الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » رؤيةٌ شرعيةٌ نقديةٌ لاتفاقية " القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة "CEDAW "

رؤيةٌ شرعيةٌ نقديةٌ لاتفاقية " القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة "CEDAW "

 

اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي تُعرف اختصاراً باتفاقية “سيداوCEDAW”صدرت عن الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة1979م.

ودعت الجمعيةُ العامة للأمم المتحدة الدولَ الأعضاء للتوقيع والتصديق عليها والانضمام لها،وهذا ما حصل فعلاً،حيث إن كثيراً من الدول العربية والإسلامية قد انضمت إليها،وبعض الدول العربية تحفظت على بعض بنود الاتفاقية،

ونظراً إلى أن نقد اتفاقية “سيداو” يحتاج إلى حيزٍ أكبر من هذا المقام فسألخص إجابتي بالنقاط الآتية:

أولاً:اتفاقية “سيداو”فكرة غربية تغريبية[ترتكز على مبدأ المساواة المطلقة والتماثل التام بين المرأة والرجل في التشريع وفي المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفي التعليم والعمل والحقوق القانونية،وكافة الأنشطة]

فقد ورد في المادة(1):[لأغراض هذه الاتفاقية يعنى مصطلح”التمييز ضد المرأة”أي تفرقة أو استبعاد أو تقييد يتم على أساس الجنس ويكون من آثاره أو أغراضه،توهين أو إحباط الاعتراف للمرأة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية أو في أي ميدان آخر،أو توهين أو إحباط تمتعها بهذه الحقوق أو ممارستها لها،بصرف النظر عن حالتها الزوجية وعلى أساس المساواة بينها وبين الرجل]

وهذا المبدأُ باطلٌ ومخالفٌ لكتاب الله عز وجل ولسنة النبي صلى الله عليه وسلم،قال تعالى:{وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى}سورة آل عمران الآية36،

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:(إنما النساء شقائق الرجال)رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع.

والمساواة بين الذكر والأنثى التي قررتها الشريعة الإسلامية هي في القيمة الإنسانية،فاعتبر أن الرجل والمرأة متساويان أمام الله عز وجل في الخلقة والتكوين،وهما أيضاً متساويان في الحقوق والواجبات داخل الأسرة وخارجها،فقال تعالى في وصف هذه الحقيقة:{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ}سورة البقرة الآية 228.انظر” قراءة في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة”ص6.

ومبدأ المساوة المطلقة مخالف للحقائق الكونية وللفطرة الانسانية التي فطر الله جل جلاله الخلق عليها[فالله لم يخلق فرداً واحداً مكرراً من نسختين،بل خلق زوجين:ذكراً وأنثى،وهي حقيقة كونية كذلك{ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ}سورة الذاريات الآية 49.

ثانياً:ورد في اتفاقية “سيداو”  المادة (2) الدعوة إلى إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة في القوانين والتشريعات وفرض حماية قانونية لحقوق المرأة على قدم المساواة مع الرجل وتغيير وإبطال القائم من القوانين والأنظمة والأعراف والممارسات التي تشكل تمييزاً ضد المرأة…إلخ

وهذه المادة بفروعها من أخطر المواد في اتفاقية”سيداو”،لأنها تعني إبطال وإلغاء كل الأحكام الشرعية المتعلقة بالمرأة وخاصة في العقوبات كحد الزنا،وكذلك نظام الميراث في الشريعة الإسلامية ومن ضمنه إعطاء الأنثى نصف نصيب الرجل كما قال تعالى:{ يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ}سورة النساء الآية11.

وقد قررت الآيةُ الكريمة حكماً من أحكام الإسلام القطعية التي لا تقبل المناقشة.

ومن أشد أوجه خطورة هذه المادة أنها جعلت مرجعية الاتفاقية فوق مرجعية دين الإسلام.ومن هنا ورد في وثيقة حقوق المرأة الفلسطينية ما يلي:[لم يكن للمرأة الفلسطينية أن تسمو بوضعها القانوني الخاص دون أن تستند في مطالبها إلى منظومة قانونية متكاملة،ترتكز في مجملها على مجموعة من الثوابت والحقوق القانونية التي تحقق في مجموعها نتائج ايجابية،لتحقيق المساواة المطلقة بينها وبين الرجل،حسب ما نصت عليه المواثيق والأعراف الدولية والقانون الأساسي الفلسطيني].

