تنافيهِ على أقل تقدير. أي: وإن كانت في بعض موادِها الأخرى تُوافقهُ أو لا تُنافيهِ.

وإن العملَ بها في بلادِ المسلمينَ غيرُ جائزٍ، حتى في موافق التشريعَ الإسلاميَّ، لأن مَنْ وَضَعَها حينَ وَضَعَها لم يَنْظُرْ إلى مُوافَقَتِها لِلإسلامِ أو مُخَلَفَتِها لَهُ، إنْما نَظَرَ إلى مُوَافَقَتها لِقَوانينِ أُوروبَة أو لِمبَادِئها وقَوَاعِدها، وجعلها هيَّ الأصلُ الذي يَرجُعُ إلِيهِ، فهو آثَمٌ مُرْتَدٌ بهذا، سَوَاءً أوضعَ حكماً مُوَفقاً لِِلإسلامِ أوْ مُخالِفاً لَهُ. 

وقد وضعَ الإمامُ الشافعي قاعِدَةً جليلةً دقيقةً في نحو هذا، ولكِنهُ لمْ ضعْها في الذين يُشرِعونَ القوانينَ عن مصادرَ غيرَ إسلامية، فقد كانت بِلادُ الإسلامِ إذ ذاك بريئةٌ مِن هذا العارِ، ولكنهُ وَضَعَها في المجتهدين العلماء من المُسلِمينَ، الذين يَستنبِطُون الأحكَامَ قبل أَنْ يَتَثَبتَوا مما وردَ في الكِتابِ والسُنةِ الصحيحة، ويَقِيسون ويَجتَهِدونَ برأيهم على غَيرِ أساسٍ صحيحٍ، فقال في كتابِ [ الرسالة ] رقم: 178بِشرحنا وتحقيقنا: ” وَمَنْ تَكَلَّفَ مَا جَهِلَ ومَا لَمْ تُثْبِتهُ مَعرِفَتُهُ كَانت مُوَفَقَتُهُ لِلصوابِ ـ إنْ وافَقَهُ مِنْ حَيثِ لا يَعرفِهُ ـ غَيرُ مُحْمُودَةٍ، واللهُ أعلم، وكانَ بِخَطئهِ غيرُ معذورٍ، إذا ما نَطَقَ فيما لا يُحِيطُ عِلْمُهُ بالفَرِقِ بينَ الخطأ والصَّوابِ فيهِ. ” .

ومعنى هذا واضح: أن المُجتَهِدَ في الفقه الإسلاميِّ، على قَواعِدِ الإسلام، لا يكونُ معْذُوراً إذا ما كانَ اجتِهادَهُ على غيرِ أساسٍ من مَعرِفةٍ، وعن غيرِ تَثَبُّتٍ في البحث عن الأدلة من الكتابِ والسُّنة، حتى لو أصابَ في الحُكمِ، إذ تكونُ إصابتَهُ مصادَفةً، لَمْ تُبْنَ على يَق]نٍ، ولَمْ على اجتِهادٍ صحيح.

أما الذي يَجْتَهِدُ ويتَشَرَعُ!!! على قَواعدٍ خارجَةٍ عنْ قَواعدِ الإسلامِ، فإنهُ لا يكونُ مُجتهداً، ولا يكونُ مُسلِماً، إذا قَصَدَ إلى وَضْعِ ما يراهُ مِنْ الأحكامِ، وافقتِ الإسلامَ أم خالفّتهُ، فكانت مُوافَقَتُهُ لِلصوابِ، إنْ وَافَقَهُ من حيثُ لا يَعرفهُ، بل مِنْ حيثُ لا يَقصدِهُ، غَيرُ محمُودةٍ، بل كانوا لَا يقِلُّون عن أَنفسِهم كُفراً حينَ يُخَلِفون، وهذا بَديهي.

وليس هذا موضعُ الإفاضة والتحقيق في هذه المسألة الدقيقة. وما كانَ هو المَثَلَ الذي نَضربهُ، ولَكِنَهُ تمهيد.

والمَثلُ: أنَّا نرى كثيراً من المُسلِمين الذين عُهدَ إليهم بتنفيذ هذه القوانين والقيامَ عليها، بالحُكمِ بها، أو بالشرحِ لها، أو بالدِفاعِ فيها، نراهم مُسلمين فيما يَتَبَينُ لَنا مِنْ ظاهرِ أمرهم، يُصَلُّونَ ويَحرِصُونَ على الصلاةِ، ويَصُومونَ ويَحرِصُونَ على الصومِ، ويُؤدونَ الزكاةَ ويَجُودونَ بالصدقاتِ راضيةً نُفُوسَهم مُطمئنين، ويَحُجُونَ كأحسَنِ ما يَحُجُ الرجلُ المسلم، بل نرى بَعضَهم يكَادُ يَحُجُ وأهلَهُ في كلِ عامٍ، ولنْ تستطيعَ أن تجدَ عليهم مَغمَزاً في دِينِهم، من خَمرٍ أو رَقصٍ أو فُجُورٍ، وهم فيما يَفعَلون مُسلِمون مُطمئِنون إلى الإسلام، راضون مُعتقِدون عنْ مَعرفةٍ ويقينٍ.

