الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » استحقاقات أول رئيس مدني للجمهورية الثانية في مصر

استحقاقات أول رئيس مدني للجمهورية الثانية في مصر

اختتم إعلان اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية لنتيجة الاقتراع في جولة الإعادة مرحلةً هي الأكثر إثارة للجدل في عملية انتقال السلطة التي امتدت على مدى عام ونصف عام، حيث حصل مرشح حزب الحرية والعدالة، التابع لجماعة الإخوان المسلمين، على 13.2 مليون صوت بنسبة 51.7% مقابل 12.3 مليون صوت حصل عليها الفريق أحمد شفيق بنسبة 48.3 %. ويعبر هذا التقارب عن حالة الاستقطاب السياسي الحاد بين المنتمين للتيارات الدينية والثورية من جانب، والتيارات المحافظة المؤيدة للنظام السابق من جانب آخر، واحتدام التصعيد بين التيارات الثورية، ومؤسسات الدولة العميقة الساعية للحفاظ على الأوضاع الراهنة، واعتراض المد الثوري الراديكالي.

وفي خضم تلك التحولات، يواجه الرئيس المدني الأول في بداية الجمهورية الثانية تحديات متعددة ترتبط بجملة التناقضات والأزمات التي أفرزتها المرحلة الانتقالية بمسارها المتذبذب، والثنائيات المتناقضة التي سيطرت على المشهد السياسي المصري بين المنتمين للتيار الديني وداعمي علمانية الدولة، وبين التيارات الثورية الداعية للتغيير والتيارات المحافظة الداعمة لبقاء الوضع الراهن، فضلاً عن التعارض بين مصالح مختلف الأطراف، تعبيراً عن تبعات الحالة الثورية، وتصاعد السخط الشعبي، نتيجة للأزمات الاقتصادية والأمنية المتتالية.

أولا- دلالات نتائج الانتخابات الرئاسية:

جاءت نتائج الانتخابات الرئاسية كاشفة عن اقتسام مرسي وشفيق للأصوات تقريباً، وتقدم مرسي بفارق ضئيل كنتاج لاصطفاف القوى الثورية خلفه، مع تراجع حجم الكتلة التصويتية لحزب الحرية والعدالة التابع للإخوان المسلمين الذي لم يتجاوز نصيبه من الأصوات في الجولة الأولي 5.7 مليون صوت، مما يفرض على الرئيس محمد مرسي تبني خطاب توافقي يركز على الاصطفاف السياسي للقوى الثورية لاستيفاء الاستحقاقات الثورية، وفي الوقت نفسه استمالة المنتمين للتيار المحافظ وداعمي “الدولة المدنية” الذين منحوا أصواتهم لشفيق، بما سيؤثر فى قدرته كرئيس في فرض خياراته، بالنظر إلى التناقضات الحدية بين التيارات سالفة الذكر.

وسيتأثر الرئيس الجديد كذلك بعدم قدرته في حشد التأييد لصالحه في العاصمة ومحافظات الدلتا، بما يعكس المخاوف من أن يؤثر انتماؤه لجماعة الإخوان المسلمين فى استقلاليته واقتداره على إدارة المنصب الأهم في النظام السياسي المصري على مدى ستة عقود مضت. وترتبط تلك المخاوف بغموض وتضارب أطروحات التيارات الدينية حول كيفية تطبيق الشريعة، وما قد يترتب على ذلك من ضوابط مجتمعية وقانونية، يجدها البعض إخلالاً بحقوق المواطنة، وما تفرضه التعددية الدينية والسياسية ومقتضيات الواقع من متغيرات.

وتتصاعد التحديات التي سيواجهها مرسي بالنظر إلى افتقاده تأييد الأقباط وعدد كبير من المنتمين للتيارات الصوفية، وقطاع واسع من رجال الأعمال والعاملين في قطاعات السياحة، والبنوك، والعقارات، وقطاع أوسع من المواطنين غير المنتمين سياسياً، أو من اصطلح على تسميتهم “الأغلبية الصامتة” ممن اصطفوا خلف الفريق شفيق في الانتخابات، فضلاً عن المخاوف من أن تأتي التوجهات الخارجية له ترجمة للخطاب المثالي لجماعة الإخوان المسلمين تجاه قضايا خارجية متعددة، لاسيما القضية الفلسطينية، والعلاقات مع إسرائيل، مما سيؤثر فى استقلاليته في فرض تغيرات هيكلية على منظومة التفاعلات الحاكمة للسياسة المصرية، خوفاً من تكتيل معارضيه ضده، وسيجعل وضعه في مؤسسة الرئاسة هشا وغير مستقر.

