الإثنين , 5 ديسمبر 2016

إيران مصدر التوتر

يراقب العالم بقلق بالغ السلوك الإيراني الذي أصبح باندفاعاته المتهورة يشكل تهديدا على أمن واستقرار المنطقة والعالم. وبعد قراءتي للكتاب القيم «الجمهورية الصعبة: إيران في تحولاتها الداخلية وسياساتها الإقليمية». الصادر عن دار «الساقي» للأستاذ طلال عتريسي، أدركت أن طموحات إيران للهيمنة ومد النفوذ ذات طابع مؤسسي وصبغة عقائدية متأصلة. فها هي طهران تقف شبه وحيدة أمام العالم ممثلا برأس حربة الشرعية الدولية؛ مجلس الأمن، معلنة رفضها القاطع لكل الجهود التي بذلت في السنوات الماضية لإقناعها بوقف عمليات تخصيب اليورانيوم والحد من التوسع في أنشطتها النووية من دون إشراف مباشر من مفتشي وخبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

يذكر أن مجلس الأمن الدولي صادق بالإجماع على قرار بفرض عقوبات على إيران بسبب رفضها وقف تخصيب اليورانيوم. والقرار يعد تحصيل حاصل للقرار الذي صدر من مجلس الأمن برقم 1696 الذي يطالب إيران بوقف التخصيب؛ هذا وينص القرار المذكور الذي صدر تحت الفقرة الأربعين من الفصل السابع من الميثاق على أنه في حالة عدم امتثال إيران قبل 31 أغسطس (آب) 2006، فإن المجلس سوف يبحث الأمر مرة أخرى على ضوء الفقرة الحادية والأربعين من الفصل نفسه، والتي تجيز التهديد بالعقوبات وفرضها. وكانت قطر الدولة الوحيد في المجلس، في حينه التي تصوت ضده!

أما القرار الذي تلاه وحمل رقم 1737، فجاء متسقا مع السابق، حيث دور التنفيذ لما تضمنه القرار 1696 من فرض عقوبات على إيران، والذي وافقت عليه جميع الدول الأعضاء الـ15 في المجلس بما فيها قطر؛ التي ترأست المجلس لذاك الشهر (خلال تمتعها بالعضوية غير الدائمة في المجلس عامي 2008 – 2009)، بحظر إمداد إيران بأي مواد أو تكنولوجيا نووية، وتجميد بعض الأصول الإيرانية، و«ضرورة توخي الحيطة» بشأن سفر 12 شخصية إيرانية تعد المسؤولة عن الملف النووي. 

ويأتي القرار ضمن الفقرة الـ41 من الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة، حيث يتيح لمجلس الأمن فرض عقوبات غير عسكرية مثل قطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية جزئيا أو كليا، فضلا عن عقوبات في ميدان النقل والاتصال. وإذا لم تستجب إيران لما يتضمنه القرار من مطالب، يشير القرار إلى أن المجلس سيتخذ «إجراءات مناسبة أخرى» تحت نفس الفقرة من نفس الفصل السابع؛ الذي يعد أكثر فصول ميثاق الأمم المتحدة إلزامية، وفيه أيضا الأطر القانونية لاستخدام القوات العسكرية لإرغام الدول على تنفيذ قرارات مجلس الأمن في حال عدم امتثالها، كما أنشأ بموجبه لجنة لمتابعة تنفيذ العقوبات على إيران. 

تلاه القرار 1747 وتم بموجبه منع التعامل مع البنك الإيراني الحكومي (سيباه) و28 شخصا ومنظمة لهم اتصال بالحرس الثوري الإيراني. ثم القرار 1803 الذي مدد الحظر على الأصول الإيرانية والسفر على مزيد من الشخصيات الإيرانية ذات النفوذ. أخيرا القرار 1929 وبموجبه تم تعزيز القرارات السابقة، مضيفا إليها إنشاء فريق من الخبراء لمساعدة لجنة العقوبات في «الاضطلاع بولايتها وتنفيذ المهام المحددة الموكلة لها»، ويتكون هذا الفريق من ثمانية أعضاء من ذوي الاختصاص.

رد فعل طهران على القرارات كان متطابقا، حيث كان الرفض هو العنوان الأبرز وعلى لسان الرئيس أحمدي نجاد، والتهديد بعد قرار مجلس الأمن الأخير؛ بتركيب 3000 من أجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم. وهي إشارة قوية للتصعيد. على خط مواز عقدت سلسلة من الاجتماعات مؤخرا، بين مجموعة 5+1 وإيران حول المسألة النووية، في إسطنبول، بغداد وموسكو لم يتحقق خلالها أي تقدم في المسائل العالقة وفي مقدمتها: السماح لإيران صراحة بتخصيب اليورانيوم على أراضيها إلى مستوى 5 في المائة، عدم إخراج اليورانيوم الذي جرى تخصيبه سابقا، بأكثر من هذه النسبة. وأخيرا، عدم تحديد أعداد آلات الطرد المركزي أو مواقع التخصيب، وهذا يزيد من صعوبة إلحاق الضرر بها في حال اتخذ قرار بضربها. وفي حال أبرم اتفاق كهذا، ستحسن إيران من فرص حيازتها سلاحا نوويا في وقت قصير نسبيا؛ متى اتخذت قرارا بذلك.

أما الاتفاق الذي تتطلع إليه الدول المعارضة لامتلاك إيران سلاحا نوويا، فترى ضرورة أن يشمل التالي: تقليص واضح لعمليات التخصيب الجارية، نزع القسم الأكبر من اليورانيوم المخصب من إيران، سواء بنسبة 3.5 في المائة أو 20 في المائة، إغلاق المنشأة التي أقيمت تحت الأرض بقرب قم، المصادقة على البروتوكول الإضافي مع الوكالة وتقديم توضيحات مرضية للمسائل العالقة مع الوكالة وتم نشرها في تقرير المدير العام الأخير المقدم لمجلس المحافظين. 

تعد المفاوضات وما يصاحبها من ضجيج إعلامي، ورفض إيران القاطع تنفيذ قرارات مجلس الأمن، إضافة إلى تمادي إيران في انتهاج سياسات إقليمية متهورة، كل هذا هي تحاول صرف نظر مواطنيها عن الأوضاع الداخلية المتردية. وهذا يعني بطبيعة الحال استمرار التوتر في المنطقة وما يتبع ذلك من أثر على كافة مجالات الحياة، سواء اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية. إن نشوب نزاع مسلح جديد في المنطقة أمر لا يطاق، ويجب بذل كل الجهود السلمية لتجنب وقوعه، لكن طهران لديها «أجندة» مغايرة، ونيات ما زلنا نرى آثارها الفاجعة على الأقل في سوريا الآن!

————-

نقلاً عن الشرق الأوسط

-- نايف بن بندر السديري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*