ثالثاً:نصت اتفاقية”سيداو”في المادة(10)على تشجيع التعليم المختلط.ولا شك أن التعليم المختلط أحدُ عوامل نشر الفساد والإفساد في المجتمع،والاختلاط في التعلم أصبح سبباً للقضاء على كثيرٍ من القيم والأخلاق،فالحياء قد رُفع،والحشمة قد ولت،والعفة كادت أن تختفي،وانتزع الحياء من الطلبة إلا القليل،وصارت المدارس الثانوية والجامعات معارض للأزياء ومسرحاً لإبراز مفاتن المرأة في عريٍ فاضحٍ تفوق على عري الجاهلية الأولى.

رابعاً:نصت اتفاقية”سيداو”في المادة (13)على المساواة التامة بين الرجل والمرأة في الاستحقاقات العائلية،وهذا بكل بساطةٍ يلغي ما قررته الشريعة الإسلامية بإعطاء الأنثى نصف نصيب الرجل في الميراث كما قال تعالى:{يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ}سورة النساء الآية 11.

وقد أغفلت الاتفاقية بشكلٍ واضحٍ الحديثَ عن واجبات المرأة،فليس فيها أي شيءٍ يلزم المرأة بأي واجب.

خامساً:نصت اتفاقية”سيداو”في المادة (15) على منح المرأة،أهليةً قانونيةً في الشئون المدنية،مماثلةً لأهلية الرجل،وتساوى بينها وبينه في فرص ممارسة تلك الأهلية،وهذا مخالف لمبدأي الولاية والقوامة المقرين في دين الإسلام.

كما نصت اتفاقية “سيداو” في المادة (15)فقرة (4)على حرية اختيار المرأة لمحل سكنها بعيداً عن أسرتها، وحريتها المطلقة في السفر والانتقال،

وهذا الأمر فتحٌ لباب شرٍ كبير،لما لبعد الفتاة عن أسرتها،والزوجة عن زوجها من المفاسد.وفيه مخالفةٌ صريحةٌ للأحاديث النبوية الكثيرة التي تمنع المرأة من السفر إلا مع زوجها أو ذي محرم منها،كقول النبي صلى الله عليه وسلم:(لا يحل لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثاً إلا ومعها ذو محرم)رواه البخاري ومسلم.وكقوله صلى الله عليه وسلم:(لا يحل لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً يكون ثلاثة أيام فصاعداً إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها أو ذو محرم منها)رواه مسلم.

سادساً:إن أخطر ما نصت عليه اتفاقية”سيداو” هو المادة (16)بفروعها وهي خاصة بالتشريعات الأسرية،حيث طالبت الاتفاقية الدولَ أن تتخذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في كافة الأمور المتعلقة بالزواج والعلاقات العائلية،وبوجهٍ خاصٍ أن تضمن على أساس المساواة بين الرجل والمرأة في عقد الزواج ونفس الحقوق والمسؤوليات أثناء الزواج وعند فسخه،ونفس الحقوق والمسؤوليات فيما يتعلق بالولاية والقوامة والوصاية على الأطفال…إلخ

وتأتي خطورة هذه المادة مما يلي:

(أ)إبطال منع المسلمة من الزواج بغير المسلم، المنصوص عليه في كتاب الله عز وجل{وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ}سورة البقرة الآية221.

(ب)إلغاء تعدد الزوجات،من باب التساوي بين الرجل والمرأة،وقد أباح الله عز وجل التعدد فقال:{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ}سورة النساء الآية3.

(ج)إلغاء العدة الشرعية للمرأة في حالتي الطلاق ووفاة الزوج لتتساوى بالرجل الذي لا يعتد بعد طلاق أو وفاة زوجته.وهذا مخالف لنصوص الكتاب والسنة،قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ}سورة الطلاق الآية1.وقال تعالى:{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً}سورة البقرة الآية234.

(د)إلغاء مبدأ الولاية على المرأة لتتساوى مع الرجل،وهذا مخالفٌ لما قررته السنة النبوية من إثبات الولاية على المرأة التي لم يسبق لها الزواج،كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم:(لا نكاح إلا بولي)رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي،

واشتراط الولي قال به جمهور علماء المسلمين وهو المعمول به في قانون الأحوال الشخصية في بلادنا.

(هـ)إلغاء مبدأ قوامة الرجل على المرأة المقرر بقوله تعالى:{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ}سورة النساء الآية34،

وتلغي هذه المادة ما أوجبته الشريعة من حقوق على الزوج لزوجته من المهر والنفقة ونحوهما.