ثانيا- تحديات رئاسة الجمهورية الثانية:

بغض النظر عن التحولات في خريطة الكتل التصويتية للتيارات والقوى السياسية المختلفة، يأتي تولي الرئيس المدني الجديد لصلاحياته في خضم مخاض عصيب تمر به الدولة المصرية بمختلف مؤسساتها، لاسيما في ظل استمرار تردي الأوضاع الاقتصادية، والاحتجاجات الفئوية، والانفلات الأمني، وحالة الجدل السياسي المحتدم حول تأخر استيفاء استحقاقات الثورة، وانتقال السلطة، وهو ما ينذر باحتمال تفجر الأوضاع من جديد، والعودة لنقطة الصفر. وتشمل قائمة التحديات التي يواجهها الرئيس ما يلي:

1- انهيار ترتيبات المرحلة الانتقالية:

يُعد حكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية المواد الأربع التي أجريت على أساسها انتخابات مجلسي الشعب والشورى، وبالتالي حل البرلمان بأكمله، أحد أهم التحديات التي يواجهها الرئيس، إذ يمكن اعتباره تحولا جوهريا في مسار عملية انتقال السلطة وتفاعلات الأطراف الأساسية، في ظل موجة الغضب الشعبي واسعة النطاق، لاسيما مع تزامنها مع إصدار وزير العدل قراراً بمنح صلاحيات الضبطية القضائية للشرطة العسكرية والمخابرات الحربية، بما رآه عدد كبير من الناشطين التفافاً على إلغاء مجلس الشعب لقانون الطوارئ، بما يعني إجمالاً استمرار الاتجاه التصعيدي الناتج عن اختلال التوازن الهش بين مختلف الفاعلين السياسيين لغير صالح التيارات الثورية، في ظل التناحر السياسي فيما بينها، واحتدام الصدام مع مؤسسات الدولة، خاصة المؤسسة العسكرية والقضاء.

وبدون مجلس الشعب المنتخب الذي تمتعت جماعة الإخوان المسلمين والتيارات السلفية بأغلبية مقاعده، فإن كافة ترتيبات المرحلة الانتقالية ستتم إعادتها، لاسيما في ظل الاحتمالات القوية لبطلان تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور التي شكلها مجلس الشعب، بما يفرض على الرئيس الحفاظ على التوازن مع المجلس العسكري الذي يتولي السلطات التشريعية في المرحلة الانتقالية. وإجمالاً، يظل دور الرئيس مكبلاً بافتقاده لظهير تشريعي قوي يدعم فرض برنامجه، وتطبيق تعهداته للناخبين.

2- صلاحيات الرئيس في ظل الإعلان الدستوري المكمل:

ثمة جدل كبير حول الإعلان الدستوري المكمل الذي أصدره المجلس العسكري، حيث رأته جماعة الإخوان المسلمين والقوى الثورية تحجيما لأدوار الرئيس، فيما يرى آخرون أنه محاولة من المجلس العسكري لعدم انجراف الرئيس والجمعية التأسيسية للدستور باتجاه تغيير الملامح الأساسية للنظام القائم، في ظل دور مركزي احتفظ به المجلس العسكري لنفسه، يضبط من خلاله تفاعلات مختلف المؤسسات، ويكبح اختصاصات الرئيس، بما يجعل النموذج التركي الأقرب للوضع الراهن في مصر، ويجعل احتمالات التصعيد بين المؤسسات قائمة بقوة، لاسيما في ظل التناحر السياسي بين القوي الثورية وبعضها من جانب، ومؤسسات الدولة العميقة المقاومة للتغيير من جانب آخر.

ويتضح من الصلاحيات والاختصاصات المنصوص عليها في الإعلان الدستوري المكمل أن المجلس العسكري تمكن في ظل الفراغ الدستوري الحالي من استعادة الصلاحيات التشريعية إليه، فضلاً عن الاستئثار بعملية صياغة وتنفيذ السياسة الدفاعية، والفصل في شئون المؤسسة العسكرية، في ظل تشكيل مجلس أعلى للدفاع الوطني، يمثل العسكريون أغلبية أعضائه، بما يخرجه من إطار الخضوع للرئيس المنتخب، وهو ما يمكن اعتباره استباقا لوصول مرشح جماعة الإخوان المسلمين، د.محمد مرسي، للرئاسة، في سابقة لم تشهدها الدولة المصرية منذ إعلان الجمهورية.

