الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مراكز بحوث أمريكية بعقول عربية

مراكز بحوث أمريكية بعقول عربية

لا جديد إن قلنا إن مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية تشكِّل المصدر الأساس للمعلومات التي تهمّ صنّاع القرار في العالم، وتساعدهم بالتالي على بلورة خيارهم السياسي النهائي، والفصل فيه.

وفي الولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبي، ثمة ما يزيد اليوم على 5650باحثاً ومتخصّصاً عربياً، يتوزعون على مراكز التفكير والدراسات Think Tanks فيها، بما في ذلك الجامعات طبعاً، والتي تضمّ بدورها مراكز بحثية مهمّة جداً، تؤدّي الأدوار والوظائف نفسها التي تضطلع بها نظيراتها خارج الأسوار الأكاديمية.. حتى غدت هذه المراكز اليوم بمثابة مجتمعات بحثية متعدّدة الخلفيات الفكرية والثقافية.

وإذا كانت بريطانيا هي السباقة في استحداث مراكز التفكير في أوروبا وعلى مستوى العالم، من خلال “هيئة فابيان البحثية” التي تأسّست في لندن العام 1884، واضطّلعت بأدوار استراتيجية مهمّة لمرجعياتها، فإنّ مؤرّخي الأفكار يُجمعون على أن أول نشأة فعلية لمركز تفكير حديث، متكامل الأدوار والأبعاد، كان مركز بروكنغز الأميركي الذي تأسّس في واشنطن العام 1916.

وفي مطالع السبعينيّات من القرن الماضي بدأت مراكز التفكير تتكاثر كالفطر في العالم، وبلغت أقصى نموّها في العام 1996، بمعدل ولادة 160 مركز تفكير في العام الواحد، ليتقلّص هذا النموّ وتتباطأ وتيرته بعد العام 2000. وقد أحصت دراسة صادرة عن “مؤسّسة بحوث السياسات الخارجية” التابعة لجامعة بنسلفانيا تحت عنوان: “التصنيف العالمي لمراكز التفكير” 6480 مركز تفكير حول العالم، وذلك وفق النسب الآتية: 35% في أميركا الشمالية، 29% في أوروبا،18% في آسيا.. وفي أميركا الجنوبية وجزر الكارييب 12% وفي أفريقيا 8% وفي الوطن العربي 4% وفي استراليا 1%.

تتباين مراكز التفكير في الغرب بأهمية أدوارها وأحجامها، واستطراداً تأثيراتها على السياسات الخارجية لبلدانها. لكنّها في الولايات المتّحدة تظلّ سبّاقة على ما عداها في هذا التأثير من جميع المراكز، حتى لقد قيل “إن مراكز الأبحاث الأميركية تعطي دروساً في السياسة الخارجية ليس لبلادها فقط، وإنما لسائر البلدان المركزية في العالم”.

ريادة مجيد خدوري

من أبرز مصانع الأفكار الأميركية المركزية مركز “بروكينغز”، “معهد واشنطن لسياسية الشرق الأدنى WINEP”، و”معهد أميركان انتربرايز انستيتيوت” و”ميدل إيست فوروم MEF”، و”مؤسّسة راند”، و”مؤسسة كارنيغي”، و”معهد هدسون”… علاوة على أشهر مراكز التفكير التابعة لجامعات أميركية مثل “هوفر إنستيتيوشن” الملحق بجامعة ستانفورد، و”مركز بلفير للعلوم والشؤون الدولية”، و”مركز التنمية الدولي” التابعان كلاهما لجامعة هارفرد، و”مركز الشرق الأوسط” في جامعة جون هوبكنز.. إلخ.

وكان أول باحث عربي أسّس أول مركز للدراسات في الولايات المتّحدة يُعنى بشؤون الشرق الأوسط، هو البروفسور العراقي مجيد خدوري (1908- 2007) الذي هاجر في مطالع الثلاثينيّات إلى الولايات المتّحدة وانتسب إلى جامعة شيكاغو ونال فيها شهادة دكتوراه عن أطروحته: “الانتدابات في عصبة الأمم”. وقد اختارته الحكومة العراقية ليكون عضواً في الوفد العراقي إلى المؤتمر التأسيسي للأمم المتّحدة في سان فرنسيسكو العام 1945.

