الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » لماذا يخافون من وجود الإسلاميين في السلطة؟؟

لماذا يخافون من وجود الإسلاميين في السلطة؟؟

أظهرت نتائج انتخابات الرئاسة المصرية في جولة الإعادة، أن ما يزيد عن اثني عشر مليون مصري صوتوا لمرشح النظام السابق الفريق أحمد شفيق، مع أنه في الجولة الأولى لم يحصل على أكثر من خمسة مليون صوت، ما يعني أن ما يقارب سبعة مليون ناخب قاموا بانتخابه في جولة الإعادة، ويذهب كثير من المراقبين والمحللين إلى عدم صحة القول بأن جميع الأصوات التي حصل عليها شفيق في جولة الإعادة تمثل فلول النظام السابق، بل ثمة نسبة منها ليست بالقليلة صوتت لشفيق خوفا من الدكتور محمد مرسي بخلفيته الإسلامية، ما يعني أن الاصطفاف خلف شفيق لم يكن حبا فيه، وموافقة له، بل كرها في مرسي، وتخوفا من رؤاه وأفكاره الإسلامية الدينية.

غالبا ما يتعلق أولئك المتخوفون على اختلاف توجهاتهم الأيديولوجية والسياسية من وصول الإسلاميين إلى السلطة، بجملة من الأسباب يتربع على رأسها ـ وفق ما يقولون ـ أن الإسلاميين يخفون مشروع الدولة الدينية في ثنايا مشروعهم الإصلاحي الذي يسعون لإنجازه وتحقيقه، وأنهم يستخدمون الآليات والقنوات الديمقراطية حتى يتمكنوا من الوصول إلى السلطة، ومن ثم ينقلبوا على ذلك الخيار، ليفرضوا رؤيتهم الدينية على الجميع، لأنهم يمثلون شرع الله في الأرض، وهم يسعون لتطبيق الشريعة وإقامة حكم الله في الأرض.

ومع كل الرسائل المطمئنة لكل المتخوفين من المشروع الإسلامي، من أن الإسلاميين لا يؤمنون بالدولة الدينية (الثيوقراطية)، التي يستمد فيها الحاكم سلطاته من الله، وأنه يمثل ظل الله في الأرض، وأنه لا يوجد في الإسلام وفق تصوراته ومبادئه الصحيحة، ما يمثل تلك الحالة الموجودة في التراث الغربي، وأنها حالة خاصة لا يعرفها الإسلام ولا يقرها، ومع كل التأكيدات التي يطلقها الإسلاميون ويكررونها من أنهم يدعون إلى الدولة المدنية بمرجعية إسلامية، التي تكون فيها السلطة مستمدة من الشعب، الذي يخول الحاكم حق الحكم، لأنه صاحب الحق ابتداء، وهو الذي يمارس عليه رقابة ومحاسبة عبر المجالس النيابية المنتخبة من الشعب، والتي تمارس ذلك الدور الرقابي، على الرغم من كل التأكيدات والتطمينات التي يطلقها الإسلاميون إلا أن قطاعات واسعة من الاتجاهات العلمانية والليبرالية واللادينية تبقى دائما تثير الهواجس والمخاوف من مشاريع الإسلاميين التي تظهر ـ وفق وجهة نظرهم ـ وجها ديمقراطيا جميلا، وتخفي وجها استبداديا ظلاميا تمارسه باسم الدين.

تخوف القوى العلمانية والليبرالية واللادينية، من وصول الإسلاميين إلى السلطة قديم جديد، ومن التجارب الواقعة في ذلك السياق، انقضاض العسكر في الجزائر بداية تسعينيات القرن الماضي على تجربة جبهة الإنقاذ الجزائرية، بعد فوزها الكاسح في الانتخابات البرلمانية، الأمر الذي أدّى إلى إجهاض التجربة برمتها، وأدخل البلاد في مواجهات عسكرية دامية، لم تستطع الجزائر الخروج منها، والتعافي من مفاسدها وأضرارها إلى يومنا هذا.

أمام تلك التخوفات والهواجس التي لا تنقطع ولا تنتهي، وهي مرشحة للبروز أكثر من أي وقت مضى، مع صعود الإسلاميين إلى مركز القرار الأول ـ كما هو الحال في مصر ـ فما هي السبل التي يحسن بالإسلاميين سلوكها لإقناع أولئك القوم بأنهم لا يسعون لتطبيق الدولة الدينية، وإلزام سائر مواطني الدولة برؤاهم وأفكارهم باعتبارهم يمثلون الشرع، ويسعون لتطبيق أحكام الشريعة، وإقامة الدولة الإسلامية؟.

