الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الأحزاب الإسلامية.. هل تعتبر أحد عوامل التغيير في اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟

الأحزاب الإسلامية.. هل تعتبر أحد عوامل التغيير في اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟

مهدت الحاجة إلى التغيير عقب ثورات الربيع العربي الطريق أمام صعود غير مسبوق للأحزاب الإسلامية إلى السلطة، مما أحدث قلقا بين المستثمرين بشأن مدى تشجيع تلك الأحزاب النشاط التجاري. ومن بين التساؤلات التي يطرحها المستثمرون، التساؤل التالي: ما موقف الإسلاميين تجاه حجم الدولة وما احتمال أن يفرضوا قيودا تجارية على أسس سياسية أو آيديولوجية؟

وفي هذه المقالة، نسعى للإجابة عن بعض هذه التساؤلات، عن طريق تحليل البرامج الاقتصادية والتصريحات العلنية التي تصدر عن حزب «الحرية والعدالة» في مصر، وحزب «العدالة والتنمية» في المغرب، وحزب «النهضة» في تونس، وحزب «العدالة والتنمية» التركي، و«الحركة الدستورية الإسلامية» في الكويت. ولمعرفة ما إذا كان من المحتمل أن تعمل هذه الأحزاب على تعزيز حرية السوق وانتهاج سياسات مشجعة للمستثمرين، تم تقييم تلك الأحزاب على معيار 18 مقياسا للإدارة السليمة ضمن 5 فئات من السياسات الاقتصادية وهي: سوق العمل، والسياسة الاجتماعية، والسياسة النقدية، والسياسة التجارية، والسياسة الاستثمارية. وتحصل الأحزاب على درجات تتراوح من +2 لاتخاذ موقف صديق جدا للسوق، إلى -2 لاتخاذ موقف معاد جدا للسوق، ودرجة صفر لاتخاذ موقف محايد. وقد استبعدت من التحليل الجوانب التي لا توجد تصريحات بشأنها، وتعد الدرجة +8 أكبر درجة مجمعة للمواقف الصديقة للسوق بين الأحزاب على أي مقياس منفرد، ويتم التعبير عن حاصلات الجمع في صورة نسبة مئوية من هذه الدرجة القصوى.

ورغم أن النتائج التي توصلنا إليها تكشف عن أن التيار السائد من الإسلاميين يؤيد بشكل عام اتخاذ إصلاحات اقتصادية صديقة للسوق، فإن تحديات التطبيق سوف تواجه أي حزب في الحكومة، بغض النظر عن الآيديولوجية الدينية. ولكن مع ذلك، فإن مثال حزب «العدالة والتنمية» في تركيا يقودنا إلى تفاؤل حذر تجاه النموذج الاقتصادي الذي من المرجح أن تنتهجه الأحزاب الإسلامية في العالم العربي.

سياسة العمل: اختبار للقدرة على الوفاء بالتعهدات

تبدي الأحزاب الإسلامية نوايا واضحة في إيجاد فرص عمل جديدة، ودمج الاقتصاد الموازي، وإصلاح الإدارة العامة. وبناء على البيانات المأخوذة من الحملات الانتخابية، بلغ مجموع الدرجات التي سجلتها الأحزاب الخمسة 62.5 في المائة بالنسبة لنواياها لتطبيق «إدارة فعالة للقطاع العام». إلا أن تأكيداتها الطموحة تثير مخاوف بشأن مدى ملاءمتها السياسية والعملية للتطبيق. على سبيل المثال، فإن رغبة حزب «العدالة والتنمية» في تقليل معدل البطالة إلى 7 في المائة عن المعدل الحالي وهو 9 في المائة بحلول عام 2016 ليس هدفا محافظا بكل تأكيد. وبالنظر إلى التباطؤ الذي يشهده الاقتصاد العالمي حاليا، فسوف يكون من الضروري إدارة التوقعات الخاصة بحدوث انخفاضات حادة في معدلات البطالة من أجل تجنب إحباط رجل الشارع الذي نفد صبره.

