الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » هل طفح الكيل في السودان؟

هل طفح الكيل في السودان؟

منذ تفجر المظاهرات والاحتجاجات الأخيرة في الخرطوم ومدن أخرى، يتساءل كثيرون عما إذا كان السودان سينضم إلى قائمة دول «الربيع العربي»، ويسجل أكبر مفارقاته، لأن نظامه «الإسلامي» جاء إلى الحكم بانقلاب عسكري تمرد على حكم ديمقراطي، وإذا سقط اليوم فإنه سيذهب بينما يحتفل الإسلاميون في دول أخرى بصعودهم إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع التي جاءت بها رياح هذا الربيع. والمفارقة المدهشة أن هناك مؤشرات على أن عددا من الأحزاب الإسلامية في دول الربيع العربي لن تحزن إذا سقط النظام في الخرطوم، لأنه يمثل أكبر إحراجاتها ومصدر انتقاداتها الآن، إذ يستخدمه كثيرون سندا للحجة القائلة إن أحزاب الإسلام السياسي لا تؤمن حقا بالديمقراطية حتى وإن عملت في ظلها واستفادت من حرياتها، وإنها تقف متربصة للغدر بها متى ما سنحت الفرصة لإقامة نظام إقصائي وتسلطي على غرار ما حدث في السودان. 

وهناك تصريحات كثيرة منشورة لقيادات إسلامية تنتقد تجربة إسلاميي السودان وتتحدث عن فشل مشروعهم وتحول طائفة كبيرة منهم «إلى رجال دولة في حكم مستبد، يزاحم كثير منهم لنفسه ولأسرته على المشاريع التجارية والشركات والمناصب والمصالح»، على حد تعبير راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة التونسية.

بغض النظر عما إذا كانت المظاهرات والاحتجاجات الأخيرة بداية لانتفاضة كبرى، أم أنها فورة غضب من إجراءات الحكومة التقشفية وستنحسر أمام إجراءات القمع التي استخدمتها الحكومة، فإن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن الأوضاع في السودان تغلي منذ فترة، والشواهد كانت تدل على أنها مقبلة على انفجار، لأن مشاعر الضيق من النظام بدأت تتسع، لا سيما مع انتشار قصص الفساد التي أصبحت حديث المجالس، بينما الأوضاع المعيشية للناس تتردى، والضائقة الاقتصادية تشتد بسبب تداعيات انفصال الجنوب واتساع دائرة الحروب والمواجهات في الشمال، لكن أهل الحكم في الخرطوم، وجريا على عادتهم في تصوير الأمور على غير حقيقتها، واستكبارهم عن رؤية معاناة قطاعات واسعة من السودانيين، ظلوا يحاولون تسويق الوهم بأن الأمور على ما يرام، وأن ما فقدوه من عائدات النفط التي ذهبت للجنوب سيعوضونه من عائدات الذهب الذي ظهر لهم فجأة وبأعجوبة من أعاجيب حكم الإنقاذ.

اليوم يتضح أن الحكومة لم تكن لديها خطط جاهزة، أو استراتيجية واضحة، وأنها كانت تعتمد على رهان أن الجنوب سيرضخ لكل مطالبها، وتركن إلى أن قبضتها الأمنية أخافت السودانيين بحيث لم يعودوا قادرين على الانتفاضة ضدها، مهما اشتدت الضغوط عليهم. الرهان الأول فشل فشلا ذريعا لأن سياسة الضغوط والحرب الاقتصادية دفعت الجنوب إلى «خيار شمشون»؛ فأغلق آبار نفطه وأوقف صادراته عبر أنابيب الشمال، ورد على الغارات الجوية بنقل الحرب شمالا، من منطلق أن التبعات ستكون أقسى وأخطر على الشمال، على الرغم مما تحمله هذه الاستراتيجية من مخاطر على الجنوب أيضا. 

أما الرهان الثاني فيواجه أيضا الفشل لأنه لا يجيد قراءة التاريخ أو يحسن فهم طبيعة السودانيين الذين لا يعني صبرهم استكانتهم أو رضوخهم لمحاولات الترهيب بالقمع الأمني.

