الأربعاء , 7 ديسمبر 2016

الكويت.. إلى أين

 

بثت قناة «الراي» مساء الأربعاء تسجيلا كاملا للندوة التي دعا اليها السياسي النشيط محمد جاسم الصقر وضمت عددا كبيرا من السياسيين والمتابعين من أجل رسم خارطة طريق مستقبلي تخرج الكويت من الشلل الطاغي.

ومهما كانت الاجتهادات حول الندوة وما قيل فيها وعن أهدافها الظاهر والباطن منها، تبقى الحقيقة المرة، ان الكويت الحالية هي استقطابات حادة فيها مواجهات وتربصات وتهديدات، وفيها أكثر من ذلك طغيان الفئوية والقبلية والطائفية، وفيها انحسار لمفاهيم الحداثة في مضمون الدولة المدنية المستنيرة المرتكزة على دستور دائم، وسيادة القانون، وأحكام المواطنة، وعلى رأي عام قوي يحصن ويحمي، ممثلا في التجمعات ذات الطابع المدني والهيئات المهنية ونقابات التجمعات.

وكان واضحا غياب الكتلة المناوئة التي يجسدها التحالف القبلي- الاسلاموي، عن مواقع الندوة وعن مضمونها وأعتقد بأن محتويات الندوة عززت من التباعد بين الأطياف، كما برزت، من خلال التعليقات والتصريحات، اشكاليات وتباينات بين التجمعات السياسية حول الدوائر وقواعد الانتخابات.

عندما نتحدث عن خريطة مستقبلية للمسار السياسي في الكويت، علينا التعامل الصريح مع واقع الكويت اليوم، هناك ميل واضح لممارسة الدبلوماسية الشارعية-الميدانية للاستنجاد بها لتحقيق أهداف تريدها التجمعات وعلى الأخص الائتلاف القبلي-الاسلاموي الذي يهدد، كلما شعر بأن التوجهات ليست وفق شهيته، بالنزول الى الشارع واستحضار الآلاف في ساحات الكويت، مع لي الذراع بقسوة لكي تمتثل السلطة لأهداف التحالف.

ومع تضاعف الشكوك في نوايا السلطة، تفجرت القريحة السياسية الآن بالارتكاز على تسويق الوزارة البرلمانية باختيار رئيس الوزراء من داخل البرلمان، في مسعى لغرس هذه الفكرة في ذهن الشباب وادخالها في لائحة المطالب للتجمعات ونشر جاذبيتها في أسواق السياسة وتأكيد انجازها كاستجابة للتطور والاذعان لحكم التاريخ، ويرافق تلك الممارسة تجاهل تام لقطاعات واسعة من المجتمع الكويتي التي لا شأن لها بجدول أعمال وهموم ائتلاف الأغلبية وهي التسمية لمجموعة 35 والتي طغت على المفردات السياسية في هذه الظروف.

لن يستفيد أي طرف من تهييج الشارع ولن تأتي النزعة التهديدية بما تريده المجموعة، ولن يستفيد أحد من تقويض الاستقرار واضعاف الأمن الوطني، فلا التجمع الوطني قادر على تحقيق ما يريد، ولا الآخرون من الأغلبية، طالما لا يتوافر الاجماع الوطني العام، وبدون دعم شعبي قوي وواضح.

هناك حقائق تتميز بها الكويت، ويلتف الاجماع حولها، أذكر هنا بعضها: أولا – طوال تاريخها، عاشت الكويت وفق مبدأ القوة الناعمة، لا تهديد ولا مواجهات ولا ملاحقات، ولا أبعاد ولا سجناء، وما تحقق عبر العقود الطويلة هو ثمرة تفاهمات وقناعات مشتركة، ومن أجود ثمار هذا المبدأ هو الدستور الحالي الذي جاء من تفاهم لا من ضغط، ومن تقدير للتطوير وليس من اقتحامات شعبية جماهيرية، وأصبح الدستور أبرز وثائق الحكم، رسخ الشرعية التاريخية، وشيد التداخل السلمي بين نظام الحكم وبين المجتمع.