وقد أصدر مجلس الإفتاء الأردني قراراً بخصوص ما جاء في المادة(15)والمادة(16)من اتفاقية “سيداو”ورد فيه:[ناقش مجلس الإفتاء في جلسته المنعقدة في 23/7/2009 ما جاء في المادة(15)والمادة(16)من اتفاقية سيداو والتي تدعو إلى المساواة المطلقة بين الرجال والنساء.وقد استذكر المجلس الكريم قول الله تعالى:{وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}سورة النساء الآية32.

ولهذا فإن كل ما خالف الشريعة الإسلامية مما جاء في معاهدة”سيداو”حرامٌ،ولا يجوز العمل به،مثل حرية الزوجة في أن تسكن وتسافر كما تشاء؛لأن هذا يلغي معنى الأسرة التي حرصت عليه الشريعة الإسلامية،ومثل زواج المسلمة من غير المسلم فهذا مناقض لما هو معلوم من الدين بالضرورة.

والمجلس يؤكد تقديره لدائرة قاضي القضاة في موقفها الإسلامي المشرف في ردِّ كل ما يخالف أحكام الشريعة الإسلامية مما ورد في اتفاقية “سيداو”وحرصها على الأسرة وما يتعلق بشؤونها.

ويأمل من مجلس الأمة أن يردَّ مثل هذه التشريعات التي تُعدُّ مخالفةً صريحةً لشريعة الله تبارك وتعالى.ويجب على كل مسلم في خاصة نفسه أن لا ينصاع لما يخالف شرع الله،قال تعالى:{إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ}سورة يوسف الآية40]

قلتُ هكذا يجب أن يكون موقفُ أهل العلم والمنتسبين للعلم الشرعي من هذه الاتفاقية الباطلة شرعاً وما شابهها،بدلاً من أن ينزلق بعض المنتسبين للعلم الشرعي،فيشاركوا في تدريسها وعقد الندوات والدورات وتمريريها على المشاركين في تلكم الندوات والدورات!

وأخيراً فإن ما ذكرته ما هو إلا مجرد أمثلة قليلة والاتفاقية في لبها ومحتواها تتناقض مع شرع الله عز وجل،ولا أنكر وجود بعض الأمور الإيجابية فيها،ولكنها لا تذكر إزاء الظلمات التي تلفها.

وهنالك دراسات شرعية عديدة في نقد الاتفاقية منشورة على الشبكة العنكبوتية وقد استفدت منها.

وخلاصة الأمر أن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداوCEDAW ” اتفاقيةٌ تغريبيةٌ تهدفُ إلى هدم وطمس وإلغاء الأحكام الشرعية المتعلقة بالأسرة،وتفرض على الأسرة المسلمة نمط الحياة الغربي المتحرر من القيم والمبادئ الأخلاقية،وتدعو إلى المساواة المطلقة بين الرجال والنساء.وتهدف إلى إشاعة الفاحشة والمنكر ونشر الثقافة الجنسية لمسخ البقية الباقية من قيمنا الأخلاقية.والاتفاقية فيها مخالفةٌ صريحةٌ لنصوص الكتاب والسنة،ومخالفةٌ لما قرره علماء الأمة على مدى القرون الماضية.ويحرم شرعاً الموافقة والعمل باتفاقية “سيداوCEDAW” لما تضمنته من تناقض مع الأحكام الشرعية الصريحة والواضحة في كتاب الله عز وجل وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم. وأدعو أهل العلم الشرعي لكشف عُوار اتفاقية”سيداوCEDAW”وما شابهها من الاتفاقيات وتحذير المسلمين منها وخاصةً النساء المسلمات.وأدعو النساء المسلمات المشاركات في الجمعيات التي تروج لاتفاقية”سيداوCEDAW” ونحوها إلى مراجعة أنفسهن والتوبة ،وأدعوهن لتقوى الله عز وجل،وعليهن أن يعلمن أنهن غداً موقوفات أمام الله عز وجل وسيسألهن عما قدَّمن يوم القيامة{يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}سورة الشعراء الآيتان 88-89. والله الهادي إلى سواء السبيل

*مُحاضر في جامعة القدس/ أبو ديس في فلسطين.

————————

 

المصدر:المركزالعربي للدراسات والأبحاث

 

 

 

-- بواسطة: أ.د. حسام الدَّين عفانة*

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*