الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » كيف يمكن فهم التحالف الأميركي الإخواني؟

كيف يمكن فهم التحالف الأميركي الإخواني؟

فهم الأخوان أن مسعى الوصول إلى السلطة يمر عبر بوابة الأسس التي يريدها الغرب: الانتخابات والتعهد بعدم مس مصالح الولايات المتحدة أو التعرض لأمن إسرائيل. قدموا المطلوب ببرغماتية وها هم يصلون إلى الحكم.

صعب جدا الادعاء بفهم خيوط ذلك الزحف المتسارع لحركة الاخوان المسلمين على تغيير الانظمة السياسية العربية، بكل سلاسة وتمكين. لكن لا بأس من المحاولة والتساؤل لماذا يقطف الاخوانيون ثمار دمار الربيع العربي وحدهم؟ لماذا تتساقط الانظمة السياسية العربية كأحجار الدومينو، ويسود الاخوانيون ويحكمون دون غيرهم من القوى السياسية والوطنية؟ ولماذا انتهى ذلك التطويق السلفي السعودي للاسلاميين والاخوانيين خصوصا، ولم يعد مجديا سياسيا وتم الاستغناء عنه أميركيا، بعد الاستهلاك الكامل لجهود وخدمات القاعدة، من طرف الامبراطورية الاميركية المطاطية.

بعد مقالتي حول التأثيرات التي أعتقدها محتملة للازمة السياسية الكويتية، على الامن الخليجي، سألني أحد أصدقائي على تويتر وهو يتفاعل مع مضمون المقالة: ‏ هل يعتبر الإخوان تنظيما إسلاميا معتدلا، وهل ترغب أميركا فعلا في أن يتسلموا حكم مصر مع ما يروى عن موقفهم تجاه إسرائيل؟ سؤال صديقي في غاية الأهمية لأنه يصعب أن نصحح في الاذهان صورة الاسلامي المناهض للسياسات الاميركية والامبريالية، والصهيونية، على نفس القدر الذي يصعب معه تصحيح صورة الولايات المتحدة الأميركية، عدوة الاسلام والمسلمين، وخاصة التنظيمات الاسلامية، لاعتقادها بأنها ارهابية ولا تفرخ سوى الارهابيين. 

لكن السياسة كما قالت لي عجوز حكيمة ذات مرة، “السياسة كصندوق السفر يا ولدي تجد به كل شيء والعديد من الأشياء المتنافرة، ولا توصف بوحدة الموضوع، لكنها في النهاية كلها تخدم المسافر صاحب الحقيبة.” ومسافرنا المشهور عندما نتحدث في السياسات الدولية، هو الولايات المتحدة، ويبدوا أن جميع الاحداث في الشرق الاوسط وشمال افريقيا، تخدم اهدافها الاستراتيجية، والجيوسياسية. لذا اعتقد بأن رواية التمكين الاميركي للاخوانيين، في الشرق الاوسط وشمال افريقيا، زلزال قادم من دول الخليج العربي، لا محالة، وهم يخدمون الاجندة الأميركية، دون ان تراودني أية شكوك.

حافظت التنظيمات الاسلامية على مر عقود عديدة، وعل رأسها جماعة الاخوان المسلمون، المتشعبة داخل كل دول النظام السياسي العربي، على لهجة تصعيدية شديدة القوة، ومناهضة للسياسات الاميركية، والغربية عموما. 

ومع اشتداد مخاوف الادارة الاميركية على مصالحها جراء تمدد الخط الاسلامي، ونجاح هذه التنظيمات في بناء قواعد شعبية حقيقية، عبر العمل الاجتماعي والاقتصادي الجاد، عمدت الى تطويقهم عبر تنظيم استخباري هلامي عرف بالقاعدة، وهو تنظيم سياسي متطور عن الفكر السلفي الجهادي، مهمته انتاج العنف في كل مكان، من أجل كسر شوكة هذه التنظيمات، وتشويه صورتها اسلاميا وغربيا عبر التهم النمطية كالارهاب والتطرف والعنصرية، ومنع مشروعهم التصاعدي لاسلمة المجتمع. فضلا عن مهمته الكبرى، ودوره المعروف كشماعة تعلق عليها ن كل تدخلات حلف الناتو العسكرية، في الشؤون الداخلية للعديد من الدول، تحت يافطات محاربة الارهاب، وفي أحسن الأحوال، التدخل لاسباب انسانية.