وفي خمسينيّات القرن الفائت عرف مركز بروكينغز العديد من الباحثين العرب من بينهم الّلبناني الدكتور جورج سمير دفوني، الذي قدّم دراسات حول “ضرورة أن نفهم نحن كمجتمع أميركي مركّب، طبيعة السياسات في مجتمعات مركّبة أخرى.. علينا أن نستفيد عميقاً هنا من تاريخ الدولة العثمانية التي كانت تجمع أعراقاً وديانات ومذاهب وثقافات متناقضة في مجتمع متماسك واحد، عَرف كيف يصنع حضارة عظيمة كانت الأقوى والأغنى في القرنين الخامس والسادس عشر الميلاديّين”.

فريقان من الباحثين

بعد حرب العام 1967وتعاظم دور مراكز البحث الأميركية في أوائل السبعينيّات من القرن الماضي وتكاثرها، نالت منطقة الشرق الأوسط حصّة الأسد من اهتمام السياسات الخارجية الأميركية، نظراً لمصالح الولايات المتّحدة فيها كقطب دولي مركزي مع الاتّحاد السوفياتي السابق وتقاسم النفوذ بينهما في منطقتنا، وفي غير مكان في العالم. وبعدما أفشلت إسرائيل كلّ مساعي السلام مع العرب، وأصرّت على التوسع على حساب الفلسطينيّين وإبادتهم.. وبعد أحداث 11سبتمبر الرهيبة، وغزو العراق، وقيام الثورات العربية، بدأنا نشهد انقسامات حادة في صفوف الباحثين العرب في مراكز التفكير الأميركية. فبعضهم مثلاً، ذهب للاصطفاف على يمين المحافظين الجدد ومنهم من لم يتورّع عن الدعوة لجمع تبرعات لدعم المستوطنين في القدس.

لكن في مقابل ذلك، وقف باحثون أميركيّون آخرون من أصل عربي يدعون إدارة بلدهم إلى اتّخاذ موقف منصف في الصراع العربي الإسرائيلي، ومنهم جيمس زغبي مؤسّس “المعهد العربي- الأميركي” والمعروف كأحد المدافعين عن الحقّ الفلسطيني، وعن حقوق العرب جميعاً داخل الولايات المتّحدة وخارجها. وقد صار لاحقاً المدير التنفيذي “للّجنة العربية الأميركية لمكافحة التمييز العنصري”.

وهناك أيضاً كبير الباحثين في معهد هدسون الأميركي الّلبناني الأصل الدكتور حسن منيمنة الذي راح يفكّك للعقل الغربي مسألة الإرهاب الذي تمثله القاعدة، عاقداً مقارنة بين ما قام به بن لادن وأيمن الظواهري وغيرهما من قادة القاعدة وبين ما قام به التونسي محمد البوعزيزي الذي “تمكّن من خلال احتجاج شخصي أن يطلق ثورة أصبحت مثلاً أعلى تحتذي به الشعوب العربية”.

هشام شرابي في جورج تاون

في العام 1975أسّس المفكّر والأكاديمي الراحل هشام شرابي (من أصل فلسطيني) “مركز الدراسات العربية المعاصرة” في جامعة جورج تاون وشاركه في التأسيس الأكاديمي الأميركي الدكتور مايكل هيدسون. ومن مهام هذا المركز بحسب مؤسّسه “تصويب الرؤية الأميركية تجاه القضايا العربية المركزية، ووضع حدّ للتشوّه اللاحق بها من طرف مؤسّسات سياسية وإعلامية وبحثية معروفة بنفوذها في الولايات المتّحدة”.

ومن مهام المركز أيضاً تزويد الباحثين والأكاديميّين بأهمّ الدراسات السياسية والسوسيولوجية والاقتصادية والثقافية التي تخصّ العالم العربي. كما يتيح المركز فرصة تعلم اللغة العربية وإتقانها.. وقد تحوّل أمر تعلّم العربية إلى واحد من الشروط الأساسية للحصول على شهادة التخرّج بجدارة من المركز الذي تعتبره جامعة جورج تاون جزءاً لا يتجزأ من فروعها الأكاديمية الراسخة.

