الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » ثورة الخبز تقترب من إيران

ثورة الخبز تقترب من إيران

مرة اخرى يتأكد ان النظام في إيران يسير بخطى سريعة على طريق الاتحاد السوفياتي: الصعود إلى الفضاء والانزلاق بسرعة للغرق في مستنقع الأزمة الاقتصادية وصولاً إلى الانفجار الشعبي الشامل.

لم تحجب أصوات الصواريخ التي أُطلقت من أنحاء عدّة في إيران، على أهداف مفترضة لقواعد أميركية وعربية خليجية، مفاعيل الأزمة الاقتصادية في إيران على الوضع الداخلي. هذه الأزمة برأي الكثيرين بمَن فيهم من المؤيّدين والواقفين مع الجمهورية الإسلامية في إيران، تهدّد عملياً وفعلياً الاستقرار الاجتماعي والسياسي أكثر بكثير من مفاعيل “الربيع العربي” عليها، أو من مخاطر انفجار “انتفاضة خضراء” جديدة.

لم تعد الأزمة الاقتصادية في الخطاب الرسمي والإعلامي، مجرّد جزء من “الحرب الغربية الكاذبة والخبيثة”، كما كان يجري في السابق، بالعكس تحوّلت إلى أرقام ووقائع وتحذيرات وبحث عن السبل والطرق لمواجهتها ولخفض منسوب آثارها على تماسك الداخل وعدم انفجاره، لأنّه سيكون الأخطر. “الانتفاضة الخضراء” فشلت ليس بسبب القمع وحده وإنّما لأنها فشلت في التمدّد إلى الشرائح الفقيرة. باختصار كما يُقال في إيران لم تستطع “الانتفاضة الخضراء” من التمدّد من شمال طهران إلى جنوبها ومن أحياء الطبقة المتوسطة والأغنياء إلى أحياء وقرى الطبقات العاملة والفقيرة.

الآثار السلبية للعقوبات ضدّ إيران خصوصاً في قطاع النفط، بدأت تظهر مفاعيلها بقوّة. الوكالة الدولية للطاقة أكدت تراجع صادرات النفط الإيراني بنسبة 40 في المئة خلال الشهور الستة الأخيرة، أي إلى نحو 1.5 مليون برميل يومياً. أما مظاهر تراجع الصادرات نتيجة المقاطعة فهي تظهر في تراجع استيراد آسيا للنفط الإيراني علماً أنها تستورد 70.9 في المئة من وارداتها، أما اليابان فبنسبة 70 في المئة. وحدها الصين التي أُعفيت من العقوبات زادت من وارداتها. لكن المشكلة الاضافية التي تزيد أعباءها وفي عرقلة المبيعات والصادرات في الحظر المصرفي الذي أجبر إيران على قبول الدفع بالعملة المحلية أو اعتماد المقايضة وحتى التسليم مع الدفع الآجل كما مع الباكستان، وتقديم حسومات تتراوح بين 10 و20 دولاراً على البرميل الواحد.

أما الأسوأ في مجال النفط انه في مطلع آب/أغسطس المقبل ستتوقف شركات التأمين الأوروبية التي تسيطر على 90 في المئة من التأمين البحري في العالم عن تغطية ناقلات النفط التي تنقل نفطاً إيرانياً، ما سيُرغِم الدول المستوردة على اعتماد تأمين سيادي لتغطية مخاطر الحوادث وتسرّب النفط كما فعلت اليابان سابقاً.

أخيراً كل ذلك دفع شركة ناقلات النفط الإيرانية إلى زيادة قطعها لكنها أجّلت استلام القطعة الاولى من أصل 14 كانت أوصت عليها بسبب الضغوط المصرفية عليها.

أطلق المرشد آية الله علي خامنئي على العام الإيراني الذي انتهى في 20 آذار الماضي سنة “الجهاد الاقتصادي”. يبدو أنّ فشل “الجهاد” أنتج كما جاء في موقع “اتاب” القريب من سكرتير مجلس مصلحة النظام الجنرال محسن رضائي، إلى “هروب رؤوس الأموال من سوق الإنتاج”. وبالتالي إلى إغلاق عدد كبير من الشركات وإلى لجوء شركات مهمّة للعمل بأقل من طاقتها. وأعاد الموقع ذلك إلى “سوء سياسة المصرف المركزي الإيراني في مجال القروض والاستثمار وأسعار الفوائد”. وقد وصل الفشل إلى درجة أنّ سوق الأوراق المالية فقدت خلال الأيام الأخيرة 200 نقطة مع اتجاه إلى فقدان السوق المزيد من النقاط، وقد سارع المسؤولون عن السوق إلى عقد اجتماع مع المستثمرين للجم التدهور.

