الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » المعارضة البحرينية و«حقيبة» السفير كراجيسكي

المعارضة البحرينية و«حقيبة» السفير كراجيسكي

مرة أخرى تقع المعارضة البحرينية في شرك العلاقة مع الخارج. في هذا لا يبدو أنها تفرق بين الولايات المتحدة وإيران دون أن تلاحظ أنها جزء من صفقة تقاسم المصالح الإقليمية بين الطرفين.

أثار الحوار الذي أجرته صحيفة الوطن البحرينية مع السفير الأميركي كراجيسكي في عددها 2388 بتاريخ 24 يونيو 2012، ردود فعل عديدة من قبل بعض الإعلاميين والساسة في البحرين، وذلك من جهة ما جاء فيه من تصريحات بدت في لفظها مخالفةً لطبيعة العلاقة التقليدية بين مملكة البحرين وأميركا التي ظلّت قائمة على التكافؤ والاحترام المتبادل.

والظاهر أنّ السيد توماس كراجيسكي ليس هو السفير الأميركي الوحيد الذي يسعى إلى حشر أنفه في الشؤون الداخلية للبلد الذي يُقيم فيه، فذاك يُعدُّ من صُلب أدوار الدّبلوماسية الأميركية. ناهيك عن أنّ مملكة البحرين ليست هي الدولة الوحيدة التي يتحرّك فيها سفير أميركيّ بحريّة زائدة عن اللزوم، حيث يزور الشركات الكبرى والفضاءات الطلابية ويحادث الوزراء، إذْ تكفينا، لتأكيد هذا المعطى، العودةُ إلى «تجوال» سفراء أميركا في المقرات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني وأحزاب المعارضة في دول الثورات العربية. نقول هذا، حتى لا يُنظرَ إلى ما جاء في حوار السفير كراجيسكي لصحيفة الوطن البحرينية على كونه «بدعة» دبلوماسية تحتاج ردًّا صارمًا حكوميا وشعبيا، أو قولاً “أصابنا بالصدمة والذهول” (عبدالحليم مراد) لأنه «لا معنى أن يأتي السفير الأميركي ويعلّم البحرينيين عدم وجود فرق بين التظاهر السلمي والتظاهر المتجاوز للقانون، فالبحرينيون ليسوا بحاجة لمثل هذا التعليم» (يوسف البنخليل)، وهو ما يتطلّب توجيه خطاب إلى «جهتين مسؤولتين عن إعادة الأمور لنصابها؛ الأولى الحكومة والثانية مجلس النواب» (سوسن الشاعر).

وعلى وجاهة هذه الردود وما فيها من غيرة وطنية، نزعم أنّ ما يعني المواطن البحرينيّ اليوم ليس ما قاله السيد كراجيسكي، بل ذاك الذي لم يقله (ولن يقوله أبدا). وعليه، يجب أن ننظر في مضمون هذا الحوار من زاويتيْن: زاوية العادات الدبلوماسية «السياديّة» لأميركا في تعاطيها مع الشؤون العربية عامّةً، وزاوية واجبات المواطن البحرينيّ في حماية وطنه.

بالنسبة إلى زاوية النظر الأولى، لا نرى في حوار كراجيسكي أيّ جديد، بل هو لا يحتاج كثيرًا من التأويل لفهمه، فقد بدا فيه دبلوماسيا صادقًا مع ما تنهض عليه توجّهات السياسة الخارجية الأميركية مع مختلِف أقطار العالم العربي. وهو صدقٌ «أميركي» ألفناه قائمًا على كثيرٍ من التناقُضِ المتعمَّدِ في النظر إلى الأشياء والأحداث وفق ما يوصف بازدواجية مواقف أميركا التي تعتمد فيها تقنية المكياليْن في تعاملاتها السياسية مع الشأن العربيّ، حيث ظلّ السفير في جميع حواره يثبت الشيءَ وينفيه في الآن نفسه، فانسحاب المعارضة البحرينية من مجلس النواب يمثّل، بالنسبة إليه، خطأ سياسيا مَرّة، وعملا تكتيكيا مرة أخرى، وإذْ ينفي تدخّل طهران في شؤون دول مجلس التعاون الخليجي، يعود ليثبته بالقول إن طهران تمثل تهديدا للمنطقة وهي خطر على العالم. بل إنّ في حواره ما يبدو لنا، وللوهلة الأولى، مغازلةً مجّانيةً لطهران تتناقض تمامًا مع سياسات أميركا في منطقة الخليج العربي.

