الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016

عبرٌ من التاريخ

من قراءاتي كتاب يُؤرخ لفترة حكم الدولة الإيرانية البهلوية، المكونة من الشاه الأب، والشاه الابن (1921م – 1979م) من تأليف البروفسور غلام رضا افخمي، وبه من العبر ما يستحق القراءة، ولكن من مجموع صفحات الكتاب البالغة (700) صفحة، فإن الصفحات الثمانين الأخيرة، والتي تؤرخ للفترة من مغادرة الشاه لإيران في (16-1-1979م)، وحتى تاريخ وفاته (27-7-1980م)، فإن فيها من العبر ما يُعادل كل ما سواها، واسمحوا لي أن أستعرض الكتاب سريعاً:

– في عام 1921م، استولى رضا بهلوي (والد الشاه)، وهو عسكري، على الحكم، وأنهى حكم عائلة القاجار، ذات الأصول الأفغانية، وكان النفط قد اكتشف في إيران عام 1907م، وكانت تتحكم به شركة البترول البريطانية، ولكن عندما استقرت الأمور للشاه (الأب)، بدأ يُطالب الإنجليز بتعديل شروط الاتفاقية المتعلقة بالبترول، وهو ما أزعج الإنجليز، وفي عام 1941م، اتهمت دول الحلفاء الشاه الأب، بأنه ذو عواطف نازية، وانتهى الأمر بتنازله لابنه محمد رضا بهلوي، ونفيه إلى جنوب إفريقيا.

– استمر الشاه الابن في الحكم حتى عام 1953م، عندما جاء محمد مصدق كرئيس وزراء، وقام مصدق بتأميم شركة البترول الإيرانية، وهو ما أثار حفيظة الغرب ضده، ولكن الشارع كان معه، فغادر الشاه إيران، وعاد لاحقاً بدعم من المخابرات الأمريكية.

– توطد حكم الشاه بعد ذلك، وفي عام 1963م، بدأ ما سُميت بالثورة البيضاء، وهي إصلاحات شملت إعادة توزيع الأراضي، وإعطاء حق التصويت للمرأة، وقد أثارت هذه الإصلاحات الحوزة الدينية، وقاد المعارضة رجل دين، هو الإمام الخميني، وقد نفاه الشاه إلى العراق.. ولم يأت عقد السبعينيات حتى بدأ الشاه القيام بدور شرطي المنطقة، مستفيداً بالدرجة الأولى من خروج الإنجليز من منطقة شرق السويس (اليمن الجنوبي، والخليج)، ومستفيداً أيضاً من دخل البترول، الذي سمح له بالتسلح بشكل غير مسبوق، حتى إنه بدأ يفكر بالسلاح النووي!!

– تمادى الشاه في تعظيم ذاته، بحيث ربط إمبراطوريته بتاريخ إيران الفارسي، بل إنه مع احتفالات مرور (2.500) سنة على الإمبرطورية، والتي تمت في عام 1971م، سمح بجانب البذخ في تلك الاحتفالات، أن يغير التاريخ الإيراني من التاريخ الهجري، إلى التاريخ الفارسي، وهو ما ساهمَ في تحدي الشارع الإيراني المسلم.

– بعد تلك الاحتفالات بدأ الشاهنشاه، وهو اصطلاح يعني ملك الملوك، بالشعور بالعظمة، لخصها أحد السياسيين الأمريكان، بأن قال: «إنه لم يكن أحد يستطيع أن يكذب على والد الشاه، وبالمقابل لم يكن أحد يستطيع أن يقول الحقيقة للشاه»!!

– تسارعت أحداث الثورة الإسلامية الإيرانية منذ عام 1977م، حتى بداية عام 1979م، عندما غادر الشاه إيران في محاولة لتهدئة الأمور.

– منذ مغادرة الشاه، وحتى وفاته، تلقى الكثير من الإهانات، من حلفاء الأمس، وخصوصاً من الحكومة الأمريكية في عهد الرئيس كارتر، فباستثناء الرئيس أنور السادات، الذي استقبله حال مغادرته إيران، فإن المغرب رحب به لشهرين، ثم أوعز له للمغادرة، وسمحت له المكسيك بالإقامة، ولكن وضعه الصحي تطلب نقله إلى أمريكا، فوافقت أمريكا دخوله للعلاج فقط، ولكن كان عليه أن يتخفى، وأن يهرّب إلى المستشفى من مدخل مغسلة الملابس!! وبعد علاجه رفضت المكسيك عودته، فرتب له الانتقال إلى باناما، الذي ابتزه رئيسها عمر تروخو، وتآمر لتسليمه إلى إيران، مقابل مبلغ مالي، ولكن الأمريكان تداركوا الأمر، وسمحوا له بالانتقال إلى مصر، ليموت هناك بعد شهرين.

ما هي الدروس المُستفادة من تلك التجربة؟؟

– إن دور شركات البترول الأجنبية كان متداخلاً بشكل حيوي، وأساسي مع الحكومات الغربية، وبالتأكيد مع أجهزة المخابرات.

– إن تجاهل الشاه للشارع الإسلامي، وقيامه بتغيير التاريخ الهجري، وبعض الإصلاحات، كلها أدت إلى اتهامه بتغريب المجتمع الإيراني، وساهمت في سقوطه.

– إن عملية التسلُّح، بكل ما تطلبته من مصادر مالية، كانت على حساب التنمية، وهو ما قلل الموارد المتاحة للمشاريع التنموية.

– شاه إيران تعامل بتعالٍ مع حكام المنطقة، ولذلك لم يتمكن من بناء علاقات معهم، بل على العكس من ذلك، كان يوثّق علاقته مع إسرائيل.. وأكثر من ذلك، أبدى الشاه طموحاً عدوانياً، وذلك باستمرار التلميح بضم البحرين، ثم باحتلال جزر الإمارات الثلاث.

– اكتشف الأمريكان لاحقاً أن تركيزهم على علاقتهم مع الشاه كان خاطئاً، لأن المذهب الشيعي، وبسبب التمويل الذي يؤمنه الخمس للحوزة الدينية، ولا تستطيع الحكومة التدخل فيه، قدم مبالغ هائلة، سمحت للحوزة الدينية التقليدية أن تستقل عن الحكومة، وتمول ذاتها بذاتها، وهو ما أتاح لها حرية غير موجودة عند غيرها؟

mandeel@siig.com.sa 

—————-

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- سليمان محمد المنديل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*