السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » هكذا يستمر التخاذل عن مناصرة الحق

هكذا يستمر التخاذل عن مناصرة الحق

مصطلح المجتمع الدولي مصطلح لا يُعبِّر – في نظري – عن دلالة دقيقة؛ ذلك أنه لا يوجد حقيقة مجتمع دولي، وإنما توجد دول مُعيَّنة تفرض إرادتها على أكثرية دول العالم.

ودولة الهند بسكانها الذين لا يقلِّون عن ثلاثة أضعاف سكان روسيا الاتحادية أو الولايات المتحدة الأمريكية، ناهيك عن فرنسا أو بريطانيا، ليس لها مثل هذه الدول من حق نقض القرارات في مجلس الأمن، وهو المجلس الذي تَتحكَّم فيه أمريكا أكثر من غيرها عملياً.

بل إنها تتجاهله متى أرادت كما فعلت عند ارتكابها عدوانها الإجرامي على العراق عام 2003م واحتلالها أراضيه مُمهِّدة الطريق لامتداد نفوذ إيراني واضح المعالم على مسيرة شؤونه.

لقد كان مجلس الأمن – وما يزال – أداة في يد الدول المُتحكِّمة في قرارته؛ فهو:

ذو قوة إذا اشتهت وإن ترد شَلَّت يده

بل إنه أصبح هناك حق للسائل عنه أن يقول:

هل يملك المجلس الدولي سلطته

إلا إذا استهدف الإسلام والعربا؟

تَجلَّى ذلك في موقفه المتمثِّل في فصل تيمور الشرقية عن إندونيسيا وعدم وقوفه مع الشعب الشيشاني للاستقلال عن روسيا.

وتَجلَّى أكثر فأكثر في موقفه تجاه العدوان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني إنساناً وأرضاً وتراثاً.

أما بعد:

فماذا عن الجرائم المرتكبة فوق ثرى سوريا؟

عندما اندلعت الهَبَّة الشعبية في سوريا، وبدت ملامح تعامل نظام الحكم فيها مع تلك الهَبَّة، كتبت مقالة نُشِرت بتاريخ 4-7-2011م.

وقد ورد في تلك المقالة:

“الوضع في سوريا وضع مستحكم العُقَد؛ داخلياً وخارجياً.

فعلى المستوى الداخلي هناك تَفرُّد في الحكم على أساس حزبي، ينظر إليه بعض الشعب على أنه لم يعد حزبياً فحسب؛ بل أصبح، أيضاً، طائفياً مؤيَّداً كل التأييد من دولة إيران ذات العلاقة غير الوُدِّية مع العرب ماضياً وحاضراً.

أما على المستوى الخارجي فإضافة إلى إيران، التي أصبح لها النفوذ الجلي في تسيير دَفَّة الأمور في العراق المجاورة لسوريا، هناك اهتمام لدى أمريكا التي يَهمُّها – بالدرجة الأولى – ما يَهمُّ الكيان الصهيوني المجاور لسوريا والمحتل لجزء من أراضيها.

وكُلٌّ من قادة أمريكا المتصهينين وهذا الكيان الصهيوني يَهمهُّما أن يبقى الوضع في المنطقة على ما هو عليه؛ وبخاصة أن تهويد فلسطين – بما فيها القدس – يسير على قدم وساق”.

وبعد نشر تلك المقالة بشهر كتبت مقالة عنوانها: “وَيلي عليها ووَيلي من مصيبتها”.

وقد أبديت في مُستهلِّها ما كنت أكنُّه من مشاعر تجاه سوريا.

وكان مما ورد فيها:

“كم هي شديدة وطأة الألم على نفس من كانت تلك مشاعره تجاه قلب بلاد الشام.. سوريا.. التي قرأ تاريخها المجيد، إشعاع حضارة عربية أصيلة، ومنطلق دولة إسلامية امتدت رقعتها إلى الصين شرقاً وإلى بلاد الغال في فرنسا غرباً.

وعرفها في العصر الحديث قلباً عروبياً كان من عظماء رجاله وأفذاذهم الكواكبي والعظمة والقَسَّام.

ويا لَلوجع فداحة والمرء يرى البطش الأعمى الفظيع يُرتكب فوق ربوع ذلك الوطن دون مراعاة لحق الإنسان وكرامته ذكراً وأنثى، شيخاً وطفلاً، ويشاهد التهديم جنونياً لا يُوقِّر في غَيِّه حتى بيوت الله”.