3- المطالب المجتمعية المتصاعدة:

تمثل ملفات تحفيز الاقتصاد وضبط الأوضاع الأمنية أهم القضايا التي تواجه الرئيس الجديد الجديد. وفي ظل التعارض في المصالح بين التيارات الثورية وقيادات وزارة الداخلية، لاسيما حيال محاكمات المتهمين في قضايا قتل المتظاهرين، والمطالبات بتطهير وزارة الداخلية، فإن ضبط الأوضاع الأمنية يمثل تحدياً للرئيس المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين التي ارتبطت بعلاقات عداء تاريخي مع وزارة الداخلية والقيادات الأمنية، خاصة خلال عهد الرئيس السابق.

وعلى مستوى الأوضاع الاقتصادية، فإن الرئيس يواجه تحالفاً قوياً من رجال الأعمال والمستثمرين المصريين والأجانب، يسعي للحفاظ على الأوضاع الراهنة، وعرقلة أية سياسات تحجم نفوذهم الاقتصادي، وتقتطع من هوامش أرباحهم، لاسيما فرض الضرائب التصاعدية والضرائب على الأرباح الرأسمالية، أو تهديد أوضاعهم الاحتكارية، أو استعادة الدولة لقبضتها القوية في تنظيم الاقتصاد، وإنهاء الشراكة المربحة بين الدولة والقطاع الخاص ذات الضوابط الرخوة التي تحقق مصالح رجال الأعمال على حساب الطبقات الكادحة. ومن المرجح أن يواجه الرئيس ضغوطاً قوية قد تعترض تطبيق برنامجه الاقتصادي، وتحفيز القطاعات المختلفة.

4- ثورة الآمال والتوقعات:

انهارت توقعات المواطنين للمدلولات الإيجابية للثورة، مع امتداد المرحلة الانتقالية من ستة أشهر إلى سنة ونصف سنة تقريباً. ونتيجة عدم تحقق مطالب الثورة السياسية والاجتماعية، والانفلات الأمني، وتردي الأوضاع الاقتصادية، بدأت الجماهير في النفور من استمرار الوضع الراهن، لاسيما مع تآكل الاحتياطي النقدي ، وفقدان الاقتصاد المصري لموارد النقد الأجنبي، مثل القطاع السياحي، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، وزيادة عجز الموازنة، فضلاً عن تصاعد معدلات البطالة، واستمرار الانفلات الأمني.

ومن ثم، أضحي المواطنون الأكثر وعياً والأكثر فقراً يشعرون بالإحباط من عدم جني ثمار الثورة. وتضفي بعض القضايا الشائكة على مهمة الرئيس صعوبات إضافية، خاصة قضايا شهداء الثورة التي لم يفصل فيها، بما يحقق العدالة من منظور أهالي الشهداء ، بالنظر إلى ما قد يترتب عليها من تداعيات أمنية، في حالة إصدار أحكام لصالح أي من طرفيها، وهو ما يضع مسئولية كبيرة على الرئيس لتوجيه جماهير الناخبين لدعم انتقال السلطة ، وتقديم حلول ناجعة وسريعة للمشكلات الاقتصادية، والاجتماعية، والأمنية، بالتعاون مع حكومة وحده وطنية تحسم القضايا الجماهيرية المعلقة، لاسيما محاكمة قتلة الشهداء، وملاحقة الفاسدين، واسترداد الأموال المنهوبة، وتسليم السلطة.

5- التهديدات الخارجية :

تتمثل أهم تلك التهديدات في عدم الاستقرار على الحدود بين مصر وقطاع غزة، نتيجة نشاط تنظيمات المقاومة الفلسطينية ضد إسرائيل، وعمليات تهريب الأسلحة المتواصلة عبر الحدود المصرية ، بما قد يدفع إسرائيل لمهاجمة المناطق الحدودية المصرية، في ظل الاستنفار الأمني الذي يفرضه الجيش الإسرائيلي. وقد يكون لعلاقات جماعة الإخوان المسلمين مع حركة حماس، وخطابها المعلن الداعم للمقاومة، أثره في تكبيل قدرتها على ضبط الحدود وتعظيم التهديدات. وقد يؤدي في المقابل لقدرة أكبر على فرض التهدئة بين حماس وإسرائيل لتجنب الدخول في صدام مباشر مع الولايات المتحدة حول أمن إسرائيل.

كما يواجه الرئيس أيضاً ملفات خارجية متعددة لا تقل تعقيداً عن الأوضاع على الحدود المصرية- الإسرائيلية، أهمها: قضية مياه النيل ، وأوضاع العمالة المصرية في دول الخليج، والعلاقات مع إيران والموقف من الثورات العربية، لاسيما الأوضاع المرتدية في سوريا.

