الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الحبر الأخضر- قراءة في الخطاب السياسي المصري الجديد (2 – 2)

الحبر الأخضر- قراءة في الخطاب السياسي المصري الجديد (2 – 2)

أشرت في المقال السابق إلى تجربة ما يسمى بـ”الإسلام السياسي” في وصوله إلى سدة الحكم وكرسي الرئاسة، التي بدت ملامحها في مصر وتونس بشكل واضح، وتتلمس طريقها اليوم وبقوة في ظل صراع قبلي في ليبيا، وصراع مذهبي طائفي في سوريا، تستخدم فيه السلطة أدواتها في قمع وقهر الشعب الأعزل المجاهد الصابر والجازم على مواصلة المعركة حتى النهاية!! وانتهى المقال بطرح بعض التساؤلات عن الخطاب السياسي المصري الجديد، وعلى وجه الخصوص (مضمون الخطاب وشخصية صاحبه وردود الأفعال عليه)، وذكرت في ثنايا ما كتبت ملمحاً عاماً عن مراسم الترسيم التي رآها الجميع وليس مع العين أين.. 

أما الملمح الثاني من الملامح العامة في هذا الخطاب فيركز وبشكل مباشر على المتلقي، وأعني الحضور، وهو يعكس لوناً مختلفاً من مكونات الصورة؛ إذ إن الحشد والاحتشاد الجماهيري – كما هو معلوم – نوعان يعكسان تركيبة الحضور، نوع تعرفه الزعامات الانتقائية التمثيلية الفارغة.. حيث يوصف الحضور فيه بالتشابه، والثبات، مرسوم لها السيناريو بدقة والتزام، لا يجوز الخروج عنه. والنوع الآخر يتألف من تركيبة تلقائية عشوائية تعكس جزءاً من صورة الواقع المجتمعي المعاش. 

والملمح الثالث في الخطاب له علاقة بالنخب الفكرية والثقافية ومنابر الإعلام، فعلى مدى ما يسمى بالمرحلة الانتقالية في مصر تتجسد نظرة النخب إلى التيارات الإسلامية بالرجعية والظلامية والتخلف والاستبداد والوصاية وغيرها من الأوصاف التي تجد لها رديفاً في جل دول العالم، ويدخل ضمن هذا السياق عنصرية واضحة من الإعلام ضد أي توجهات إسلامية دون تفريق بين المتطرف الإرهابي والإخواني البراجماتي والسلفي الوسطي الناضج؟ وذاك ملمح يحتاج إلى تفسير لا ينفصل عن سياقات الحياة في كل مجتمع. 

ومن حيث منتج أو صاحب الخطاب فإن أول ما يلفت نظر محللي الخطاب مدى توافر الكاريزما ومقوماتها لدى الشخصية. والكاريزما نوعان، نوع يسمى “الكاريزما النجومية” التي تتطلب سمات وإمكانات تتيح قبولاً شعبياً وجماهيرياً بذاتها، ولها نماذج عديدة في التاريخ الدولي الحديث والمعاصر، والتي تميزت بفلسفة وفكر ورؤية وخيال يجذب بل يسحر الناس أحياناً بشخصية لامعة كالنجم، أما النوع الثاني فتسمى “كاريزما الموقف”، التي لا تعتمد على مقومات النوع الأول بل تعتمد على البساطة والصراحة أو الصدق، ويتسم صاحبها بأنه عملي تنفيذي تنظيمي دقيق، يهتم بالتفاصيل؛ ما يمثل نتاجاً طبيعياً ومنطقياً لتكوين الجماعات أياً كانت ونمطيتها وقولبتها التي تحجب عن منسوبيها النجومية واللمعان والتواصل. ولذلك جاءت لغة الجسد والإشارة بوصفهما أحد معايير ومؤشرات تحليل الخطاب؛ إذ إن لغة الجسد في خطاب النجوم لا تستغني عن تعبيرات الخداع والكذب والتمويه أحياناً، في حين أن كاريزما الموقف تتسم لغة الجسد فيها بالجدية -حادة – عنيفة -ليست ثرية – المرارة – الحزن – الغضب والهم، ولكن مع ذلك كله تسيطر عليها سمات التواضع والشفافية، وأهم من ذلك الالتحام بالجماهير وعدم الخوف من الحشود، وهي علامات شخصية مركبة، تحتاج إلى دراسات الحالة لمن ينتمي لهذا النوع وتاريخه. 

أما من حيث المضمون والرسائل التي يحملها الخطاب فهي تعبر عن كثير من المضامين المهمة في نظري، لعل أولها الاحتواء ونقض الصدام بعد مرحلة من التنافس الذي امتلأ بالتراشق والاتهامات والسخرية أحياناً في أيام الصراع والدعاية الانتخابية. وثانيها محاولة البرهنة والتأكيد على أن حب الجماهير أو الاحتماء بهم أحد ضمانات النجاح الرئيسة، وأولى خطوات الزعامة. وثالثها ضَبْط العلاقات المدنية العسكرية، الذي بدأ فيها الخطاب وتعبيراته تؤكد رجل الدولة والقوة وصلاحيات السلطة مقترنة بنبرات وصوت وثبات لازم للخطاب السياسي عموماً. 

وإذا كانت ردود الأفعال التي تبدو للمتابع في الإعلام المصري تشير إلى الإيجابية وتزايدها فإنها تعبر عن إيجابيتها في تحليل مضمون الخطاب اللفظي، لكنها تُبقي قدراً أكبر للممارسة، وهذا هو الشق الأكبر والأهم المكمل للخطاب. والكثير من المتابعين والمحللين يعلقون الأمل على ما أسس من موقع “مرسي ميجور” أو مقياس الأداء للرئيس، الذي يستند إلى التدرج في تسجيل مؤشرات الإنجاز للوعود في إطارها الزمني الذي قطعه على نفسه، وهي تجربة في نظري جيدة وموجودة في أمريكا منذ عقود.. ويبقى السؤال الأهم بعد ذلك كله: تُرَى، ما مدى قدرة الخطاب بشقيه اللفظي والفعلي “الممارسة” على ضبط معادلة العلاقات الخارجية المصرية العربية والإسلامية والإقليمية والإفريقية والدولية؟؟ وهذه أهم التحديات الحالية وأشد أخطار المستقبل القريب للتجربة المصرية الجديدة في نظري. دمتم بخير، وإلى لقاء، والسلام. 

المصدر: الجزيرة

-- د.عثمان بن صالح العامر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*