وقبل شهر من الآن كتبت مقالة عن استمرار البطش والتدمير في سوريا حتى باتا صفتين لازمتين للنظام الحاكم هناك.

وكان مما قلته فيها:

“لقد هَبَّت أكثرية الشعب السوري تنشد الحُرِّية بطريقة سلمية.

ومضى أكثر من ستة أشهر وهي تحاول أن تبقى هَبَّتها سلمية الطابع رغم أن النظام المُتحكِّم ظَلَّ يتعامل معها بالبطش وارتكاب المجازر الفظيعة، مجزرة تلو أخرى.

ولم يعد في الإمكان – أمام إصرار ذلك النظام على مواصلة البطش وارتكاب المجازر – إلا محاولة حماية المدنيين الأبرياء السلميين وإن بالقوة.

لقد تَنوَّعت وحشية تلك المجازر، التي طالت الجميع، رجالاً ونساءً، شيوخاً وأطفالاً.

وامتدت الهَمَجيَّة والحقد الواضح إلى الاعتداء على الأعراض؛ الأمر الذي لم يكن يَتوقَّع أحد أن يحدث في سوريا العربية المسلمة”.

ومما أشرت إليه في تلك المقالة أن من أسباب قوة سطوة النظام وجود أكثر من عشر جهات أمنية واستخبارية تابعة له، تعمل كل جهة منها لصالحها وصالح رئاسة النظام، حذرة من الجهات الأخرى أن توقع بها.

وإضافة إلى ذلك هناك أمور أخرى أسهمت في تقوية تلك السطوة الظالمة.

الأمر الأول الارتباط المصيري بين النظام الإيراني والنظام السوري، الذي بدأ تبلوره في وقوف النظام الأخير مع الأول في حربه ضد العراق أيام صدَّام حسين مؤسَّساً على أسباب بينها اعتبار الخميني الطائفة التي ينتمي إليها رئيس النظام السوري طائفة مسلمة؛ وهو أمر لم يكن مُقرًّا في المذهب الجعفري، أو الإمامي، قبل وقوف النظام السوري مع نظام الخميني.

ومن بينها تلك العداوة الشخصية بين صدَّام حسين وحافظ الأسد، وكُلٌّ منهما كان المُتحكِّم في نظام بلده.

الأمر الثاني أن النظام في إيران – بكل ما يَتَّصف به قادته من دهاء سياسي مشهود – يعدُّ بقاء النظام في سوريا قضيَّة أساسية بالنسبة له.

ذلك أن زواله يضعف النفوذ الإيراني في لبنان، ويُهدِّد استمراره في العراق.

الأمر الثالث أن ضعف النفوذ الإيراني في لبنان والعراق، أو زواله منهما، نتيجة لزوال النظام في سوريا، من المُرجَّح أن يُؤدِّي إلى هَبَّة داخلية في إيران ذاتها ضد النظام القائم هناك، أو يساعد في قيامها.

ومن هنا فإن من المحتمل جداً أن نتيجة تلك الهَبَّة إذا قامت ستكون قاصمة الظهر، وتُحقِّق ما لم تُحقِّقه الهَبَّة الشعبية التي قام بها خصومه في الداخل قبل ذلك. وعلى هذا الأساس يتجلَّى تصميم حكام إيران على إمداد النظام في سوريا معنوياً وسياسياً ومالياً وعسكرياً. وهذا الإمداد عبر العراق وغير العراق لا يمكن إنكاره.

وموقف الاتحاد السوفييتي، الذي كان يساند التوجه الشيوعي في العراق ساحل المعارضين في الشوارع ودافن الناس أحياء في كركوك، يعاد تَبنِّيه اليوم من قِبَل الاتحاد الروسي مساندة لنظام لم يَمرّ على العرب في تاريخهم الحديث والمعاصر نظام عربي مثله في ارتكاب الجرائم الفظيعة.

ذاك نزر قليل مما بدا واتَّضح من مواقف أعداء أُمَّتنا، وفي طليعتهم زعماء إيران والاتحاد الروسي، المؤيِّدة والداعمة للنظام المتجبِّر الباطش في سوريا.

فماذا عن مواقف غيرهم من زعماء دول ومسؤولي منظمات في هذا الخصوص؟ في مقدَّمة هذه المنظمات جامعة الدول العربية.