ثالثا- خيارات الرئيس للتعامل مع التحديات :

من المؤكد أن رئيساً مدنياً ذا خلفية أكاديمية سيواجه التحديات سالفة الذكر بالاعتماد على خطاب توافقي يرتكز على الشعارات الثورية، وفي الوقت ذاته يتجنب الصدام المباشر مع مؤسسات الدولة، والقوى السياسية المناوئة له، إن لم يعمل على استمالتها لصالحه في المراحل الأولي من فترته الرئاسية التي لا يعلم يقيناً مداها الزمني، ومدي إمكانية استمراره في منصبه بعد إصدار الدستور الجديد. ومن المحتمل أن تنتظم علاقات الرئيس بمختلف القوى السياسية، وتعاطيه مع التحديات سالفة الذكر، من خلال الآتي:

1- الحفاظ على الاصطفاف الثوري:

يدرك الرئيس مرسي وقيادات جماعة الإخوان المسلمين أنه مدين بوصوله للرئاسة بالاصطفاف الوطني الثوري المناوئ للفريق أحمد شفيق ورموز النظام السابق، وأن الهوة بين جماعة الإخوان المسلمين والقوى الثورية أعقد من أن يتم تجسيرها ، لاسيما بعد نهج الاستحواذ الذي اتبعته الجماعة في تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور، والتفافها حول الاتفاق على معايير تشكيلها، وتقاسم التيارات الإسلامية والمدنية لأعضائها، بما يجعل تشكيل فريق رئاسي توافقي وحكومة وحده وطنية تضم كافة التيارات السياسية مهمة أساسية للرئيس الجديد لتعزيز الاصطفاف الثوري، وبناء الثقة مع مختلف التيارات السياسية للالتفاف على الحصار المفروض على الرئيس من مختلف مؤسسات الدولة، وتحجيم صلاحياته في الإعلان الدستوري المكمل.

2- تجنب الصدام المباشر مع مؤسسات الدولة :

استمرار الاحتجاجات والاعتصام في ميدان التحرير لا يعني اتجاه الرئيس الجديد للصدام مع مؤسسات الدولة، أو اتباع سياسة تطهير مؤسسي واسعة النطاق للقيود المفروضة على دوره وصلاحياته، لاسيما من المؤسسة القضائية والمجلس العسكري. ومن ثم، سيتوازى التصعيد في ميدان التحرير ومفردات الخطاب الثوري مع خطاب استرضائي تصالحي مع مؤسسات الدولة، وميل للتفاوض لتجنب الصدام المباشر الذي قد يكبل الرئيس وقدرته على تنفيذ برنامجه، أملاً في الحد من تآكل قاعدة مؤيدي الإخوان المسلمين التي كشفت عنها نتائج المرحلة الأولي من الانتخابات الرئاسية.

3- المزج بين مفردات الشريعة والمواطنة والمدنية:

من المرجح أن يواجه الرئيس مرسي الحصار المفروض عليه من حلفائه من التيارات السلفية الساعية لتطبيق الشريعة، وفق رؤيتها، والتيارات الثورية المدنية الرافضة لتلك التوجهات بتوظيف مفردات خطاب الشريعة بصورة غائية، في الوقت ذاته الذي يؤكد فيه حقوق المواطنة، ومدنية الدولة، والقيم الديمقراطية، وربما يلجأ لتبني خطاب سياسي يميل لإرجاء تطبيق الشريعة لمرحلة لاحقة لتهدئة مخاوف داعمي علمانية الدولة، والحفاظ على الاصطفاف الثوري من التفكك بالتركيز على التضاد مع القوى المناوئة للثورة، ورموز النظام السابق.

4- دعم التصعيد الثوري في ميدان التحرير:

يُعد تكثيف الوجود في ميدان التحرير، وإذكاء الزخم الثوري بدعوات متتالية للتظاهر والاعتصام، وتهيئة الميدان لموجة احتجاجات واسعة، أداة أساسية للضغط على المجلس العسكري، ومساومة شاغلي السلطة السياسية لتقديم مزيد من التنازلات للرئيس الجديد، في إطار صفقة متوازنة تحقق مصالح الطرفين. وفي الوقت ذاته، يستهدف الحشد رأب الصدع بين جماعة الإخوان المسلمين والتيارات الثورية التي باتت فاعلاً أساسياً، عقب نتائج الجولة الأولي من الانتخابات الرئاسية. وسيتوازى مع ذلك التصعيد اختصام قرار المجلس العسكري بحل البرلمان قضائياً، وعرقلة محاولات حل الجمعية التأسيسية، والإسراع بوتيرة عملها قبيل إصدار حكم قضائي ببطلان تشكيلها.

————-

تعريف الكاتب:

معيد في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة

————-

نقلاً عن السياسة الدولية

-- محمد عبد الله يونس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*