الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » لا مساغ للاجتهاد في مورد النص!

لا مساغ للاجتهاد في مورد النص!

قاعدة: “لا مساغ للاجتهاد في مورد النص”, قاعدة فقهية جليلة القدر، عظيمة المنفعة، تندرج تحتها كثير من الفروع الفقهية. وإذا كان الأمر كذلك، فإنه يبرز السؤال التالي: هل تعني هذه القاعدة، أن النص، والاجتهاد لا يجتمعان،

بمعنى: إذا وُجد النص فلا اجتهاد -حينئذ-، وإذا لم يوجد، فيكون باب الاجتهاد مساغا بضوابطه، وشروطه؟. هذا التساؤل انطلق من عنوان المقالة، هدفتُ منها إيضاح الوظيفة العلمية للاجتهاد، وعلاقته بمقاصد الشريعة الإسلامية.

المراد من القاعدة الفقهية المشار إليها، أنه: لا يصح اجتهاد في حكم مسألة، ورد بشأنها نص صريح من الكتاب، أو السنة الصحيحة، أو الإجماع الثابت. أي: لا اجتهاد في المحكمات، والنصوص القطعية، كمسائل العقيدة من توحيد الله، والشهادتين، وكذلك أركان الإسلام، ومعاقد الإيمان، وأصول الشريعة، وقواعدها الكلية. ومثلها: الحدود، والكفارات، وأمهات الأخلاق، وأمهات الرذائل، -إضافة- إلى الضروريات الخمس، التي تدور على المحافظة عليها أحكام الشريعة. فهذه المسائل أجمعت عليها الأمة، وتلقتها بالقبول جيلا بعد جيل. وعلى سبيل المثال، فإن قول الله -تبارك تعالى-: “الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَة”، يدل على عقوبة مطبقة لجريمة الزنا، فلا مجال للاجتهاد؛ لتخفيف، أو تشديد هذه العقوبة.

أما الوجه الآخر للقاعدة، وهو: جواز الاجتهاد مع النص، فمعناه: إذا امتنع الاجتهاد ؛ لمعرفة الحكم مع وجود النص، فإن النص نفسه يجوز فيه الاجتهاد، لا لقبوله، أو رفضه، وإنما لفهمه فهما دقيقا، ولا يكون ذلك إلا وفق القواعد التي وضعها العلماء لذلك. وهو ما يسمى عند علماء الشريعة: “الاجتهاد الاستنباطي”، وهو: فهم آيات الأحكام، وأحاديثها، وتنزيلها على فقه الواقع؛ كي لا تفضي إلى تحقيق خلاف مقصودها. فالحاجة تبرز إليه، إذ هو مما يسوغ الاجتهاد فيه. ومثله -أيضا-: الاجتهاد في دلالة النص إن كان غير واضح الدلالة، أو الاجتهاد في تطبيق النفي، أي: في توسيع دلالته، وتحقيق مناطه، فهذا النوع لا يدخل في المنع الوارد في القاعدة الفقهية. وعلى سبيل المثال فإن قول الله -جلّ في علاه-: “وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ”، فالقرء، لفظ مشترك بين الطهر، والحيض، لا يمكن أن يراد به المعنيان معا ؛ لأنهما متضادان، فيجب الحصر إما إلى الأخذ بالطهر، كما قال بعض الفقهاء، أو الأخذ بالحيض، كما هو مذهب الفقهاء الآخرين، وكل وصل إلى المعنى بدليله، واقتنع به، أنه المقصود من النص على طريق الاجتهاد.

ثم إن الأحكام العملية، وهي الفروع الفقهية، ففي حال ورود النص، فلا مجال للاجتهاد -حينئذ-، وهو ما يُعرف عند العلماء، بقاعدة: “لا اجتهاد مع النص”، والمراد بنفي الاجتهاد عند وجود النص، ما إذا كان النص صحيحاً صريحاً؛ أما الاجتهاد في فهم النص، وتطبيقه على الواقعة إذا كان ظني الدلالة، فهذا أمر آخر تختلف الأفهام فيه، وهو نوع من الاجتهاد في النصوص، وقد ذكر -الدكتور- إسماعيل صديق عثمان، تفصيل العلماء في هذه القاعدة، باعتبار أن الاجتهاد نوعان، الأول: الاجتهاد في فهم النصوص؛ لإمكان تطبيقها، وهذا واجب على كل مجتهد، -وخاصة- إذا كان النص محتملاً لوجوهٍ مختلفة في تفسيره، أو كان عامّاً، أو مجملاً. والثاني: اجتهاد في قياس حكمٍ لا نص فيه على حكم منصوص عليه، أي: هو اجتهاد في استنباط العلة من المنصوص عليه ؛ لتعديتها للفرع الذي لم يُنص على حكمه ؛ ليحكم عليه بحكمها، وهذا لا يجوز أن يُلجأ إليه إلا بعد ألا نجد حكم المسألة المبحوث عنها في الكتاب، أو السنة، أو الإجماع ؛ لأنّ محل القياس، إنما هو عند عدم النص.

إن الاجتهاد المطلوب، هو استفراغ الوسع، وبذل المجهود في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط من المتمكن، الذي يستجمع شروط الاجتهاد في طلب المقصود من جهة الاستدلال، ولا يتأتى ذلك إلا ممن خبروا المقاصد، وأحكموا بالكليات، ثم نظروا في الأحكام من خلال ذلك. وهذا هو المقصود بأثر تغير الاجتهاد في الفتوى، وهو يعتبر من محاسن الشريعة الإسلامية ؛ لتعريف الأمة بمسائل دينها، وما يرتبط من أحكام دنياها، وهذا ما قصده الإمام عز الدين بن عبد السلام -رحمه الله-، بقوله: “ومعظم مقاصد القرآن الكريم، الأمر باكتساب المصالح، وأسبابها، والزجر عن اكتساب المفاسد، وأسبابها”. ومثله قول أبي إسحاق الشاطبي -رحمه الله-: “وأما مواضع الاجتهاد، فهي راجعة إلى نمط التشابه ؛ لأنها دائرة بين طرفي نفي، وإثبات شرعيين، فقد يخفى هناك وجه الصواب من وجه الخطأ. وعلى كل تقدير، إن قيل بأن المصيب واحد، فقد شهد أرباب هذا القول، بأن الموضع ليس مجال الاختلاف، ولا من حجج الاختلاف، بل هو مجال استفراغ الوسع، وإبلاغ الجهد في طلب مقصد الشارع المتحد.. وإنما الجميع محوّمون على قول واحد، هو قصد الشارع عند المجتهد، لا قولان مقرران، فلم يظهر إذن من قصد الشارع وضع أصل للاختلاف، بل وضع موضع للاجتهاد في التحويم في إصابة قصد الشارع، الذي هو واحد”.

drsasq@gmail.com

-- د.سعد بن عبدالقادر القويعي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*