الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الكويت: مستشارو الدولة يتحملون مسؤولية الأزمة الراهنة

الكويت: مستشارو الدولة يتحملون مسؤولية الأزمة الراهنة

إنه موسم العودة إلى حكم القضاء واحترامه؛ إذ تبقى قرارات المحكمة الدستورية في كل بلد مظلة أمان وحماية.

في مصر أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمين قضيا بعدم دستورية قانون العزل السياسي، وحل البرلمان، أعلنت اللجنة العليا لانتخابات الرئاسة في مصر (خمسة قضاة) فوز مرشح جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي الذي كان أول رد فعل له أن حيا «قضاء مصر الشريف».

في باكستان، أصدرت المحكمة العليا حكما بعدم أهلية رئيس الوزراء يوسف رضا جيلاني للبقاء في منصبه على خلفية إدانته بازدراء القضاء، فانصاع «حزب الشعب» الحاكم لقرار أعلى سلطة قضائية في باكستان وتم تكليف راجه برويز أشرف.

والآن جاء دور الكويت في اللجوء إلى القضاء، فظهر أن الكويت دولة قانون ومؤسسات بحيث أن الحاكم لا يستطيع القيام بأي شيء من دون المرور بالقنوات الدستورية والقانونية.

يوم الأربعاء الماضي قضت المحكمة الدستورية العليا في الكويت بأن «المرسوم الأميري» الذي حل البرلمان السابق كان غير دستوري، وبالتالي، فإن الدعوة إلى انتخابات فبراير (شباط) 2012 غير دستورية أيضا، مما يعني أن قرار المحكمة ألغى البرلمان الحالي.

الخطأ كان في التسرع.. أرادوا ترحيل الحكومة السابقة، وحل البرلمان. كان المفروض عندما يتم تعيين رئيس وزراء جديد أن يشكل حكومة جديدة؛ إذ في الكويت – وحسب الدستور – لا يمكن استبدال رئيس حكومة بآخر، بل يجب أن يشكل حكومة بأعضاء جدد تؤدي القسم أمام مجلس الأمة، خصوصا أن أي وزير كويتي هو عضو في السلطة التشريعية أيضا، أي إنه يؤدي القسم أمام أمير البلاد بصفته عضوا في السلطة التنفيذية، والقسم في البرلمان مثله مثل بقية النواب بصفته عضوا في السلطة التشريعية.

وكان بالتالي على رئيس الوزراء الجديد الشيخ جابر المبارك الصباح أن يشكل حكومة تذهب أمام الأمير وتقف أمام البرلمان، وبعد ذلك يقدم إلى الأمير كتاب عدم التعاون لحل المجلس، لا أن يقدم كتاب عدم التعاون الذي دفع بالأمير الشيخ صباح الأحمد الصباح إلى حل البرلمان والحكومة التي لم تقسم بعد أمامه بصفتها حكومة جديدة.

كان الخطأ إجرائيا، وليس خطأ موضوعيا، وهذا بصراحة يتحمل مسؤوليته مستشارو الدولة كلهم، الذين كانت «نصيحتهم المتسرعة»، أنه للتخفيف من الاحتقان المقصود آنذاك، يجب أن يقدم رئيس الوزراء السابق الشيخ ناصر المحمد الأحمد الصباح استقالته، ويقبلها الأمير.

المستشارون بنصيحتهم تلك أوصلوا إلى هذه الفوضى التي وقعت فيها الكويت الآن، وألغي بالتالي البرلمان الحالي وكأنه لم يكن، وكأن كل الأمور التي نوقشت فيه لم تكن، باستثناء بعض القوانين التي صدرت في الجريدة الرسمية وتعتبر نافذة. وحاولت المعارضة التنديد بحكم المحكمة الدستورية العليا، واعتمدوا على فكرة أنه بغض النظر عن الإجراءات القانونية، فعلى السلطات احترام صوت الشعب، وهذا خطأ فادح بحق القضاء والكويت.

اتهم البعض أن العودة إلى القوانين الإجرائية محاولة للتخلص من برلمان يسيطر عليه الإسلاميون، فرد البعض الآخر في الكويت: «هذا ذكاء لا نملكه، إنما نرحب بهذه السمعة الجيدة بأن لدينا دهاء».

في الواقع، يبقى الأمر قانونيا، وكان بعض نواب المجلس السابق توجهوا إلى المحكمة الدستورية عندما حُل البرلمان ورفعوا قضية بعدم دستورية إجراءات الحكومة. وككل قرارات المحكمة الدستورية، قبل الجميع القرار لأنه صدر عن أعلى سلطة قضائية في البلاد.

