الأحد , 4 ديسمبر 2016

بوصلة الثورات

تهشمت العراق بقانون اجتثاث البعث ، وتحارب الليبيون بقانون تجريم تمجيد القذافي ، وتجادل المصريون بقانون العزل السياسي .. في حين وقف محمد سالم باسندوة أمام الشعب اليمني وهو يتلو قرار العفو عن علي عبدالله صالح ، ويكفكف دموعه ، ويقسم بأغلظ الأيمان أنه يعلن هذا القرار وكأنما يقطع لحم بدنه ، لا عن قناعة ببراءة صالح ، وإنما صيانة لليمن من التدهور في أحضان الثأر السياسي ، والذهاب إلى مستنقع الفتنة ، وليعيد من جانب آخر تذكيرنا بأن الحكمة يمانية .

طلقاء مكة .. موقف نبوي ، حسناً ، لنفتش إذن عن مواقف بشرية . لكن قبل هذا لابد أن نؤمن بأن زمن عمر بن عبدالعزيز بنسخته البيضاء ، وعدله الأسطوري قد مرّ وانقضى ، والتاريخ لا يعيد نفسه مهما ردد البعض هذه العبارة ، وبذلك لايمكن أن تطوى حقبة أي نظام سياسي إلا بصفحتين سوداء وأخرى بيضاء مع غلبة إحداهما على الأخرى ، والعقلاء فقط هم من يأخذون شعوبهم إلى السلام بعيدا عن تصفية الحسابات والاجتثاث والتجريم إلا لمن يجرمه القضاء وموازين العدالة .

نيلسون مانديلا أسطورة السياسة في القرن العشرين ، خرج من سجنه في جزيرة روبن بعد سبع وعشرين سنة ، ولم يبادر للاقتصاص من جلاده ليضعه في الزنزانة التي خرج منها ، مع أن أحدا لن يلومه على ذلك لو فعل ، وهو الذي ألبسه أحذية الحديد في معتقله ، حتى إنه خرج من السجن وكأنه يقتلع قدميه من الأرض اقتلاعاً حين يمشي لكثرة ما ناءتا بتلك الأثقال ، وإنما قاسم خصمه السلطة وجعله نائبا له ، وقبِل أن يناصفه جائزة نوبل للسلام ، رغم أنه بلغ السلطة في بلاده متوجا بسمة المناضل المنتصر وصاحب الشرعية النضالية والتاريخية ، بل والحيثية الوطنية التي لا غبار عليها . وليقود بلاده بالنتيجة إلى واقع لا يزال محل دهشة العالم .

هكذا تتجلى الحكمة ، والقيادة السياسية الحكيمة ، التي ترفض الإذعان للعواطف الشخصية ، لتلجم أدعياء البطولة ، والعاجزين عن كظم الغيظ ، ممن لا تستقر نفوسهم إلا بالتشفي والثأر والاقتصاص . ذلك لأن العمل بذهنية أمم أهل النار (كلما دخلت أمة لعنت أختها) لا يبني إلا مزيدا من الكوانين لإشعال الحرائق ، إذ لايمكن أن يوجد نظام يستطيع أن يُمضي يوما واحدا في السلطة دون أن يكون له من يناصره من أبناء الشعب مهما كان بشعا وسيئا ، وإلا لما استطاع أن يؤسس نظاما قادرا على الإمساك بزمام الأمور ، من هنا يصبح اقتلاع ذلك الجزء بمثابة إشعال فتيل الفتنة التي لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد . لا توجد مدينة فاضلة ، ولا دولة فاضلة ، والفكرة الأفلاطونية التي تنادي بالتخلص ممن لا ينسجم مع نظرية المدينة الفاضلة ، فكرة يوتوبية لا مكان لها إلا في كتب وأذهان بعض الفلاسفة ، أما مسألة الاستئصال والإقصاء فلن تصنع وطنا جديدا بمقدار ما تستبدل نظاما قمعيا بآخر أشد منه قمعية ، وتجارب التاريخ في بناء الدول واتجاه بوصلة الثورات سواء في حال الارتداد لاستخدام الضغينة ، أو حال النظر إلى المستقبل تضيء الطريق للمتبصرين إن كانوا بالفعل قادة ثورات في مواجهة الظلم والبغي ، أو طلاب ثأر وسلطة !..

——

نقلاً عن الرياض 

-- فهد السلمان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*