كما ينظم المركز محاضرات وندوات خاصة بالشرق الأوسط.. بالإضافة إلى مؤتمر سنوي يتناول أبرز التطورات السياسية والأمنية في العالم العربي.

تجدر الإشارة إلى أن الهيئة الاستشارية “لمركز الدراسات العربية المعاصرة” تضمّ أسماء أميركية مرموقة سياسياً وأكاديمياً، مثل مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية السابقة وكينيث بولاك مدير شؤون الخليج في مجلس الأمن القومي، وروبرت بيلاترو مساعد وزير الخارجية الأسبق.

وهناك الكثير من الباحثين الأميركيّين العرب في “مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي” يتقدّمهم نائب الرئيس للدراسات فيها، والمشرف على أبحاث كارنيغي في واشنطن وبيروت حول شؤون الشرق الأوسط، الوزير الأردني الأسبق مروان المعشر، والذي يضطّلع بدور مركزي في وضع مبادرة السلام العربية وخارطة الطريق الخاصة بالشرق الأوسط.

يرى الباحث المعشر أنه “ليس ثمّة من سبب يفسر لماذا لا يمكن أن تنخرط الولايات المتّحدة مع الدول العربية في حوار جاد حول عملية إصلاحٍ تدريجية مطّردة يمكن أن تؤدّي إلى انفتاح سياسي جديد يساعد في استقرار العالم العربي ويحدّ من احتمال وقوع أزمات في المستقبل”.

جيوش من البروفسورات

وتعتبر “راند” من مراكز التفكير الأميركية المتخصّصة تقريباً بالقضايا العسكرية والأمنية، وهي تساعد وزارة الدفاع في برامج تتعلّق بالتخطيط العسكري ونظم التسليح الجوّي وتقنياتها المتجدّدة. وفيها باحثون عرب مختصّون بهذه الشؤون، يقف في الطليعة بينهم اللبناني بيتر جون عواد الذي يرى “أن على الولايات المتّحدة أن تطوّر أكثر تجاربها في مجال صناعة الطائرات من دون طيار. فهي الأفعل والأقلّ خسارة في حال اصطيادها. كما يمكن التحكّم بها أكثر من أيّ طائرة حربية أخرى يقودها طيار بشري”.

ومن وجهة نظر خبراء عسكريين أميركيين تعتبر تجارب بيتر البحثية العلمية “الأكثر إسهاماً من سواها في تطوير اختراع الطائرة من دون طيار وذلك في الإطار التي هي عليه اليوم”. كما يشتغل بيتر أكثر هذه الأيام على مواصفات الطيار الآلي ليصير أكثر ذكاء.

وبيتر عواد مثل غيره من كارهي الحروب الأميركية، يخاف من تطوّر حروب الروبوتات في الشرق الأوسط. فأميركا تسستخدم في حروبها في باكستان وأفغانستان يومياً تقريباً “طيور الموت” المعدنية هذه. وهي تمتلك في قواعدها حول العالم ما يزيد على 10 آلاف طائرة من دون طيار ونحو 15 ألف روبوت.

وقد تسلّلت صناعة الطائرات من دون طيار هذه إلى إسرائيل منذ سنوات طويلة فطوّرتها بدورها حتى غدت أكثر دقة وفتكاً، خصوصاً عندما استخدمتها في حربها على غزة.

ونستدرك فنقول إن ثمة أسماء باحثين أميركيين كثر من أصل عربي يعملون في مراكز تفكير عدّة في بلادهم، أتينا على ذكر بعضها، ومراكز تفكير أخرى لم نأتِ على ذكرها، لتعذّر ذلك طبعاً في مقالة قصيرة.. لكن هذه “الجيوش من البروفسورات العربية” ستظلّ على الخطوط المتشابكة إياها في جميع المراكز البحثية الأميركية.. سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وتكنولوجياً ومستقبلياً..إلخ ، وستبقى أيضاً بمثابة العقول التي تقود صنّاع القرار، والعيون التي يرون فيها.

-- أحمد فرحات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*