الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » تحديات الجمهورية الثانية

تحديات الجمهورية الثانية

الجمهورية الثانية في مصر تستمد شرعيتها من تصويت الأغلبية بما فيهم من لم يصوت للرئيس محمد مرسي، فالمشاركة في الاقتراع تعني القبول بمبدأ انتخاب رئيس الدولة لأول مرة في سبعة آلاف عام.

الجمهورية الأولى (1953 – 2012) جاءت بلا شرعية. فرضتها مجموعة ضباط على الأمة، عاما فقط بعد انتهاكهم القانون والدستور بانقلابهم على حكومة حسين سري باشا؛ آخر (ثلاثة) رؤساء حكومة برلمانية شرعية جاءت بها انتخابات 1950 وكانت العاشرة والأخيرة بقانونية دستور 1923، الذي يجب أن يعود إليه المصريون لغياب شرعية الدساتير الأخرى.

أسوق الخلفية التاريخية للتذكير بأن الشرعية لا معنى لها إلا بدولة القانون وأمامه يتساوى الجميع بتفسير وتطبيق المؤسسات. أهم المؤسسات القضاء، ورغم مذابح ديكتاتورية 1952 – 2012 له، فرض قدرته المستقلة كمرجعية لحل الإشكاليات الدستورية، بتناول 420 طعنا في الانتخابات الرئاسية، وتبطيل الأمر الإداري للمجلس العسكري بمنح البوليس الحربي حق الضبطية القضائية، وتجاهل الضغوط الشعبية بإصدار الحكم في مخالفة نحو 160 عضو برلمان للوائح وإعادة الانتخاب في دوائرهم.

الرئيس مرسي منتخب من أقلية من المصريين، ويفوقهم عددا القلقون من خلفيته الآيديولوجية، ورغم ذلك فإنه الرئيس الشرعي للدولة وفق قواعد اللعبة الديمقراطية التي قبلتها الأمة وتأتي مصلحتها فوق الخلافات السياسية.

عندما جاءت انتخابات بريطانيا 2010 ببرلمان معلق وانتهى الأسبوع قبل اتفاق الساسة حمل سكرتير الملكة إليزابيث الثانية أوامرها لزعماء الأحزاب بتشكيل حكومة قبل بداية التجارة في البورصات العالمية صباح الاثنين خشية فقدان المستثمر ثقته في اقتصاد المملكة.

القصة أسوقها للرئيس مرسي ليتوخى الدقة في كل كلمة وتحرك بحيث تكون الإشارات الصادرة عن مؤسسة الرئاسة دعما للاستقرار وبالتالي تخدم الاقتصاد.

أكتب المقال قبل أداء الرئيس للقسم (يفترض اليوم السبت) والذي يعطي أول وأهم الإشارات. وأتمنى أن يؤدي القسم أمام المحكمة الدستورية العليا ليؤسس سابقة يتبعها الرؤساء القادمون.

وهي إشارة تعلن فك ارتباطه الحزبي بالإخوان، وبما يسميه البعض «الشرعية الثورية» وهي عبارة Oxymoron (والترجمة الأقرب هي التناقض الذاتي).

فالثورة تمرد على الشرعية. والشرعية القائمة هي التي جاءت به رئيسا منتخبا، ولذا فتصريحات كـ«الثور مستمرة» لا تعني الاستقرار، مما «يطفش» المستثمر والأموال والسائحين من مصر. الإدلاء بقسم الرئاسة أمام نواب برلمان معطل (كما يطالب الإخوان) يعطي إشارة للعالم وللمستثمرين أن الرئيس تابع للمرشد الذي لم ينتخبه أحد؛ وتعني تمرد القصر الجمهوري على محكمة تمنحه الشرعية الدستورية في المقام الأول.

أما أداء القسم في ميدان التحرير فهو «لعب عيال» ينقص هيبة مؤسسة الرئاسة ويخالف الشرعية الدستورية. والحذر من تصريحات تصلح كمانشيتات عن التواضع ورفض البروتوكول. فتفاصيل البروتوكول، واختيار الصورة الرسمية لتعلق في مكاتب الحكومة والسفارات، تحددها لجان مختصة يؤسسها الدستور وليست وفق المزاج الشخصي مهما كان مقام الشخص ومكانته.

ويجب الإسراع بسد الثغرات التي ظهرت في خطاب الرئيس مساء الأحد وتركت تأثيرا سلبيا على الاقتصاد المصري، في عام فقدت الخزانة فيه ثلثي احتياطها النقدي.

مصر تحتاج أكثر من نصف مليون فرصة عمل جديدة سنويا، ولم تزد فرص العمل الجديدة في نهاية 2010 عن 37 ألفا أغلبها خلقها القطاع الخاص.