إن الإسلاميين كغيرهم من أبناء الوطن، وهم شريحة واسعة من المواطنين، يحبون أوطانهم ويسعون في إصلاحها، ونقلها إلى مصاف الدول المنتجة، ويمتلكون رؤى نهضوية تريد الخير للوطن والمواطن، ما يميز الإسلاميين عن غيرهم أنهم يقدمون مشاريعهم وفق تصوراتهم الإسلامية، وأن اجتهاداتهم محكومة بمرجعية إسلامية، ومتقيدة بقيود شرعية ودينية، وهم يسعون كغيرهم من سائر القوى الفكرية والسياسية لنشر أفكارهم ورؤاهم في أوساط أبناء مجتمعاتهم، ويجتهدون في توفير أجواء يمكن من خلالها تطبيق رؤاهم تلك، لكنهم لا يسعون لإجبار غيرهم حتى يقبلوا بأفكارهم ورؤاهم، بل طريقهم إلى ذلك هو التبشير والدعوة بالتي هي أحسن، وهم يحترمون خصوصيات الطوائف الأخرى، بإعطائهم الحريات الكاملة لممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية.

لقد خضعت رؤى كثير من الإسلاميين بشأن السلطة والحكم، إلى قوانين التحولات الفكرية والاجتماعية، فصدرت عدة مشاريع تجديدية نهضوية تبنتها حركات إسلامية عديدة، كالمشروع الذي أعلنت عنه جماعة الإخوان المسلمين في سورية، والصادر تحت عنوان: “المشروع السياسي لسورية المستقبل”، والذي تناول في بابه الثالث الحديث عن مرتكزات الدولة الحديثة، والذي قدم مفهوم الدولة الإسلامية بأنه ما يطلق عليه الدولة الحديثة في المشروع المقدم، وأنه ليس ثمة صلة في تصوارتهم ومفاهيمهم بين مفهوم الدولة الدينية والدولة الإسلامية، وخلاصة القول وفق ذلك المشروع أن الدولة الإسلامية هي دولة مدنية تتميز بمرجعيتها الإسلامية المنفتحة.

وهذا الذي أعلنته جماعة الإخوان في سورية، يكاد يكون رؤية جامعة لجميع الحركات الإسلامية التي تخوض غمار العمل السياسي، فهي تحارب الدولة الدينية وتتبرأ منها، وتقبل بالدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية، وتسلم تسليما مطلقا بأن مصدر السلطات في المجتمعات الإسلامية هو الشعب، وليس الادّعاء بأنه يستمد ذلك من أسباب ومصادر دينية، تستند إلى مفاهيم العصمة والتنصيب الإلهي، فالحاكم في عرفها ورؤيتها يستمد سلطاته من الشعب، عبر انتخابات حرة ونزيهة، وهو خادم لهذا الشعب، يمارس عمله بكل شفافية ووضوح، ويخضع في عمله ذاك للمراقبة والمساءلة، من الشعب ونوابه وممثليه.

ليس صحيحا أن حركات الإسلام السياسي، تدعي لنفسها ذلك الحق، بمعنى أنها تمارس ذلك الحق بتفويض إلهي، لكن من حقها كبقية القوى والاتجاهات الفكرية والسياسية، أن تعمل على إنجاح مشاريعها النهضوية والإصلاحية، من خلال تصوراتها ورؤاها، بنفس الأساليب والطرق الديمقراطية التي تتيحها الأنظمة الديمقراطية، فإذا ما كانت نتائج العملية الانتخابية نجاح الإسلاميين ووصولهم إلى سدة الحكم، وتشكليهم لأغلبية في المجالس النيابية، فما الذي يمنعهم من أن يدفعوا باتجاه تطبيق أفكارهم ورؤاهم من خلال المؤسسات الدستورية، متوسلين في ذلك بالآليات القانونية المعمول بها والمطبقة في تلك الأنظمة؟ هل يُستكثر على الإسلاميين أن يسلكوا مسالك التغيير من خلال تلك المؤسسات في الوقت الذي يعلن الجميع احترامه لها، وقبوله بمخرجاتها ونتائجها؟.