ولكِنهم إذا مارسوا صِنَاعَتهم في القضاءِ أو التشريعِ أو الدِفَاعِ، لَبِسَتهم هذهِ القوانين، وجرت منهم كالشياطينِ مَجْرى الدمِ، فيتَعصبُون لها أشدَ التعصبِية، ويَحرصِونَ على تطبيقِ قَوَاعِدِها والدفعِ عنها، كأشدِ ما يَحرِصُ الرجلُ العَاقِلُ المُؤمنُ المُوقنُ بشيءٍ يَرَى أنهُ هو الصَّوابُ ولا صَوابَ غيرَهُ، وَيَنْسَونَ إذ ذاكَ كلَّ يَتَعَلقُ بالإسلامِ في هذا التشريع، إلا ما يَخدَعُ بهِ بعضَهم أنفُسَهم أن الفِقهَ الإسلاميََّ يَصلُحُ أنْ يكونَ مَصدَراً من مَصَادِرِ التشريعِ!!! فيما لَمْ يَرِد فيهِ نصٌ في قوانِينِهم، ويَحرِصُون كلَّ الحِرصِ أن تكونَ تَشرِيعَهمِ تَبَعاً لِما صَدَرَ إلِيهم مِنْ أمرِ أُوروبة في مُعَاهدِةِ منترو، مُطابقاً لِمَبَادِئ التشريعِ الحَديثِ، وكما قُلتُ مِرَارَاً في موضعَ مِنْ كُتُبيِ وكِتَاباتي: ” وتباً لِمَبادِئ التشريعِ الحَدِيثِ. ” . 

فهَؤلاء الثلاثة الأنواع: المُتشَرِّعُ والمُدَافعُ والحاكمُ، يَجتمِعونَ في بعضِِ هذا المعنى ويفترقونَ، والمآلُ واحد.

أما المُتشَرِّعُ: فَإنهُ يضعُ هذه القوانينَ وهو يَعتَقِدُ صِحتها وصحةَ ما يَعْمَلُ، فهذا أمْرُهُ بَيَّنٌ، وإنْ صامَ وصَلى وزَعَمَ أنْهُ مُسلمٌ.

وأما المُدَافِعُ: فَإنَهُ يُدافعُ بالحَقِ وبالباطلِ، فإذا ما دَافَعَ بالباطلِ المُخَالِفِ لِِلإسلامِ مُعتَقداً صِحتَهُ، فَهو كَزَمِيلِهِ المُتشَرِّع. وإن كان غيرّ ذلِكَ كانَ مُنافقاً خالِصاً، مَهمَا يَعْتَذرُ بأنْهُ يُؤدي واجبَ الدِفَاعِ. 

وأما الحَاكِمُ: فهو مَوضِعُ البحث ومَوضِعُ المَثل. فقدْ يكُونُ لَهُ في نَفْسِهِ عُذرُ حينَ يَحكُمُ بما يوافقُ الإسلامَ من هذهِ القوانينَ، وإن كانَ التحقيقُ الدقيقُ لا يَجعَلُ لِهَذا العُذر قيمةً. 

أما حينَ يَحكُمُ بِما يُنافي الإسلامَ، مما نُصَ عَلِيهِ في الكِتَابِ والسُّنة،ومما تَدلُ عليهِ الدلائلُ منهما، فَإنهُ ـ على اليَقينِ ـ مِمِنْ يَدخلُ في هذا الحَدِيث: قَدْ أُمِرَ بمَعصيةِ القوانين التي يَرَى أَنْ عَلِيِهِ واجِبَاً أنْ يُطِيعَها وأمرتهُ بمعصيتهُ، بل بما هو أشدَ مِنْ المَعْصية: أن يُخالفَ كتابَ اللهِ وسنَّة رسولهِ، صلى اللهُ عليهِ وسلم، فلا سمعَ ولا طاعة، فإن سَمِعَ وأَطاعَ، كانَ عَلِيهِ من الوزر ما كان على آمرِهِ الذي وضع هذه القوانين، وكانَ كَمِثْلهِ سواءً.

وقد صنعَ رجالٌ كبارٌ مِنْ رجالِ القانونِ عندنا، شيئاً شبيهاً بهذه القاعدة، احتِراماً منهم لِقوانينهم التي وضّعُوها.