أمّا إذا نظرنا إلى مضمون هذا الحوار في إطار ما شهدته المملكة من احتجاجات سياسيّة قادتها أطراف في المعارضة ذات ولاءات إيديولوجية لا تصبّ في مصلحة البحرين دولةً وشعبًا، وجب علينا، حينئذ، أن ننظر بتمعّن إلى المسكوت عنه في حقيبة السفير كراجيسكي. وسنكتفي من ذلك بأمور ثلاثة:

– أوّلها أنّ الرّجل فتح الأعيُنَ على حقيقة أنّ ما يعني أميركا، وكذا إيران أيضًا، ليس هو نشر الدّيمقراطية ودعم حقوق الإنسان في البحرين، وإنّما هو الحفاظ على مصالحها في منطقة الخليج العربي عامة. ولتحقيق ذلك، تعمل سفارتها على فتح قنوات تواصل مع بعض قوى المعارضة بهدف ابتزازها سياسيا واستغلال أيديها لتحريك الجمر، وهو أمر أكّده كراجيسكي بقوله في مسألة الحوار الوطني «وشجعنا جميع الفئات والجمعيات على المشاركة فيه»، ما يشي بكون تلك الجمعيات المعارِضة محكومة بتوجيهات خارجية، ولها أجندات أجنبية قد لا تتوافق مع ما يطمح إليه المواطن البحرينيّ من استقرار ماديّ ومعنويّ، إضافة إلى ما يعنيه ذلك من رغبةٍ لدى هذه المعارضة في الدّفع بالاحتجاجات الحالية إلى الخروج من صفتها الوطنية الداخلية إلى فضاء التقاطعات السياسية والإيديولوجية الخارجية بما يتعارض وتأكيد ملك البحرين، في خطاب يوم 24 يونيو، على أنّ الخلاف مع المعارضة «شأن بحريني داخلي خاص بشعب البحرين، وأن شعبنا قادر على إدارة خلافاته والتحاور بشأنها دون وساطات خارجية». يُضاف إلى ذلك أنّ القوى الأجنبيّة، في سعيها إلى حماية مصالحها الحيويّة الخارجية، تستثمر رغبة تلك المعارضات في الوصول إلى السلطة خارج الأطر الشرعية، وتوحي لها بأن «تركب رأسها» وتعطّل كلّ المبادرات الوطنية في إقامة حوار شامل تشارك فيه كلّ القوى السياسيّة الفاعلة بالبلاد، على غرار انسحاب جمعية الوفاق من طاولة الحوار الوطني اذ برّره كراجيسكي بقوله إنّ «لديها أسبابها السياسية في الانسحاب».

– أما الأمر الثاني الذي سكت عنه السفير الأميركي، فصورته أنّ ثمة تفاهمات سياسية خفية بين أميركا وإيران حول اقتسام المجال الجيوسياسي لمنطقة الشرق الأوسط والخليج العربي بدأت تتجلى ملامحها منذ أكثر من خمس سنوات. وهو ما ساهم في تنامي خشية بعض المحلّلين السياسيّين من أنّ هناك خطة أميركية إيرانية، تحاك خيوطها خلف الستار، تهدف إلى تمكين إيران من دول الخليج وتسهيل انقضاضها عليها في المستقبل القريب، وذلك في طار صفقة كبيرة بطلاها واشنطن وطهران (البرلماني الكويتي عبدالله النفيسي). وبمثل هذه الخشية، يمكن أن نبرّر عدم مجّانية ما سمّيناه «مغازلة» السفير الأميركيّ لنظام طهران وعدم تناقض مضمونه أصلاً.

– وأمّا ثالث الأمور التي نستفيدها من حوار السفير الأميركي بصحيفة الوطن البحرينية هو القولُ بـ «غباء» المعارضة البحرينية وعدم استفادتها من حاصل تاريخ المعارضات السياسية التي احتمت بالجهات الخارجية، إذْ في تعويلها على القوى الإقليمية (إيران) والغربية (أميركا)، وفق ما يروج بكثرة في المشهد الإعلامي البحريني، راحت تفقد ما به تقوى المعارضات، وهو الالتفاف الشعبيّ حولها لإحداث التغيير الديمقراطي بأفضل وسائل الشرعية وهو الانتخاب. إذ تشير كلّ الدلائل إلى أنّ الخاسر الأوحد من احتجاجات البحرين هو المعارضة ذاتها، فالشعب البحريني بدأ ينفض يديه من وجودها، كما أنّ عدد أتباعها صار في تراجع مستمر.

————

ميدل ايست أونلاين

-- بقلم: عبدالدائم السلامي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*