سياسة المالية العامة: الكفاح من أجل المحافظة على موازنات مستدامة مع توفير النفقات اللازمة

تزداد فجوات التمويل عبر المنطقة، خاصة عقب حزم التحفيز المالي التي تم تقديمها أثناء الأزمة المالية العالمية وثورات الربيع العربي. ونتيجة لهذا، فمن المستبعد أن تعمل الأحزاب الإسلامية على زيادة حجم الإنفاق الاجتماعي على الرغم من الضغوط الشعبية، إلا أنها ستحاول الحفاظ على جمعياتها الخيرية العديدة التي تضطلع بتقديم الخدمات الاجتماعية خارج إطار الحكومة. وتتبدى حساسية هذه المشكلة في ضعف مواقف الأحزاب المختلفة تجاه «تعزيز الوضع المالي»، حيث بلغ مجموع الدرجات التي سجلتها 37.5 في المائة.

تعتبر برامج الإعانات الخاصة بالأغذية والطاقة المكلفة بمثابة عبء كبير على الموارد المالية الوطنية. لقد كان حزب «الحرية والعدالة» في مصر صريحا في الإشارة إلى احتمال فرض أسعار أعلى على الصناعات المعتمدة بشكل كبير على الطاقة، وليس المنازل. غير أن العواقب السياسية والاجتماعية من المرجح أن تعرقل تنفيذ تلك البرامج، الأمر الذي ربما يفسر عدم الإشارة لهذا الموضوع في برنامج حزب «العدالة والتنمية». ويسجل المقياس الذي يقيس نوايا تعزيز «برامج الإعانات المستدامة والفعالة» مجموع درجات محبطا نسبته 12.5 في المائة. لكن يبقى السؤال هو ما إذا كانت هذه النتيجة تمثل الرؤية الحقيقية بشأن الإعانات أم الصمت الاستراتيجي بشأن قضية اجتماعية متفجرة تسعى الأحزاب لتجنبها مع توليها السلطة لأول مرة.

السياسة النقدية: تحرير سعر الصرف والحفاظ على استقلالية البنك المركزي

بالنظر إلى الرياح المعاكسة القوية التي يحتمل أن تواجهها الأحزاب الإسلامية عند توليها مقاليد السلطة، نبعت رغبة واضحة في تجنب التدخل في عمليات البنك المركزي من تصريحاتهم العامة، ممهدين الطريق لاستمرار استقلال البنك المركزي. من الجدير بالملاحظة موقفهم التحرري إزاء تقلب سعر الصرف. يؤيد حزبا «النهضة» و«الحرية والعدالة» بقوة التعويم الكامل للعملة. لكن يبدو الاتجاه صديقا للسوق بصورة أكبر من مواقف الأنظمة السابقة.

السياسة التجارية: محاربة الفساد ولكن مع إظهار تقدم بطيء بشأن القيود التجارية

بصرف النظر عن الفرص المتأصلة في التكامل الإقليمي، فإن المخاطر المتعلقة بتطبيق الحدود التعسفية التي ربما تؤثر على الأسعار وتدعم الاستقرار، ما زالت قائمة بدرجة كبيرة. بشكل عام، تعجز المواقف الحيادية بصدد مقياس «غياب القيود التجارية على أسس سياسية» عن التخفيف من حدة المخاوف.

على الجانب الآخر، اكتسبت نوايا التعامل مع الفساد زخما من الشوارع مع ركوب الأحزاب الإسلامية الموجة المعارضة للكسب غير المشروع بمجموع درجات نسبته 50 في المائة على مقياسي «مستويات الفساد المنخفضة» و«غياب الممارسات الاحتكارية». سوف يثبت أن التعامل مع المحسوبية المستشرية أمر ينطوي على تحديات كبيرة، لكننا نتوقع تحسين قانون مكافحة الاحتكار، على نحو يقود إلى بيئة عمل أكثر إنصافا.

الاستثمار وسياسة سوق المال: التركيز على أسواق رأس المال والتمويل الإسلامي

يعتبر التعاون مع سلطات سوق رأس المال المحلية وطرح مبادرات للاستثمار الأجنبي وإصلاح البيئة التنظيمية من بين الإجراءات الصديقة للسوق التي تقترحها الأحزاب الإسلامية.

