السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » قراءة في الخطاب السياسي المصري الجديد (1-2)

قراءة في الخطاب السياسي المصري الجديد (1-2)

منذ ما يقرب من عام ونصف العام والعالم العربي والإسلامي يعيش فترة أو حقبة زمنية تعددت أوصافها إلى حد التناقض..

من الربيع العربي الذي يعبر عن أعلى درجات التفاؤل إلى الحريق العربي الذي يمثل شعور الخوف والتشاؤم!! وبينهما تفاوتات في درجة الوصف والتتبع والتحليل وقراءة السيناريوهات والتنبؤ بإسقاطاتها في المستقبل القريب والمدى المتوسط والبعيد.

هكذا يتمثل المشهد الإعلامي والفكري والسياسي على المستويات المحلية والإقليمية والدولية ليفرز تجاذبات ومقاربات أحياناً، وصراعات وصدامات أحياناً، وتماهي والتفافات في كثير من الأحيان، وما كان هذا ليحدث نتيجة طموح التغيرات المجتمعية أو جراء الأحلام الشبابية فحسب، بل لأنه يرتبط بإفرازات ومنتجات فكرية اختلطت بالرؤى السياسية إلى حد الذوبان الذي يشبه ذوبان الملح أو العسل في الماء..

لذا فلا عجب أن يولي عدد من المفكرين والكتاب والإعلاميين الغربيين المعتبرين قدراً عظيماً من الاهتمام والدراسة والمتابعة والتحليل ورصد التوقعات ومحاولات بث نمط من الوعي وتصدير لون ما من الفكر ليبدو الموقف خبرة سياسية ومشورة إستراتيجية لدوائر صنع القرار في دول العالم من جهة ومن جهة ثانية نوعاً من صياغة الوعي المتلازم مع تجدد المعطيات وتداعي الأحداث وتفاعل الأطراف.

في خضم ذلك تحتل مصر وما يجري فيها أعلى سلم الأولويات تتبعاً وقراءة وتحليلاً، فهي تعيش أياماً توصف من قبل البعض بأنها لم تُشهد من قبل، ووصفها البعض الآخر بأنها أيام فارقة في تاريخ عالمنا العربي وليس ذلك لحجمها الإقليمي أو دورها التاريخي وإرثها الحضاري فحسب وإنما كذلك لأنها المرة الأولى التي تتغير منها قبلتها السياسية أو إن شئت قل البوصلة السياسية من العسكرية إلى المدنية وما يعنيه ذلك في علوم (البولتيكا) السياسية من أطر مرجعية ومعتقدات سياسية وإدارة وقيادة وتنظيم هرمي..

ويزيد الأمر أهمية ويلفت الانتباه أكثر اقتران هذا التحول بما يسمى في العصر الراهن بـ”الإسلام السياسي” الذي ظل على مدى عقود طويلة محل جدل واختلاف داخل الدول والمجتمعات، ورفض صريح ومعلن من قبل دوائر عالمية في القوى الكبرى التي هيمنت على مجريات سياسة عالمنا الخارجي، كم من تجارب وئدت في مهدها، وكم من توجهات أحرقت أو همشت بعد إنتاجها، وكم من مشروعات قتلت في إرهاصاتها من قبل القوى العالمية!، وطبعاً هذا التغير في الإستراتيجيات والتبدل في المواقف يطرح سؤالاً هاماً لدى النخب والمفكرين والمثقفين والإعلاميين والسياسيين مفاده.. هل ثمة تحولات أو تبدلات في النظام العالمي تشي بميلاد جديد في خارطة عالمنا العربي السياسية؟ لعل للإجابة عن مثل هذا التساؤل مجالاً آخر، لكن أراني مشدوداً بحكم التخصص لتحليل الخطاب المصري بمفرداته السياسية وخطواته الديمقراطية، حيث شهدت الساحة المصرية في أيام لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة ثراء في الإنتاج الخطابي لرئيسها الجديد.

ويأتي هذا الخطاب الجديد للرئيس الجديد في ظرف جديد ومشهد فريد ليؤسس أو ليطمح أن يؤسس آفاقاً جديدة لأنماط العلاقة بين مؤسسات السلطة المصرية في ظل تعقيدات أفرزتها المرحلة الانتقالية يطول شرحها ويختلف الناس حولها، ولتحليل الخطاب فنيات ودرجات فهو فن له أصوله وقواعده العلمية والمنهجية نبدأها بالملامح العامة للمشهد السياسي المصري مقترناً بصعود تيار بعينه وفوز مرشحه بمنصب الرئيس، حيث إن لذلك الاقتران تأثيراته ودلالاته وضوابطه ومكبلاته وحساباته وتشابكاته في ظل أمل الخروج من حالة الصراع وتجنب حالة الصدام إلى التوافق والوئام الذي يعبر عن القوى الوطنية في الشارع المصري من جهة، كما يعبر من جهة أخرى عن مراكز القوى وامتلاك السلطة وتقاسمها، ولعل ذلك المشهد العام يفرض على محللي الخطاب من وجهة نظري الشخصية رصدا للمؤشرات العامة التي يعد من أهمها مراحل التنصيب ومراسم تسليم وتسلم السلطة وشرعيتها التي اختلفت عن تاريخها السابق في مصر، فمن محاولة تعزيز الشرعية الإسلامية بأداء محمد مرسي صلاة الجمعة في الأزهر إلى الشرعية الثورية بخطبته في ميدان التحرير إلى الشرعية الدستورية بأداء القسم أمام الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية إلى الشرعية الحضارية بخطاب في جامعة القاهرة إلى شرعية السلطة التنفيذية في حفل دشنه المجلس الأعلى للقوات المسلحة.. هذا عن المعطيات العامة والأوصاف الإجمالية للخطاب.. فماذا عن مضمون الخطب المكونة للخطاب، وماذا عن شخصية صاحب الخطاب وماذا عن ردود الأفعال في الداخل والخارج.. هذا ما سأعرض له -بإذن الله- في مقال الخميس.. دمت بخير وإلى لقاء والسلام.

———-

نقلاَ عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د.عثمان بن صالح العامر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*