فقد قَرَّرَ مجلسُ الدولة مبدأين خَطِيرين، فيما إذا تعارضَ قانون عادي من قوانين الدولة مع القانون الأساسي، وهو الدستور، فجَعَلَ الأولية لِلدستورِ، وأنهُ يَجِبُ على المَحَكِمِ أن لا تُطبقَ القانون العادي إذا عَرَضهُ.

ومَجلسُ الدولة هيئة من أعلى الهيئات القضائية، وُكِّلَ إليهِ فيما وُكِّلَ إليهِ من الاختصاص، أن يَحكُمَ بإلغاء القرارات الإدارية التي تُصدِرها الحُكُومَة إذا ما صّدّرّت مخالفةً لِلقوانين.

وهذان المبدآن اللذين نحنُ بصَددِها أصدَرَتهُمَا الدَائرة الأولى من ذلِكَ المجلس، بِرَئاسة رئِيسهِ محمد كامل مُرسي باشا، وهو واضعُ قانون مَجلس الدولة، ـو هو الذي وَلِي لَهُ اليد الطُّولى في لإصداره، وهو الذي وَلِي رئِاستهُ أولَ ما أنشئ، وهو مُرْسي قواعده، ومُثَبَّتُ أركانَهُ.

والمبدآن اللذان قررهما: 

أحدَهما: ” أنَهُ ليس في القانون المصري ما يمنعُ المحاكم المصرية من التصدي لِبحث دُستورية القوانين، بله المراسيم بقوانين، سواء من ناحية الشَّكل، أو الموضوع. ” . 

وثانيهما: أنهُ لا جدال في أن الأمر الملكي رقم 42 لِسنة 1923 بوضع نظام دُستوري لِلدولة، وهو أحدُ القوانين التي يجبُ على المَحَاكم تطبيقها، ولَكنهُ يتميز عن سائر القوانين بما لهُ من طبيعة خاصة تُضفي عليهِ صِفة العلوَّ، وتَسِمُهُ بالسيادة، بحسبانهُ كفيل الحريات وموئلها، ومناط الحياة الدستورية ونظام عقدِها. ويستتبعُ ذلكّ: أنهُ إذا تعارَضَ قانون عاديّ مع الدستور في مُنَازعةٍ من المنازعات التي تُطرح على المحاكم، وقامت بذلِكَ لديها صُعوبة، مثارُها أي القوانين هو الأجدر بالتطبيق، وجبَ عليها بحُكمٍ وضيفتها القضائية أن تتصدى لِهذهِ الصعوبة، وأن تَفْصل فيها على مُقْتَضى أصول هذه الوظيفة، وفي حُدودِها الدستورية المرسومة لها. ولا ريب في أنهُ يتعين عليها عند قيام هذا التعارض أن تَطرح القانون العادي وتُهملهُ، وتُغَلِّب عليهِ الدستور وتُطبقهُ، وبِحُسبانه القانون الأعلى والأجدر بالاتباع. وهي في ذلك لا تتعدى على السلطة التشريعية، ما دامت المحكمة لا تضع بنفسها قانوناً، ولا تقضى بإلغاء قانون، ولا تأمر بوقف تنفيذهِ. وغاية الأمر، أنها تُفاضل بين قَانِونَينِ قد تعارضا، فَتَفْصِلُ في هذه الصُعُوبة، وتُقررُ أيهما الأولى بالتطبيق. وإذا كان القانون العادي قد أُهمل، فَمَرَدُ ذلك في الحقيقة إلى سيادة الدُستور العليا على سائر ِالقوانين، تلك السيادة التي يجبُ أن يَلتَزِمُها كلُ من القاضي والشارع[ يريدُ المُتَشَرِع!! ] على حد سواء. ” . [ القضية رقم 65 سنة 1 قضائية، في مجموعة أحكام مجلس الدولة، تأليف الأستاذ محمود عاصم ج1 ص: 377ـ379. ]. 

ومن البَيِّن البديهي الذي لا يستطيعُ أن يخالف فيهِ مسلم: أن القرآن والسنة أَسمى سموّاً، وأعلى علوّاً، من ” الدستور ” ومن كلِ القوانين، وأن عليهِ يَجِبُ عليهِ أن يَطرحَ القانون إذا عارض حُكم الشريعة الثابت بالكتاب والسُّنة الصحيحة. طوعاً لأمر رسولِ اللهِ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ، في هذا الحديث: ” فَإِنْ أُمِرَ بِمعْصِيّةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ. ” . 

قال اللهُ عزَّ وجلَّ: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً } [الأحزاب:36] ؛ { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً ) 61) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً ( 62) )أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ( 63) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً(64) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (65) [النساء] .

**********

رسالة ” السمع والطاعة ” لِلعلامة أحمد محمد شاكر، مكتبة السنة.

 

-- أحمد محمد شاكر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*