تقليد رؤساء الجمهورية الأولى في خطابات طويلة غنية بالشعارات بينما يخلو المضمون من خطة عمل واضحة، يعطي الانطباع باستمرار حالة اتكالية الشباب على الدولة لتشغيلهم، ولذا على الرئيس تحديث أسلوبه فيكون الخطاب قصيرا مركزا خاليا من الشعارات وعبارته دقيقة تحدد السياسات.

مرسي أول رئيس مصري في التاريخ الحديث يفاجئ العالم بخلو خطابه الأول من التفاخر بحضارة السبعة آلاف عام وهو جزء من شخصية مصر وصورتها في أذهان غير المصريين.

هذا فقط لا يخيف القوميين المصريين والعلمانيين (فجماعات كـ«القاعدة» والطالبان تهاجم هذه الحضارة) بل يؤثر سلبيا على الاقتصاد. فالسائح يزور مصر بسبب هذه الحضارة التي لا مثيل لها، بينما المصايف والشواطئ موجودة في بقية البلدان.

الخطاب خلا من عبارات المواطن والمواطنة والمواطنين. وهو خطأ يجب على الرئيس تداركه، خاصة في غياب عبارة واضحة تؤكد التزام مؤسسة الرئاسة بحماية وتقديس حق الفرد، ذكرا أم أنثى، في حرية اختيار العقيدة والملبس والمأكل والمشرب وأسلوب الحياة. عبارة تؤكد دعم الرئيس لمؤسسات دولة القانون التي تحمي المواطن الفرد، وتمنع ظهور جماعات من المختلين نفسيا تتحرش بالمواطنين والمواطنات بدعوى الحفاظ على الأخلاق. فالأخلاق خيار فردي والقانون تطبقه المؤسسات.

والى جانب الالتزام بالقانون وبحقوق الإنسان، فهذا أيضا يطمئن المستثمر في قطاعات السياحة والفنادق والسفر والترفيه والفنون. استثمارات تخلق الوظائف وتجذب الدخل الخارجي في وقت قصير وبلا إنفاقات ضخمة (مقارنة بالصناعات الثقيلة ومشاريع البنية التحتية) فمن البلاهة توقع استثمار مؤسسة عالمية في عمل فني والإخوان يهددون بالرقابة على الفنون، أو في منتجع سياحي يتعرض رواده لمضايقات سببها ثقافة رفض حق الفرد في الاختيار؛ فهذا لن يؤدي إلى هروب المستثمر من مصر فحسب، بل إنفاق أموالهم في بلدان مجاورة تتيح حرية الاختيار.

مطلوب أيضا خطاب قصير خال من الشعارات يؤكد قدسية الملكية الخاصة وتداول الأسهم يطمئن البنوك والاستثمارات بعدم تكرار كارثة التأميمات الناصرية التي خربت الاقتصاد..

عبارة احترام المعاهدات مرغوبة، لكن هناك حاجة لخطاب واضح يؤكد رفض الزج بمصر في مغامرات آيديولوجية وصراعات الغير، وضرورة التعاون مع العالم المتحضر في احترام القانون الدولي.

ولعل أهم الإشارات التي ننتظرها ضرورة دعم المؤسسة العسكرية واحترام دور المجلس الأعلى للقوات المسلحة في حماية الوطن وتأمينه في الفترة الانتقالية والتي في رأينا ستمتد إلى ما بعد نهاية فترة البرلمان المقبل. وليس من الحكمة إكمال انتخابه قبل الانتهاء من الدستور، ونتمنى أن يكون تحديثا وتعديلا لبضعة مواد من دستور 1923.

ومن الناحية الواقعية ستمتد الفترة الانتقالية من عامين إلى ثلاثة سيكون المجلس العسكري فيها ضامن أمن المواطن والاستقرار الضروري لجذب المستثمرين والسائحين وتحريك الاقتصاد.

أخيرا، أكرر ضرورة احترام جميع أبناء الأمة لاختيار الأغلبية لمحمد مرسي كأول رئيس للجمهورية الثانية. الديمقراطية بحاجة إلى معارضة قوية، لكن الخلاف مع الرئيس يكون في الصحف وقاعات المناظرات وتحت قبة البرلمان وليس في مظاهرات الشوارع التي تخيف المستثمر. وليتذكر المصريون، رئيسا، ومؤسسات، وأحزابا، وجمعيات أنهم من ابتكر الحضارة في فجر التاريخ، وحان الوقت لإعادة بناء ما تهدم ما بين 1952 – 2012 من الجسر الذي بدأ مينا تشييده وأكمله أحمس ورمسيس ومحمد علي وسعد زغلول.

———–

نقلاً عن الشرق الأوسط

 

-- عادل درويش

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*