النظام يعاني اليوم من الترهل ومن غطرسة القوة التي تجعله يكابر ويرفض الاعتراف بواقع أزماته ومشكلاته، أو خطأ سياساته. فعندما صوت جنوب السودان لصالح الانفصال، بداية العام الماضي، احتفل بعض أهل الحكم في الخرطوم معتبرين النتيجة خلاصا من عبء ثقيل، واستقلالا حقيقيا للشمال. 

حتى البشير انضم إلى قائمة المحتفلين؛ فرقص في حفل إعلان دولة الجنوب، وتعهد للشماليين بأن الانفصال لن يؤثر على الأوضاع، بينما انبرى بعض مساعديه المقربين وكبار مسؤولي الحزب الحاكم للقول إن خيرا وفيرا سيتحقق جراء انفصال الجنوب، رافضين أي كلام عن آثار سلبية لسياسة النظام العمياء التي قادت إلى تقسيم البلد في ظل أسوأ ترتيبات ممكنة، لضمان طلاق بأخف الأضرار. اليوم، وبعد عام على إتمام الانفصال، نسمع أهل النظام يلقون بكل مشكلاتهم على تبعات الانفصال، وعلى «مؤامرة صهيونية أميركية» لتفتيت السودان وضرب أمنه واستقراره، وكأنهم لم يكونوا طرفا مشاركا في ترتيبات هذا الانفصال ومفاوضاته، أو أنهم ليسوا مسؤولين عن تبعات قراراتهم وحساباتهم الخاطئة. 

فمنذ انطلاق المظاهرات والاحتجاجات منذ منتصف الشهر الماضي في العاصمة وأرجاء أخرى من البلاد احتجاجا على تردي الأوضاع واشتداد الضائقة الاقتصادية، لا تكاد تسمع مسؤولا يتحدث عن الأزمة إلا ويشير إلى «تبعات الانفصال»، وإلى الحروب التي اتسعت رقعتها منذ ذلك الحين. فماذا يعني ذلك؟ إنه يعني أحد أمرين؛ إما أن أهل النظام كانوا يعلمون لكنهم لا يقولون الحقيقة للشعب الصابر على مضض، أو أنهم كانوا يجهلون نتائج سياساتهم ويقودون البلاد نحو أخطر مفترق طرق في تاريخها من دون أن يحسنوا قراءة وفهم ما هم مقبلون عليه.

في الحالتين، لا تبدو المسألة في صالح نظام دخل مرحلة الزنقة منذ فترة ليست بالقصيرة، وبدأ يتآكل من الداخل وتطفو خلافاته على السطح في شكل حرب مذكرات تطالب بإصلاحات عاجلة وتنتقد الفساد المستشري وغياب الرؤية والحلول للمشكلات وضياع البوصلة، مع انهماك الكثيرين في الركض وراء مغانم السلطة، حتى نسوا مشروعهم الذي قالوا إنه انطلق إسلاميا، لكنه لم يعد كذلك بشهادة كثير من أهله في الداخل أو أنصاره في الخارج، بينما هناك من يرى أنه لم يكن أصلا كذلك، بل هو نتاج شهوة الإسلاميين في السودان للحكم، وأسلوبهم في الإقصاء والتسلط.

اللجوء إلى القمع والعنف في مواجهة المتظاهرين، ونعتهم بشذاذ الآفاق أو بالخفافيش والمرجفين، لن يحل الأزمة بل سيفاقمها. فمزاج السودانيين حاد وصعب، وأوضاعهم الاقتصادية تسير نحو المزيد من التأزم، مما ينذر بصيف ساخن لا يعرف أحد حتى اللحظة إلى أين سيقود.

* تصويبات

* تسبب خطأ فني في تكرار نص مقال ميشيل كيلو «قراءة في خطاب الأسد!» تحت عنوان مقال عثمان ميرغني «هل طفح الكيل في السودان؟». لذا لزم التنويه والاعتذار.

———–

نقلاً عن الشرق الأوسط

-- عثمان ميرغني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*