لكن، رغم أن الكويت ظهرت بوصفها دولة قانون وعدالة ومؤسسات، فإنه على أرض الواقع الممارس يستمر خلاف مسلط دائم بين مجلس الأمة والحكومة.. يبدأ الخلاف مع لحظة أداء الحكومة القسم ولا «يتأجل» إلا بحل البرلمان، ويعالج دائما بنزع فتيل الخلاف المستجد، إنما تبقى الأزمة مستمرة، ويؤدي إلى وقوف الكويت، بمعنى أنها تتراجع لأن الدول الأخرى تسير في مخططاتها. هذه الميزة؛ البرلمان والديمقراطية والمساءلة غير الموجودة لدى البلدان الخليجية الأخرى، تتحول أحيانا إلى عائق.

بعض المعارضة يقولون إنهم يريدون ملكية دستورية، لكن الكويت ذات نظام ملكي دستوري منذ تأسيسها، وأمير المستقبل لا يمكن أن يصل إلى القيادة إلا بعد مبايعته في البرلمان. حسب الدستور، عندما يختار الأمير ولي العهد يجب على الأخير الذهاب إلى البرلمان لينال موافقة النواب، أي إن ممثلي الشعب يصوتون على أمير المستقبل.. هذا الشق يظهر أن الكويت ملكية دستورية. أما في ما يتعلق بالحكومة الشعبية، فكل عضو في الحكومة يجب أن يقف أمام البرلمان.. مما يعني أن الكويت تمزج بين نظامين؛ رئاسي وبرلماني، في خليط غير مسبوق، إنما فريد من نوعه مفصل وفق طبيعة النظام عندما أخرجه «المشرعون الأوائل»، لدرجة أن أمير المستقبل إذا رفضه الشعب عبر ممثليه (مجلس الأمة)، على الأمير أن يختار ثلاثة غيره.

يعترف الكثير من الكويتيين أن هناك خطأ ارتكب بتقليص الدوائر الانتخابية من 25 إلى 5 دوائر، وهذا أدى إلى تمثيل غير عادل. في الكويت عدة إعاقات، منها أن تعديل أو زيادة عدد أعضاء البرلمان لا يتم إلا بتعديل أو تنقيح الدستور، وهذا أمر يندر حدوثه في كثير من الدول. ثم لا يوجد فيها نظام انتخابي على قاعدة «One man one vote»، فلو كان الأمر كذلك، لصوّت المقترع لفكرة أو برنامج وليس لانتماء فئوي أو قبلي أو طائفي. وهنا يكمن الخطأ. ثم هناك مسألة تعديل الدوائر الانتخابية، وهذه يحددها الزمان والمكان. ويقول لي أحد السياسيين الكويتيين: «إذا أرادت الكويت تطبيق النظام القائم في الولايات المتحدة الأميركية حيث لكل ولاية تمثيل، فبدلا من أن تقلص الدوائر من 25 إلى 5، كان يجب مضاعفتها. ففي الكويت 50 نائبا.. يجب أن تكون هناك 50 دائرة تتمثل في مجلس الأمة. أما الآن، فإن كل دائرة تأتي بعشرة نواب». إن عدد سكان الكويت عام 1962 عندما وضع الدستور لم يكن تجاوز نصف المليون نسمة.. الآن مع عام 2012 يزيد العدد على المليوني نسمة، لذلك، من الأفضل أن يراود المشرعين الجدد التفكير في التعديل، حيث المطلوب تمثيل نسبي عادل للسكان في مجلس الأمة.

جرت العادة، مع كل أزمة أن يطالب البعض في الكويت بالأحزاب، لكن لوحظ في هذه الأزمة غياب هذا الصوت، ربما لقناعة لدى الجميع بأن الأحزاب موجودة ووجودها أكثر من رسمي، ولأنها يجب أن تأتي في ظل حزمة تعديلات كاملة؛ إذ لا يمكن أن يسري تعديل الدستور على الأحزاب فقط؛ بل على العديد من النصوص المعيقة الواردة في الدستور والتي يصعب تطبيقها في الواقع؛ منها أنه لا يحق لعضو برلماني واحد أن يقدم استجوابا.. يمكنه أن يتقدم بسؤال، أما الاستجواب، فإنه يحتاج إلى مجموعة تواقيع كما في الدساتير الأخرى، خصوصا أن الاستجوابات في الكويت تكون لأسباب شخصية، وهي معيقة لعمل الدولة، وتفقد بالتالي قيمتها.

الإعاقة الثانية في الدستور الكويتي، هي تحديد أعضاء مجلس الأمة بنص دستوري، وهذا أمر معيق؛ إذ من الأفضل تحديد عدد الأعضاء بقانون.

الآن، ووفق النص، قدمت الحكومة استقالتها، ليعاد تكليف رئيس وزراء تشكيل حكومة تؤدي اليمين.. يكفي أن الكويت تتأثر بما يجري حولها، فالتخفيف من المشاحنات الداخلية، أمر صحي.

———–

نقلاً عن الشرق الأوسط 

-- هدى الحسيني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*