ويشير الخبراء الإيرانيون إلى أنّ تراجع أسعار الأسهم في البورصة يتزامن مع ارتفاع التضخم بحيث تعدّى 20 في المئة من جهة، ومن جهة أخرى إلى انخفاض سعر التومان في مقابل الدولار. ويبدو أنّ الانخفاض الذي بدأ تدريجياً منذ إعادة انتخاب احمدي نجاد في دورة ثانية ووقوع “الانتفاضة الخضراء” وصل إلى مضاعفة سعر الدولار من التومان الايراني إذ يبلغ حالياً سعر الدولار 2000 تومان في حين كان أقل من ألف تومان، والأهم أنّ الانخفاض الأكبر وهو بنسبة 50 في المئة حصل خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من هذا العام.

ماذا عن خريطة الغلاء الناتجة عن كل ذلك والتي ضربت المواطن المتوسط فكيف بالفقير في لقمة عيشه اليومية؟ استناداً إلى أرقام البنك المركزي الإيراني المنشورة في الصحف وأبرزها “جمهوري إسلامي” (30/6/2012) فإنّ: “نمو الأسعار بلغ 34.2 في المئة وهذا يعني ارتفاع كلفة الإنتاج نحو 34 في المئة قياساً للعام الماضي ما أدى الى ارتفاع أسعار المواد الأولية واليد العاملة وأسعار الطاقة، وبذلك ارتفعت عوامل الانتاج 37 في المئة مقارنة بالعام الماضي، كما ارتفع مؤشر الاستهلاك نحو 21 في المئة في حين كان في العام الماضي 14 في المئة، ويصف البنك المركزي هذا الفارق بـ”المخيف”.

صندوق النقد الدولي أكد في تقاريره أنّ نسبة نمو الناتج الاجمالي للاقتصاد الإيراني عام 2011 بلغ الصفر في حين كان بين عامي 2008 و2010 قد توقف عند 0.7 في المئة. وفي تقارير نشرتها الصحف الإيرانية، في وقت دخلت فيه إيران مرحلة العقوبات غير المسبوقة ضدّها والتي طالت قطاع النفط، فإنّ نسبة النمو عام 2011 كانت صفراً. وأنّ شركات ضخمة تقفل واخرى تعمل بأقل من طاقتها، وأنّ التضخم يسابق انتشار البطالة حيث وصل كليهما إلى 20 في المئة، وأنّ موجة من الغلاء غير مسبوقة طالت كل الحاجات اليومية للسكان. من ذلك أن سعر الحليب ارتفع 30 في المئة والخبز 25 في المئة، أما أسعار اللحوم ومشتقات الألبان والمعكرونة والفاكهة أصبحت فوق مستوى الإيراني العادي فكيف بالفقير وذلك بعد أن أصبحت كلفة كلغ الحليب 800 تومان في حين ان الحكومة تعرض شراءه 630 تومان كذلك الحنطة بدلاً من أن تقوم القيادة الإيرانية بمواجهة هذا الوضع بتنفيذ خطط اقتصادية تأخذ في الاعتبار الانقلابات الاقتصادية المحلية والدولية فإنّها تابعت سياسة المساعدات العينية فرفعت حصة المواطن الإيراني إلى ثلاثة آلاف تومان في الشهر ما أدى إلى رفع نسبة التضخم.

مشكلة الحكومات الإيرانية المتعاقبة منذ الثورة انها لم تجر إعادة النظر في السياسة الاقتصادية رغم الانقلابات التي حصلت في داخل إيران وفي العالم، وما زال النظام على صيغه لم تتغير وهي فرض “نظام اقتصادي موجّه وتوزيعي ومغلق ومفرط الحمائية”. كل ذلك في وقت تضاعف فيه عدد السكان في إيران منذ الثورة في حين انخفضت صادرات النفط من 6 ملايين برميل عام 1978 الى مليونين عام 2010 ما يتمظهر في خفض دخل الفرد الايراني من 2435 دولار في العام 1975 الى 933 دولار في العام 2010.

مرة اخرى يتأكد ان النظام في إيران يسير بخطى سريعة على طريق الاتحاد السوفياتي، أي الصعود إلى الفضاء والانزلاق بسرعة للغرق في مستنقع الأزمة الاقتصادية وصولاً إلى الانفجار الشعبي الشامل.

المصدر: ميدل ايست

-- أسعد حيدر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*