السبت , 10 ديسمبر 2016

مأساة مسلمي أركان

تقع مملكة أركان التي احتلتها بورما البوذية وصيرتها إقليماً من أقاليمها في جنوب شرق آسيا، تحدها من الشمال الصين ومن الجنوب خليج البنغال وتايلند ومن الشرق لاوس ومن الغرب بنغلاديش وصل الإسلام إلى أركان في القرن الثاني الهجري عام (172) هـ ، عن طريق التجار العرب الذين وصلوا ميناء أكياب عاصمة ( أركان ) في عهد الخليفة الراشد هارون الرشيد “رحمه الله”. 

وأقيمت في (أركان) سلطنات إسلامية كثيرة، وفي عام (1430)م قامت مملكة إسلامية على يد السلطان سليمان شاه، واستمرت إلى عام (1784)م، أي قرابة ثلاثة قرون ونصف، تتابع على حكمها ثمانيةٌ وأربعون ملكاً مسلماً على التوالي، وآخرهم الملك سليم شاه, وكانوا يكتبون على العملات كلمة التوحيد وأسماء الخلفاء الأربعة باللغة العربية . 

وفي عام (1784) م احتل الملك البوذي مملكة أراكان وضمها إلى بورما خوفاً من انتشار الإسلام في المنطقة، وعندها بدأت معاناة المسلمين هناك، وضاعت فصولها وسط جراحات الأمّة المتتالية، وحتى يعرف المسلمون شدة وطأة المعاناة التي يعيشها مسلمو أركان أوجزها في النقاط التالية :

أولاً: تحاول الحكومة البوذية طمس الهوية والآثار الإسلامية بتدمير المساجد والمدارس التاريخية وبناء معابد للبوذيين في مكانها، وقتل العلماء والدعاة .

ثانياً: التطهير العرقي والإبادة الجماعية للمسلمين بكل أنواع الاضطهاد من: قتلٍ وتشريدٍ وانتهاكٍ للأعراض، ومصادرة الممتلكات؛ من منازلَ ومزارعَ ومواشٍ وأموالٍ وغيرها، حيث أبيد في بعض تلك المجازر أكثر من 100 ألف مسلم .

ثالثاً: إلغاء حق المواطنة للمسلمين؛ حيث تم استبدال إثباتاتهم الرسمية القديمة ببطاقات تفيد أنهم ليسوا مواطنين، ومن يرفض فمصيره التعذيب والموت في المعتقلات، 

رابعاً: حرمان المسلمين من العمل في الوظائف الحكومية ومواصلة التعليم العالي.

خامساً: العمل القسري لدى الجيش أثناء التنقلات، أو بناء الثكنات العسكرية، أو شق الطرق، وغير ذلك من الأعمال الحكومية (سخرة وبلا مقابل حتى نفقتهم في الأكل والشرب والمواصلات).

سادساً: منعهم من السفر إلى الخارج حتى لأداء فريضة الحج، وعدم السماح للمسلمين باستضافة أحد فيبيوتهم ولو كانوا أشقاء أو أقارب إلا بإذن مسبق.

سابعاً: عقوبات اقتصادية: مثل الضرائب الباهظة في كل شيء، والغرامات المالية، ومنع بيع المحاصيل إلا للحكومة العسكرية أو من يمثلهم بسعر زهيد، لإبقائهم فقراء، أو لإجبارهم على ترك الديار.

ثامناً: تقليل أعداد المسلمين بأساليب شتى كتحديد النسل وتشديد شروط الزواج والإنجاب وغيرها.

وبعد هذه السلسلة من المعاناة واستمرار حملات التقتيل والتهجير القسري لم يكن أمام المسلمين إلاّ الفرار بأغلى ما يملكون؛ وهو دينهم وعقيدتهم، فبدأ المسلمون ينزحون إلى الخارج مهاجرين إلى الله، يطرقون أبواب الدول الإسلامية المجاورة، كبنغلاديش وباكستان، وتايلند، والهند، وماليزيا، وبعض دول الخليج، وكلما زاد بطش البوذيين بالمسلمين خرج ثلة منهم وهاجروا إلى بلدان شتى، وأما من بقي داخل ميانمار بقي وسط معاناة لا تنتهي ..

أيها الإخوة الكرام:

خلال الأسبوعيين الماضيين تجدد بطش البوذيين بالمسلمين حيث تعرض عشرة من دعاة المسلمين الأركانيين إلى مذبحة شنيعة قضوا نحبهم فيها بعد أن هوجموا من قبل جماعة بوذية فتكوا بهم جميعاً ومثلّوا بحثثهم، وقد نقلت وسائل الإعلام صوراً فظيعة لضحايا هذه المجزرة التي لم تجد من ينتصر لها من قبل الحكومة الميانمارية التي غضت الطرف عنها وكأنها على اتفاق مع المجرمين القتلة، ولم تقف الأمور عند هذه المجزرة فحسب بل تعدتها إلى حرق منازل ومزارع عدد كبير من المسلمين وقتل العشرات بالنيران كل ذلك بمعاونة رجال الشرطة مع الطغمة البوذية الحاقدة على المسلمين، وتم فرض حظر التجول على القرى التي تقطنها الأقلية المسلمة، وبعدها قامت الجماعات البوذية بتغطية من الحكومة الميانمارية بحملة تطهير عرقي وديني راح ضحيتها ألفي مسلم وحرقوا قرابة ألفين وستمائة منزل من منازل المسلمين، وبلغ عدد النازحين أكثر من تسعين ألف نازح يعيشون في العراء بلا مأوى ولا غذاء ولا دواء بعد أن رفضت دول الجوار استقبالهم، فمات من مات منهم؛ ومن عاش فإنه يعاني السقم والضياع والشتات ..

-- صلاح عبدالشكور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*