وموقف أمينها العام – إن كان يُعبِّر عن موقف هذه الدول حقيقة – موقف أَقلَّ ما يمكن أن يقال عنه إنه موقف المتخاذل. وتخاذله يمكن أن يُعدَّ مُشجِّعاً للنظام السوري في بطشه وجبروته وظلمه.

ومن الأدلة على موقفه ذلك تصريحه بعد عودته من سوريا، والمجازر على أَشدِّها، بأن الرئيس السوري وعده بإصلاحات، واختياره لرئاسة فريق المراقبين العرب الذين بعثتهم الجامعة إلى هناك رجلاً يعلم الكثيرون أن سيرته لا تؤهله لحمل المسؤولية المسندة إليه، وقوله: إن مَهمَّة أولئك المراقبين ليست معنيَّة بما جرى في سوريا قبل وصول ذلك الفريق إليها، متجاهلاً ارتكاب المجازر شهوراً عديدة ضد من كانوا مسالمين طوال تلك الشهور، وأنهم لم يلجؤوا إلى الدفاع عن أنفسهم ومواطنيهم الأبرياء بالقوة إلا بعد اليأس من وقوف تلك المجازر أو إيقافها.

ويتضح موقفه الأكثر سوءاً في تكراره في الأمم المتحدة عبارة “لا نطلب التدخل بالقوة ضد النظام السوري”، متناسياً تَدخُّل إيران وروسيا بإمداد قوات النظام بالأسلحة الفَتَّاكة وبالمال والفَنِّيين.

وموقف السيد كوفي عنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، المسند إليه مهمة التعامل مع ما يجري ويُرتكَب في سوريا، موقف ليس ببعيد عن موقف الأمين العام للجامعة العربية تخاذلاً وتجاهلاً للحقائق.

وهو يعلم كل العلم أن المفشل لخطته – وهي الخطة التي يُشَك في صدق نوايا من وضعها أساساً – هو النظام السوري.

لكنه يأبى إلا أن يكون أشبه بشاهد الزور أو كاتم الشهادة.

وتناقضات الأمين العام للأمم المتحدة الحالي، بان كي مون، في مواقفه وتصريحاته من بداية الهَبَّة في سوريا حتى الآن واضحة كل الوضوح.

وماذا عن الزعيمة الكبرى في العالم؟ كلٌّ منا يذكر تصريحات قادة أمريكا في بداية الهَبَّة السورية ضد النظام الباطش في سوريا.

وكل تلك التصريحات تطالب بأن يَتنحَّى الرئيس الأسد عن الحكم، وتقول: إنه لم يعد حاكماً شرعياً للبلاد.

تَغيَّرت إجراءات النظام في سوريا إلا ازدياداً في البطش وارتكاب المجازر.

لكن التصريحات المشار إليها اختفت، أو بدأت العتمة تَلفُّها.

وما حدث في مؤتمر جنيف من انتصار للموقف الروسي بالذات المُؤيِّد للنظام السوري أحد الأدلَّة على موقف أمريكا المتخاذل.

قد يكون مخطئاً من هو مثلي غير مدرك لخفايا الأمور السياسية.

لكني أظن -بل أكاد أجزم- أن أمريكا لو كانت صادقة في موقفها لتغيَّرت أمور وأوضاع.

في نظري أن قادة الكيان الصهيوني غير مُتحمِّسين لزوال النظام في سوريا؛ وهو أمر صرَّح به مُمثِّل أولئك القادة في مؤتمر عُقِد في أوروبا، ومن المُرجَّح أن عدم تَحمُّسهم لذلك ناتج من بقاء حدود سوريا مع الكيان الصهيوني المُحتلِّ للجولان هادئة طوال عقود.

وما لم يكن هناك تحمُّس من قِبَل قادة الصهاينة فلن يكون هناك تحمُّس من قِبل قادة الدولة الأمريكية التي يسيطر المتصهينون على مفاصل القوة فيها.

وإذا كانت الآمال في جامعة الدول العربية وفي الأمم المتحدة وفي قادة أمريكا معدومة، أو تكاد تكون معدومة، فإن الأمل كبير في نصر الله ثم في تصميم الشعب السوري على نيل حقوقه مهما كانت التضحيات.

——————–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د.عبد الله الصالح العثيمين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*