كان هذا التوجه الأميركي/ الغربي عموما، بمثابة الضوء الاخضر بالنسبة للانظمة العربية، لقمع هذه التنظيمات، وانحسار تمددها الاجتماعي، وتعطيل ارتقاءها الى تنظيمات سياسية، حيث منعت في كل البلدان العربية تقريبا، واستمرت في النشاط بشكل غير قانوني مكتفية بالعمل القاعدي (القاعدي هنا تفيد العمل الشعبي)، من خلال المساجد، وانشطة الدعوة الاسلامية. واستمرت الانظمة الاخوانية جميعها، في اتهامها للولايات المتحدة الاميركية، بدعم الديكتاتوريات، والانظمة الاستبدادية القمعية.

اليوم، ورغم أن الحركات الاحتجاجية التي سميت اعلاميا بالربيع العربي، كانت من فعل الشرائح الاجتماعية، المطالبة بمنافع سوسيو اقتصادية، وليست من فعل التنظيمات الاخوانية، التي انقضت على الأحداث وتبنتها بشكل براغماتي، الا أن الولايات المتحدة رأت أن ثورات الربيع العربي ربما تسهم في الدفع بالخطط الأميركية التي ترمي إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط سياسيا واقتصاديا. كما ان الادارة الاميركية فوجئت ولم تصدّق أبداً أن الحركات الإسلامية السياسية وخصوصا الاخوان المسلمون، قادرة بل وتقبل تبنّي قوانين الديمقراطية الغربية والالتزام بها، والحفاظ على مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، وهنا التقت المصالح، بين الولايات المتحدة الأميركية والاخوانيين الساعين الى تحقيق هدف قديم يتمثل في الوصل الى السلطة والحكم، وتصفية الحسابات مع الانظمة السياسية العربية، وربما مع شخصوها البارزين، من الرؤساء والملوك، العرب. والغريب أن التنظيمات الاخوانية أظهرت براغماتية منقطعة النظير تمثلت في، تخفيف لهجة العداء الى الولايات المتحدة الاميركية، بل وتقديم ضمانات عديدة بخصوص المصالح الاميركية، وأمن الكيان الاسرائيلي.

رغم غرابة المقارنة بين الكويت ومصر، الا ان الأزمتين الحاليتين تتشابهان بشكل كبير، من حيث تفاقم الازمة التشريعية، والاهداف التي ينشدها تنظيم الاخوان المسلمين بكلا البلدين. فالاخوان يضعون مصر والكويت بين خيارين لا ثالث لهما (مع الاشارة الا أن التنظيم الاخواني ينشط سياسيا بشكل شمولي بمعنى انه تنظيم صاحب سياسات كلية محكمة)، فاما الوصل الى السلطة، أو اشعال فتيل الثورة، واشاعة الفوضى الخلاقة. ففي اعتقاد الاخوان، كلاهما طريق يؤدي الى النصر في النهاية، ما دام الدعم الاميركي متوفرا، ولن يسمح بقمعهم مجددا من طرف الانظمة السياسية العربية، واذا حدث القمع يتم تنفيذ الخطة عبر طائرات حلف الناتو الذراع العسكرية للولايات المتحدة الميركية، كما يوشك أن يحدث في سوريا.

الشعوب العربية قامت بثورات غير موجهة فكريا، بل تم اشعالها عبر الوسائط الرقمية وقنوات اعلامية لسان حالها ناطق بالعروبة والاسلام، واهدافها الخفية تنفذ الاجندات الغربية، وتمت سرقة هذه الثورات، من طرف التنظيمات الاسلامية، والولايات المتحدة الاميركية، التي عرفت جيدا كيف تجعل الاحداث، وفواعل الثورات يخدمون اهدافها. 

أمام عجز واضح أبانت عنه الانظمة السياسية العربية، من حيث القدرة على تشكيل التحالفات الدولية، حيث فشل النظام الليبي في التحالف مع القطبين القادمين الروسي والصيني، وايقاف الزحف الامبراطوري الاميركي، وبوادر فشل النظام السوري أصبحت تلوح في الافق. ولم يتبقَ للانظمة السياسية العربية، خاصة الخليجية، التي لم تعرف ثورة بعد، سوى المضي قدما في تنفيذ مخططات الاصلاح الداخلي، الجذري، سياسيا واقتصاديا، واجتماعيا، لقطع الطريق أمام زلزال الفوضى السياسية، والعنف القادمين.

—————–

باحث مغربي متخصص في تحليل الصراع

newsdata1@gmail.com

ميدل ايست أونلاين

-- *بقلم: أحمد سالم أعمر حداد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*