الجمعة , 2 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الصفويون والبعث .. حلف المتناقضات !

الصفويون والبعث .. حلف المتناقضات !

يقول الباحث الإيراني الشهير علي شريعتي: (الدولة الصفوية قامت على مزيج من القومية الفارسية والمذهب الشيعي، حيث تولدت آنذاك تيارات تدعو لإحياء التراث الوطني والاعتزاز بالهوية الإيرانية، وتفضيل العجم على العرب، وإشاعة اليأس من الإسلام، وفصل الإيرانيين عن تيار النهضة الإسلامية المندفع، وتمجيد الأكاسرة)(1)… 

… هذه المقولة أو الشهادة تختصر حقيقة الصفوية الحاكمة اليوم في إيران وإن لبست العمائم وخاطبت الأمة بلغة الوحدة، من حيث مزجها بين قوميتها الفارسية وتشيعها المذهبي، ما يفسر المواقف السياسية الغريبة، التي تتخذها الحكومة الإيرانية بزعامة الملالي تحت قيادة المرشد الأعلى للثورة الخمينية، وهي مواقف متناقضة في حقيقتها رغم الزعم بالحياد في القضايا الإقليمية، أو الإدعاء بخدمة الإسلام بالنسبة لقضايا الأمة الإسلامية العالمية، ولعل أبسط الأمثلة على ذلك موقف الجمهورية الإيرانية على مستوى جميع الحكومات، التي تعاقبت على إدارتها، موقفها من ملف (المقاومة المشروعة)، وهو موقف متناقض من زاوية التعامل الحقيقي مع هذا الملف الثقيل والمعقد، خاصةً بعد الحملة الغربية على الإسلام، التي انطلقت عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م – بشقيها السياسي والإعلامي ـ بدعوى أن مفاهيم الجهاد والمقاومة مرتبطة بأعمال الإرهاب الدولي. 

التناقض الذي أعنيه يبدو جلياً في حالتي المقاومة ضد إسرائيل في لبنان وفلسطين، مقابل المقاومة في الشيشان ضد الروس، فليس خافياً الدعم بأشكاله السياسي والعسكري والمالي، الذي قدمته وتقدمه حكومة طهران لحركات المقاومة في لبنان (حزب الله) وفلسطين (حماس والجهاد)، في مقابل رفضها دعم المقاتلين الشيشان بأية صورة كانت، كونها تعتبر الشيشان مسـألة روسية داخلية. لكن هذا الموقف الإيراني لا يعتبر استدعاء حكومة البحرين لقوات دول مجلس التعاون الخليجي شأناً داخلياً، بل تتواقح معتبرةً الوجود السعودي في البحرين احتلالاً بحجة أن الشعب البحريني هو من يقرر مصيره بنفسه، بينما ترمي بثقلها في سوريا لدعم ومشاركة النظام البعثي المجرم ضد ثورة الشعب السوري نحو الحرية، كما تتحكم في لبنان من خلال حزب الله، الذي يتباهى أمينه وقادته بإعلان الولاء لمرشد الثورة الإيرانية على حساب الانتماء الوطني، فضلاً عن إدارتها العراق بحكومة طائفية لا تخفي ارتباطها بإيران من جهة ومن جهة أخرى علاقتها الوثيقة بأميركا، التي يراها الإيرانيون الشيطان الأكبر في أكاذيب شعاراتهم، كل ذلك ليس احتلالاً بغيضاً، أو تدخلاً سافراً، أو مخالفة لأبسط قيم الوحدة الإسلامية الحقيقية. 

لكن إذا كان هناك قاسم مشترك بين الصفويين في طهران، والطائفيين في حكومة بغداد، وأعضاء حزب الله في لبنان وهو المذهب الشيعي والمرجعية الإسلامية بشكل عام، فإن السؤال يتمحور حول الملف السوري وهو: كيف اجتمع البعث (العربي) والصفوي (الفارسي) ؟ كيف اتفق الحزب العلماني والدولة الدينية؟، بل وتشكل بينهما حلف سياسي وعسكري واضح ! رغم أن القوميات تختلف، والمرجعيات الفكرية للطرفين تتعارض، فمعروف أن حزب البعث السوري (البعث العربي الاشتراكي)، حزب قومي علماني، يقوم على تحويل كل القيم والمفاهيم الحضارية نحو التوجه الاشتراكي، بدلالة أن شعاره (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة)(2)، وأهدافه تحقيق الوحدة على أساس القومية العربية، وتكريس الحرية على أساس الممارسة العلمانية (فصل الدين عن الدنيا)، وتطبيق الاشتراكية في مفاصل الاقتصاد والعملية الإنتاجية، بينما الجمهورية الإيرانية قومية فارسية ذات نزعة متطرفة، لدرجة أن دستورها ُيحدد فارسية المرشد الأعلى للثورة ورئيس الجمهورية، وقوانينها وتنظيماتها تتم وفق مرجعية إسلامية متشددة للمذهب الشيعي الإمامي حتى أنها تمنع قيام أحزاب علمانية، كما أنها ترفض الاشتراكية وتحاربها. 

إذا ً نحن أمام صورة متناقضة، بل متعارضة في المبدأ والتطبيق، لذلك كان من المفترض أن يكون البعث السوري (العربي) هو أول من يقف في وجه المشروع الإيراني (الفارسي) في المنطقة العربية، ليس لمنعه من تحقيق أهدافه بتشكيل الهلال الصفوي، إنما لأنه يتعارض تماماً مع مبادئ هذا الحزب على مستوى (البعد القومي والفكر السياسي والعمل الاقتصادي)، غير أن الذي اتضح في أجواء الثورة السورية المجيدة أن البعث مجرد غطاء لحركة مذهبية نصيرية بيد الصفويين، فارتباطات التاريخ تملي على الواقع حلف المتناقضات. 

من هنا أقول: إن عظمة الثورة السورية ليست في أعداد الشهداء الذين سقطوا -عليهم رحمة الله- وليست بالمجازر الشيطانية التي لم تستثن الأطفال، وليست في الصمود المذهل لشعب الشام أمام نظام دموي لا يختلف عن الإسرائيليين والصرب والروس إجراماً في الإنسان وحرقاً للأرض والعمران، في ظل خذلان عربي وصمت دولي، إنما لأنها ثورة الفضح ويد الفرز، فقد فضحت حقيقة البعث العربي، ويد الكرامة التي نزعت الأقنعة عن تجار المقاومة، وأدت إلى عملية فرز متواصلة لأدعياء الحرية وحقوق الإنسان في العالم الغربي، والنصر بإذن الله وتوفيقه لثورة الشام العظيمة. 

* * * 

(1) الصفوية.. التاريخ والصراع والرواسب – إصدار المسبار 

(2) الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة – الندوة العالمية للشباب الإسلامي. 

kanaan999@hotmail.com 

تويتر @moh_alkanaan 

——————

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية 

-- محمد بن عيسى الكنعان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*