الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » بعض محددات الواقع العربي

بعض محددات الواقع العربي

أكتب دائماً أن العالم يتراءى إلينا وهو يتغير بسرعة كبيرة وبوتيرة أعمق ولم يستقر على حال يمكن أن يوصف بالديمومة أو الثبات؛ لذا فالحيرة تصيبنا عندما نريد أن نقوم بتحليل لنظام إقليمي أو دولي هما في جوهرهما متغيران وانتقاليان

على الدوام ونسعى أن نتوقع نظاماً دولياً أو إقليمياً لهما قدر كاف من الاستقرار والثبات؛ ومن هذا نفهم محدودية تلك النظريات في مجال العلاقات الدولية التي تذبل قبل جفاف الحبر الذي كتبت به، والأفكار التي تولد ميتة، والنتيجة أن رؤية المستقبل صعبة جداً وتحديد معالمها أصعب مما يمكن تصوره بل ويستحيل في بعض الأحيان التكهن بما سيقع في الغد القريب؛ والعالم أصبح أكثر ضبابية مع انتهاء الحرب الباردة وتقلص الدور الروسي في العالم ونهاية الثنائية القطبية وانتقاله إلى الأحادية الأمريكية حيث القوة الاقتصادية والقوة الدبلوماسية والسياسية والعسكرية واللغوية والثقافية بدت مجتمعة في كيان واحد ومظلة واحدة تتعدى قوة العديد من الدول مجتمعة بل والعديد من القارات؛ والسؤال المطروح هو مدى تأثر العالم العربي بالتحولات العالمية قبل أن يتأثر هو نفسه بالتحولات العربية نفسها؟ المشكل في العالم العربي هو أنه يقع في منطقة حساسة جداً، أي على موقع نقطة التقاء قارات ثلاث، وفي منطقة مرغوب فيها جداً لأنها تتوفر على مخزون هائل من النفط متوفر تحت صحرائها وبمنطقة جغرافية حساسة بسبب جيرتها المباشرة بالكيان الصهيوني؛ فاجتماع هاته العوامل جعلت المنطقة العربية في جوهر الشأن الدولي أو الإستراتيجية الدولية؛ والمشكل الثاني أن المنطقة العربية رغم هاته العوامل المحددة لتموقعها داخل النظام الدولي هي لاعب غير قوي بسبب غياب الوحدة والقوة والمناعة بما يسمح لها بمجاراة التكتلات الجهوية والإقليمية والدولية، لهذا أعطيت في إحدى مقالاتي السالفة وجهة نظري عن ضرورة انتقال دول مجلس التعاون الخليجي من مرحلة الشراكة إلى مرحلة الاتحاد كضرورة إستراتيجية؛ وفي هاته المقالة سأعطي مثالاً آخر يتعلق بالاتحاد من أجل المتوسط الذي كان بإمكانه أن يحول منطقة المغرب العربي مثلاً إلى منطقة صناعية وتجارية وتبادلية قل نظيرها مع الاتحاد الأوربي بل وحتى مع الولايات الأمريكية المتحدة بعدما وقعت بعض الدول كالمغرب الذي وقع اتفاقية التبادل الحر معها.

ويضم الاتحاد من أجل المتوسط الذي أحدث في 13 يوليوز 2008 كل الدول الأوربية ودول جنوب المتوسط، بمبادرة من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي؛ وكان المشروع طموحاً جداً من خلال تبنيه لعدة مشاريع كان بإمكانها أن تعود بالنفع الجليل على كل المنطقة بما في ذلك: مكافحة تلوث البحر المتوسط (تنظيف مياه البحر وشواطئه مع التركيز على المياه والصرف الصحي)؛ تطوير الطرق البرية والبحرية السريعة (تحسين النقل بين الموانئ بإحداث طرق بحرية سريعة بالإضافة إلى دعم إنجاز ما لم ينجز بعد من الطريق السريعة المغاربية وربما تشمل هذه الطريق كل الدول على شاطئ المتوسط الجنوبي في وقت لاحق؛ التعاون في مجال الحماية المدنية (بما في ذلك الوقاية والاستعداد والاستجابة للكوارث الطبيعية وتلك التي هي من صنع الإنسان)؛ تطوير الطاقة البديلة (وبخاصة تطوير البحوث في خطة المتوسط للطاقة الشمسية لتوليد الطاقة الشمسية)؛ تطوير البحث العلمي والتقني (بما في ذلك إحداث جامعة أورومتوسطية بسلوفينيا وأخرى بفاس) وأخيراً التنمية الاقتصادية (كإقامة هيئة لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة عبر المساعدة الفنية وتوفير الأدوات المالية لذلك).