ويعكس مجموع درجات نسبته 100 في المائة على مقياس «تعزيز الاستثمار المسؤول اجتماعيا» رغبة قوية في إدخال نظام التمويل الإسلامي. تطالب الأحزاب ذات الآراء المتطرفة بأن يحل التمويل القائم على الشريعة الإسلامية محل الأسلوب المصرفي التقليدي. على الجانب الآخر، تشجع الأحزاب الإسلامية الممثلة للتيار السائد تبني التمويل الإسلامي بوصفه مكملا للأسلوب المصرفي التقليدي. ونحن ننظر لهذا بوصفه تطورا مرحبا به، خاصة بالنظر إلى نمو هذا القطاع على المستوى الدولي خلال العقد الماضي، بما في ذلك في الأسواق غير الإسلامية. بإمكان مصر دفع النمو في هذا القطاع وأن تصبح مركزا إقليميا للمنتجات المالية الإسلامية.

تركيا: نموذج يدعو للتفاؤل ولكنه ليس الحل الكامل

أبرزت الأزمة المالية التي عانت منها تركيا عام 2001 الضعف الذي تعاني منه الحكومة الائتلافية، على نحو مهد الطريق لحزب «العدالة والتنمية» الذي يفتقر نسبيا للخبرة، والذي صعد للسلطة عام 2002.

لم تكن إجراءات التقشف التي انتهجها حزب «العدالة والتنمية» محبوبة. التزمت الحكومة بهذه الأجندة الاقتصادية، واضعة نصب عينيها هدف الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، كانت النتائج ملموسة: ارتفع حجم الاستثمار الأجنبي المباشر ليصل إلى 19.9 مليار دولار في عام 2007 بعد أن بلغ 0.9 مليار دولار في عام 2002. وسجل إجمالي الناتج المحلي خلال الفترة نفسها معدل نمو سنويا نسبته 6.8 في المائة. لقد حقق العديد من مبادرات حزب العدالة والتنمية مزيجا من النتائج، لكن التجربة الكلية لتركيا مع حزب إسلامي في السلطة كانت صديقة للسوق بالنسبة لاقتصاد الدولة.

تحمل الحاجة إلى برنامج من صندوق النقد الدولي لانتشال الدولة من حالة الركود أثناء أول فترة يتولى فيها حزب «العدالة والتنمية» السلطة، أوجه تشابه لافتة مع الصعود الحالي لحزب «الحرية والعدالة» في مصر في خضم حالة الاضطراب الاقتصادي وإعداد صندوق النقد الدولي برنامجا.

التطلع للمستقبل

بشكل عام، تبدو تصريحات الأحزاب الإسلامية الممثلة للتيار السائد صديقة للسوق. سوف يواجه هؤلاء الذين صعدوا إلى السلطة تحديات في تنفيذ سياساتهم الاقتصادية بسبب المعوقات الهيكلية، وليس أي نزعة دينية بعينها.

يقدم مثال حزب «العدالة والتنمية» في تركيا قراءة تفاؤلية، على الرغم من الديناميكيات المختلفة. نلاحظ أن «دعامة» الإصلاح في تركيا لعدة سنوات كانت ممثلة في احتمال الانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبي. وقد وفر «الربيع العربي» دعامة «محلية الصنع» أكثر إقناعا، قادرة على تجديد الزخم للتغيير.

ليس بوسعنا التنبؤ بالمستقبل بالنسبة للإسلاميين الجدد، لكننا نرى أنهم من المرجح أن يسعوا لتوفير بيئة مساعدة على النمو الشامل تكون صديقة للمستثمر، ولكن مع اكتساب بعض المعلومات أثناء عملهم.

* يمكن الاتصال بكاتبي هذا التقرير في «أرابيا مونيتور» على الموقع الإلكتروني: «www.«arabiamonitor.com

* بالمشاركة مع: سعيد بن مهيدي وآية السعيد وميليسا مبارك

———-

نقلاً عن الشرق الأوسط

-- د.فلورنس عيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*