السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » السودان.. قراءة في بوادر التـوتر

السودان.. قراءة في بوادر التـوتر

يتذكّر العالم، أنه في التاسع من يوليو 2011م تمّ إعلان استقلال دولة جنوب السودان، وحينها اعتبر الكثيرون أن سنوات من الصراع، والشقاء، والمشاكل الإثنية، والاقتصادية، والجغرافية، قد ذهبت الى غير رجعة، عزز ذلك التصوّر الأولي والبسيط، ضعف التجربة السياسية، والبحث عن خلاص من سنوات الحرب، والصراع على الموارد، وتقاطع مصالح دول الجوار، وعناد القيادات السياسية في الجانبين، والتي عززتها المواقف الدولية الداعمة للانفصال.

 والرعاية المكثفة من قبل الامم المتحدة التي انجزت اهم نقاط هذا الانفصال، الذي جعل دولة جنوب السودان العضو رقم193 في قائمة دول العالم، ولكنها منذ اللحظة الأولى دولة تحتاج الى كل شيء، من الخدمات العادية والتقليدية، الى المؤسسات والتنظيمات السياسية والإدارية، والى الامن، والتفاهم الصريح مع دولة الشمال، على الثروة وتقاسمها وتصديرها والاستفادة منها، حيث تكمن الثروة بما يزيد على النصف في الجنوب، وتسوّق وتكرر عبر الشمال، وتحتاج الأمن والرعاية وعدم التدخّل في منطقة تموج بعددٍ غير مألوف من دول الجوار، وتتكاثر فيه حركات الانفصال والعنف، والدعوة الى التمرد. 

الوجه الآخر للسودان ما قبل اليوم، هو النظام السياسي في الشمال، وطبيعته السياسية، وإصراره على الاشراف على كل مناحي الحياة في السودان من اقتصاد، وسياسة، وإدارة مجتمع. في الوقت الذي يعاني من أزمات ذاتية تتعلق بالقيادات العليا في النظام، ومن المعتقد لدى عددٍ كبير من السودانيين، أنه لكي يتم حل مشاكل الداخل، والتعامل مع العالم الخارجي بإيجابية، يجب أن يحدث تغيير كل القيادات السياسية التي مكثت أكثر من عِقدين في السلطة ولم تستطع إنجاز شيء بل إن البلاد تواجه معضلات جديدة كل يوم، وتذهب بعض التحليلات إلى أن الأمل في اي إصلاح إذا لم يطل الرموز التقليدية في النظام فسيكون بلا معنى. 

 ما اود التأكيد  عليه عند هذه الجزئية، هو اعطاء انتباهنا الشديد للغة الإعلامية التي قد تتعمّد ببناء مفاهيم ذهنية، خاصة بها، ولمصلحة جهات قد لا نعلمها، عندما تبدأ في تنميط الحدث اليومي عبر استبدال المعاني، وتوليدها، فتحوّل التوتر، إلى «العنف»، «الانتفاض»، وربما «الثورة». وتتحوّل المظاهرات إلى مصادمات دامية، ومواجهات، وربما حرب أهلية.

خلال اقل من اسبوعين، يدخل السودان الى قائمة الدول التي تجد أحداث الشارع اليومية  فيها مكانًا بارزًا في نشرات الأخبار، ولا أعتقد أنه بمقدور أحد اليوم أن يقدّم لنا تصورًا دقيقًا، حول الوجهة التي ستتخذها أحداث الشارع في السودان، في الايام والاسابيع المقبلة، هل الى التصعيد، وما يترتب عليه من انفلات، وخوف واضطراب، أم العكس، ويحل السكون، والوئام بين السودانيين. الكل يترقب، ولا نملك جميعًا سوى بعض ادوات التحليل التي يمكن ان تساعدنا على فهم ما يحدث الآن، وما قد يحدث غدًا. وفي كل الاحوال يظل كل ذلك في باب القراءات. لا اكثر. 

وهنا اود اشراك القارئ الكريم في استعراض ملاحظات لها اهميتها في تلمّس الحالة السودانية الراهنة. حيث أميل الى تسمية ما يحدث في الشارع السوداني بأنه «توتر» تمظهر هذا التوتر، في شكل «مظاهرات» يقوم بها «طلاب» الجامعات السودانية، وتأتي محاولات التصدّي لهذه المظاهرات، من قبل رجال الامن، النظامي أملًا منهم في ضبط النظام العام، واستقرار الشارع. 

ما اود التأكيد عليه عند هذه الجزئية، إعطاء انتباهنا الشديد للغة الإعلامية التي قد تتعمّد ببناء مفاهيم ذهنية، خاصة بها، ولمصلحة جهاتٍ قد لا نعلمها، عندما تبدأ في تنميط الحدث اليومي عبر استبدال المعاني، وتوليدها، فتحوّل التوتر، إلى «العنف»، «الانتفاض»، وربما «الثورة». وتتحوّل المظاهرات الى مصادمات دامية، ومواجهات، وربما حرب أهلية. ويتحوّل الطلاب الذين يتظاهرون في الجامعات، إلى «المحتجين» و»المعارضين» و»المنتفضين» وربما «الثوار».

جزئية اخرى أودّ المرور بها عبر هذه القراءة، وهي أن السبب المعلن لما يشهده الشارع السوداني، في معظم الاخبار التي ابرزت أحداث الايام الاخيرة، هو الإجراءات التقشفية، التي قامت بها الحكومة السودانية، لحل أزمةٍ اقتصادية تمرّ بها، تمثلت في رفع الدعم الحكومي عن المحروقات، وزيادة الضرائب. 

هنا يكون من المنطقي المطالبة للحكومة التراجع عن هذه الاجراءات، وهذا سبب كافٍ ليعود الشارع الى طبيعته، الا أن المفارقة جاءت من قبل السلطة، برفض أي تراجع عن تلك القرارات، وهذا إجراء تنقصه الحصافة السياسية، وابجديات التعامل مع الشارع الملتهب، وربما عزز ذلك مطلب يُعتبر متقدّمًا نوعًا ما على تراتبية الحدث ووتيرته، وهو أنه من الملاحظ، مع بداية المظاهرات، كانت هناك مطالبات «بتغيير النظام» و»إسقاط النظام القائم» وهذه ملاحظة لافتة، ربما تسبق الاحداث او تفسِّر أمرًا لم يتكشف للناس بكامله حتى الآن.

من المهم قراءة موقف السلطة حتى الآن، والذي بدأ بالمواجهة، والحلول الامنية، وهذا يُحيلنا بالتجربة الى قراءة مواقف مشابهة حدثت في بلدان عربية، ولم تثمر غير زيادة في الصراع الداخلي، بصورة تصل معها الامور الى طرق مسدودة، فمن غير المفهوم فتح السجون لقيادات معارضة سودانية، واعتقال آلاف الطلاب، والقيادات الطلابية، وبعض الزعامات الحزبية. 

من غير المفهوم ايضًا وصف السودانيين المتظاهرين بمثيري الشغب. وكأن السلطة لم تقرأ الإشارة الامريكية الواضحة في منتصف الاسبوع الاول، من الاحداث، والتي ركّزت على رفض «الولايات المتحدة الامريكية» لأسلوب السلطة في قمع المتظاهرين. 

وكأن الترجمة السياسية للرسالة الأمريكية تتلخّص في حث النظام على السماح للسودانيين بأن يعبّروا عن معاناتهم، وعليك ايها النظام التماهي مع صوت الشارع، بالمبادر إلى تغيير نفسك.

@salemalyami / تويتر

————-

نقلاً عن صحيفة اليوم 

-- عباس الكعبي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*