كل هاته المشاريع لها بعد تنموي واقتصادي على كل المنطقة وبإمكانها أن تسهل التعاون شمال/جنوب بناء على معايير تكافئية ومتوازية، لأنه لأول مرة في إطار التعاون الأورومتوسطي، تبنى الاتحاد من أجل المتوسط مبدأ الرئاسة المشتركة الدورية عن الضفة الشمالية للمتوسط وأخرى عن الضفة الجنوبية، ولكن بقيت تلك المبادرات التنموية للأسف الشديد حبراً على ورق ولم يفعل منها إلا الشيء القليل.

هناك عدة عوامل جعلت ولادة الاتحاد من أجل المتوسط ولادة عسيرة مع تداعيات مستمرة، ولكن أكبر تلك العوامل هو المشكل الفلسطيني الإسرائيلي؛ فهناك بعد “وجودي” وتضامني من دول جنوب المتوسط مع الفلسطينيين بمجرد وقوع أي تعد إسرائيلي على فلسطين المحتلة؛ وبعد أن هبت رياح ربيع التعاون الأورومتوسطي في يوليوز 2008، نتذكر الهجوم الإسرائيلي على غزة أواخر 2008 الذي أوقف هياكل الاتحاد، ومنع القمم من الانعقاد، وأجل الاجتماعات الوزارية المرتقبة، وجعل المستثمرين الخواص والأبناك الكبرى تتراجع عن التزاماتها، وجعل كل الفاعلين الاقتصاديين يفضلون خوض معارك الاستثمار خارج نطاق الاتحاد من أجل المتوسط.

حاول الرئيس الفرنسي عزل العائق الفلسطيني – الإسرائيلي عن المسار الاقتصادي والاجتماعي للوليد الجديد “الاتحاد من أجل المتوسط”؛ ولكن هذا الوليد ورث عن جده “مسلسل برشلونة” نفس الأعراض الفيروسية؛ وبدون معالجة بنيوية لهذا الداء العضال الذي ينخر مستقبل التعاون الإقليمي والجهوي في المنطقة، فإن الاتحاد من أجل المتوسط سيصاب بنفس الفيروسات التي أصيب بها سلفه، تهدأ الأعراض حيناً، وتهيج مرة أخرى.

هذا من جانب، أما الجانب الآخر، فالدول الأوربية تجد في دول جنوب المتوسط – خاصة الدول العربية منها وبالأخص دول المغرب العربي وحدات متفرقة وتجمعات غير متكاملة يصعب التخاطب معها أو السير معها قدماً في المشاريع الاقتصادية، وهذا نلمسه في الاجتماعات التي تجمع دول الشمال مع دول الجنوب حيث الصراعات بين دول الجنوب قائمة وحروب ضروس خفية تنشأ في أروقة الاجتماعات وبين الطاولات.

إذن محنة العرب الدائمة هي في تلك الإشكالية القائمة من جانب على تواضع عناصر القوة التي يتوفر عليها العرب داخل النظام الدولي بسبب غياب الوحدة والتشرذم ومن جانب آخر على وجودهم في موقع حساس بمعطياته الجغرافية والاقتصادية والدينية؛ فالجانب الثاني ليس بمشكل في منظور قواعد الإستراتيجية والتمركز داخل النظام العالمي ولكنه يغدو مشكلاً في غياب الوحدة والتشرذم، وهذا ما عاشته المنطقة العربية وما تعيشه اليوم وما سنعيشه إذا لم تصلح آليات الوحدة العربية.

إن المنطقة العربية تعاني من أزمة بنيوية خانقة؛ فالصومال ما زالت دولة ضعيفة بكل المستويات ويزداد سوءها يوماً بعد يوم، والسودان انفصل جنوبه على شماله ويواجه تداعيات انشقاقات جديدة، والحالة العراقية وإن تحسنت بعض ملامحها فما زالت تعاني مشكلات سياسية وطائفية؛ والثورات في مصر وتونس وليبيا لا تعني إطلاقاً مد العصا السحرية لتثبيت التنمية وتحقيق النمو وتجذير الديمقراطية، واليمن ما زال يعاني من عدة مشكلات سياسية، وسوريا في مأزق نظام حكم استولت عليه الأيام وأباد خضراءه الهرم فطبخته الدولة وأكل عليه الدهر وشرب بما أرهفت السلطوية من حده وما زال يمارس الحل الأمني… وما زالت الحدود مغلقة بين المغرب والجزائر وأصبحت منطقة جنوب الصحراء والساحل مرتعاً للجماعات الإرهابية خاصة وأن العديد من الأسلحة الليبية هربت إليها في أوج الصراع بين الثوار وقوات القذافي.

إذن هاته إجمالاً بعض المحددات للواقع العربي أو التحولات التي عرفتها منطقتنا العربية، ويصعب تحديد ملامح وهوية بعض الأنظمة الجديدة وما سيحدث من تغيرات وتطورات مفصلية؛ كما أن النظام الإقليمي العربي هو نتيجة لمآل التداعيات السياسية داخل كل دولة مما يجعلنا نقر أن الفترة المقبلة ستكون صعبة وتحديد معالمها رهين بتلك التفاعلات السياسية داخل كل دولة.

————

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. عبد الحق عزوزي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*