الإثنين , 5 ديسمبر 2016

بيعة النساء

يختلف الإسلام عن غيره من المرجعيات الدينية والإنسانية في نظرته للمرأة وإنزالها منزلها الحقيقي الذي أراده الله لها، ومع وضوح هذا الأمر لكل قارئ لكتاب الله أو مطلع على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن الهجوم الذي تعرض له فكرنا الإسلامي وتراثنا الثقافي في هذا الموضوع بالذات جعل الكثير منا يقف في خندق المدافع، وربما لزم الصمت خشية من أن يتهم بالرجعية والتخلف، وهناك من ركب موجة التغريب وظن أن المساواة المطلقة بين الجنسين هي الحق الذي يجب أن يتبع وتجاهل قول الله عز وجل {…وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى..}!!،

ولعل من بين المواضيع الشائكة التي تتجاذبها التيارات وتختلف حولها الأفهام “بيعة النساء لولي الأمر واشتراكهن في حلبة السباق إلى كرسي الرئاسة ودخولهن في الدوائر الانتخابية و…” ويستند البعض من العامة المتحمسين والكتاب المعتبرين في هذا الباب على مبايعة رسول الله صلى الله عليه وسلم “للمهاجرات” من نساء مكة و”الأنصاريات” في المدينة بعد أن استقر به المقام في دولة الإسلام الجديدة.

نعم لقد بايع الرسول صلى الله عليه وسلم نساء صدر الإسلام وقد خصص البخاري والنسائي والترمذي باباً لبيعة النساء، وكانت المؤمنات رضي الله عنهن إذا هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحن بقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ } إلى آخر الآية..قالت عائشة رضي الله عنها: فمن أقر بهذا من المؤمنات فقد أقر بالمحنة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن: {انطلقن فقد بايعتكن}، وجاءت فاطمة بنت عتبة بن ربيعة تبايع النبي، فأخذ عليها أن… {ولا يسرقن، ولا يزنين}. قالت عائشة رضي الله عنهما: فوضعت يدها على رأسها حياء، فأعجب النبي ما رأى منها، فقالت لها: قري أيتها المرأة، فو الله ما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على هذا فبايعها بالآية، وزاد أحمد قال: «ولا تغششن أزواجكن» قالت عائشة راوية الحديث: فبايعناه، ثم انصرفنا، فقلت لامرأة منهن: ارجعي، فسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما غش أزواجنا؟ قالت: فسألته. قال: (تأخذ ماله فتجابي به غيره).

وعن أم عطية قالت: لما قدم رسول الله المدينة، جمع نساء الأنصار في بيت، فأرسل إلينا عمر بن الخطاب، فقام على الباب، فسلم علينا، فرددنا عليه السلام، ثم قال: أنا رسول رسول الله إليكن. قالت: فقلنا مرحباً برسول الله، وبرسول رسول الله. فقال: {تبايعنني على أن لا تشركن بالله شيئاً ولا تزنين ولا تسرقن.. .} .

وتكون مبايعة النساء بالكلام فقط أما مبايعة الرجال فهي – كما أشرت في مقال الثلاثاء الماضي بالكلام والمصافحة {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع النساء بالكلام بهذه الآية: {أن لا يشركن بالله شيئاً} قالت: وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة إلا امرأة يملكها. وعن أميمة بنت رقيقة أنها قالت: قلنا: الله ورسوله أرحم بنا هلم نبايعك يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة أو مثل قولي لامرأة واحدة)، قال النووي: (فيه أن بيعة النساء بالكلام من غير أخذ كف. وفيه أن بيعة الرجال بأخذ الكف مع الكلام. وفيه أن كلام الأجنبية يباح سماعه عند الحاجة وأن صوتها ليس بعورة، وأنه لا يلمس بشرة الأجنبية من غير ضرورة)، ولكن يبقى سؤال مهم جداً هنا: ترى هل مبايعة الرسول عليه الصلاة والسلام للنساء من أجل الدخول في الإسلام أم أنها جاءت في سياق أخذ البيعة له ولياً لأمر المسلمين، وعلى افتراض التسليم بالثاني “مبايعة الرسول ولياً لأمر المسلمين” لماذا كانت الصيغة ذات بعد ديني واجتماعي “أسري” صرف، ولماذا لم تتم بيعة النساء للخلفاء الراشدين من بعده والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وهل يفهم من هذا أن المرأة ليس لها ارتباط بقرار التولية والعزل في دولة الإسلام إذ هو قرار ذكوري صرف، هذه التساؤلات تقود الباحث إلى مسألة خلافية بين فرق الإسلام وتجعل من الحكمة والمنطق إعادة بناء البيت الداخلي حسب الأدوار وبناء على التكوين الذي خلق الله عليه الرجل والمرأة ليقوم كل منهما بدوره في الحياة ومتى تحقق لنا السير على سنن الله وحسب ما فطر عليه مخلوقاته العلوية والسفلية فسنكون صناع حضارة وبناة خير أمة أخرجت للناس دمتم بخير وإلى لقاء والسلام.

————

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د.عثمان بن صالح العامر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*