لكن ما تظهره التجارب أن كثيرا من تلك القوى العلمانية والليبرالية واللادينية، تستكثر على الإسلاميين التمتع بذلك الحق، ففي الوقت الذي تدعي فيه تلك القوى احترامها للعملية الديمقراطية بكل مقدماتها ونتائجها، إلا أنها حينما يصل الإسلاميون إلى مواقع القرار الفعلي، وتصبح بأيديهم القدرة على التغيير الحقيقي عبر الآليات القانونية إياها، فإن ثائرة تلك القوى تثور، وتبدأ الحملات الإعلامية الشرسة المحذرة من الدولة الدينية، والمخوفة لأبناء المجتمع، وللطوائف الأخرى من مشاريع الإسلاميين، التي تسعى إلى إقامة الدولة الدينية التي تفرض قيودا صارمة على الآخرين، ومن ثم تحرمهم من ممارسة حقوقهم الطبيعية في حرية الرأي والتعبير، وسائر الحقوق السياسة والفكرية الأخرى، إن سلوك غالب تلك القوى المناهضة للفكرة الإسلامية يتسم بالتناقض والتردد، فهي نظريا مع الخيار الديمقراطي بشكل مطلق، غير إنها حينما تكون الكفة راجحة لصالح الإسلاميين، ينقلب الأمر بخلاف ذلك انقلابا جذريا وكليا، وتبدأ حملات التشكيك بقدرات الناس على اختيار الأصلح، وأن شعوبنا العربية ليست مؤهلة بعد لممارسة الديمقراطية، لأنها خاضعة لتأثيرات الدعاية الدينية، التي تُحرم منها الاتجاهات الأخرى.

ما ذنب الإسلاميين حينما ينتخبهم غالب مواطينهم، فيوصلونهم إلى سدة الحكم، ويدخلونهم إلى المجالس النيابية؟ إنهم قبلوا بالعملية الديمقراطية، فنزلوا إلى ساحاتها، وارتادوا ميادينها، وكانت هي خيارهم المركزي، وهم قابلون وراضون بنتائجها، ومن حقهم التي تمنحهم إياه العملية الديمقراطية أن يحشدوا لإنجاح مشاريعهم، وأن يجمعوا الأنصار المؤيدين لها، ومن حق القوى السياسية والفكرية الأخرى، أن تنتقدهم إذا خرجوا عن النسق الديمقراطي في سلوكياتهم وممارساتهم، أما أن تلجأ تلك القوى إلى مطالبتهم بأن يتجردوا من أفكارهم ورؤاهم التي تشكل مشاريعهم، فليس ذلك بمطلب عادل، ولا يكون في أي بلد يمارس الديمقراطية ويحرص عليها.

في الشهور الأخيرة مارست كثير من وسائل الإعلام المصري، حملة شرسة ضد القوى والجماعات الإسلامية، وعلى رأسها الإخوان المسلمين والسلفيين، وقد انصبت غالب تلك التحذيرات والتخويفات من أن الإسلاميين سيمارسون لونا من الحكم الديني الذي تتضاءل فيه الحريات إلى حد الانعدام، وسيضيقون الخناق على الفن والسياسية والحياة الاجتماعية بعمومها، ولن يسمحوا للطوائف الأخرى بممارسة شعائرهم وطقوسهم، وسيفرضون لباسا محتشما على النساء، إلى غير ذلك من الممارسات التي تنمُّ عن الضيق بالتوجه الديني الذي يحمله الإسلاميون.

كل المعطيات تشي بأن وصول الإسلاميين إلى السلطة في بعض البلاد العربية، أصبح حقيقة واقعة، وهم أصحاب مشاريع إصلاحية ونهضوية، يسعون لتحقيقها وإنجازها عبر الوسائل والطرق السلمية التي تتيحها الأنظمة التي خولتهم حق الوصول إلى السلطة، وليس من حق القوى الأخرى على اختلاف توجهاتها الأيديولوجية والسياسية منعهم من ممارسة ذلك ما دام أنهم يسلكون مسالك سلمية قانونية، دون أن يقوموا بفرضها على الآخرين بالقوة والإكراه، فالذي أوصلهم إلى كراسي السلطة هو انتخاب الشعب لهم، وليس أمام القوى الأخرى إلا احترام إرادة الشعوب في اختيارها، والرضا بذلك والتسليم به واقعا وحقيقية وليس ادّعاء وكلاما دبلوماسيا يقال في المؤتمرات وأمام الكاميرات.   

باحث وكاتب إسلامي.

————-

المصدر :مركز الدراسات العربي 

-- بواسطة: أ. بسام ناصر*

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*