ولا يمكن ان يتعرض هذا الصرح السلمي الواقي الى تداخلات أو تعديلات عبر تجمعات وتخطيطات فئوية، هذا الصرح جاء وليد قناعات مشتركة بين النظام والمجتمع، وشيدت عليه التزامات متبدالة ومتداخلة، ولا جدوى من الحديث عن تبدلات دستورية بمعزل عن الاجماع والارادة المشتركة بين النظام وأهل الكويت.

ثانيا – لا مفر من الامتثال لأحكام القضاء وحماية وقاره وصون سمعته، فلا طعن بالضمير، ولا استخفاف بالأحكام ولا تحريض ضد هيئته، ونذكر بأن مقياس الرقي والتحضر في دول العالم بحجم استقلال القضاء ونزاهته ومناعته من التدخلات، ولن تستفيد الكويت من تطاول بعض الأصوات في التشكيك في حكم القضاء.

ثالثا – تتطور المجتمعات نحو البناء الديموقراطي متمثلا بحكومة برلمانية عندما تنضج المجتمعات وتتعايش مع متانة حزبية عريقة بثقافة ديموقراطية جوهرها الانضباط السياسي والاجتماعي والولاء للقانون واحترام الاختلاف، على قاعدة المساواة، لا تميز لأحد ولا مجاملات لطائفية ولا انتصار لقبيلة.

وواقع الكويت اليوم بعيد جدا عن ذلك، فالمؤشرات الواقعية تتجه نحو الاستعانة بالقبيلة، والاستناد على الطائفة، والاحتماء بالفئة، وبحجم غير مسبوق، والواضح من الجدل الدائر الآن، ان الخوف من التعديلات في قانون الانتخابات وتعديل الدوائر والمعارضة القوية له ليست من مفرزات الغيرة الوطنية، وانما من حسابات الخوف من فقدان الامتيازات وفقدان ما يرافق العضوية من قامة اجتماعية توظف للمكاسب الشخصية وللأقارب والمعارف وأهل العشيرة.

رابعا – من أجل ان يرتفع أداء الادارة في مؤسسات الدولة ووزاراتها، لا مفر أيضا من حماية حيادة الادارة، وابعادها عن تدخلات النواب ومنع النواب من زيارات المكاتب ووقف تدخلهم في مسار البيروقراطية، فالوضع الحالي غير محتمل فلا حساب ولا عقاب ولا عمل لأعداد هائلة مكدسة بعضها في الممرات وأغلبها في المنزل دون دوام، والواقع لم تسلم أية وزارة من تدخلات نواب الوساطات والمخالفات.

خامسا – لم يقدم البرلمان في السنوات الأخيرة شيئا مفيدا في مسار التنمية وفي مسار التحديث وتأكيد مدنية الدولة وترسيخ الهوية الوطنية القائمة على المساواة وحق الكفاءة، وانما استمرت الأجواء في التشكيك في نوايا الحكومة مع استخفافات متبادلة بين التيارات وتجاهل لأحكام القانون، ومواصلة التطاول على اختصاصات الحكومة والهيئة التنفيذية، بأسلوب الصراخ والهوشات والعويل والمناكفات مع استطعام شيكات تصل الى الحسابات بأسلوب الغموض السينمائي.

سادسا – علينا مساندة سمو رئيس الوزراء الشيخ جابر المبارك، فلا نستطيع تجاهل عزمه على الالتزام بالقانون وصون الدستور والعمل على سحب الكويت من واقع الشلل الحالي الى فصل يتميز بالحيوية والانجاز، مع ضرورة الاعتراف بأن الأغلبية من أبناء المجتمع تدعمه وتناصر جهوده في قيادة العمل السياسي القادم، وعليه ان يقود ولا يتأثر بالصراخ، ولا يستسلم للضغوط، وأن يمارس الحوارات والتواصل للتعرف على مختلف الاجتهادات، مع اليقين بأن أهل الكويت يصرون على استقرار وطنهم وسلامة بلدهم.

وتبقى الحقيقة الدائمة بأن الكويت تنهض بأكتاف الجميع وبقناعة الجميع، ولا مجال للخروج عن دائرة التوافق التي صانت الكويت لثلاثة قرون وملاذها الوطنية الجماعية، فمن يريد الاستفسار عن مسار الكويت الى أين ويقلق على مستقبلها، عليه ان يعمل على ان تدخل جميع الألوان والطوائف والأهواء داخل حضن الكويت على قاعدة المساواة والتكافؤ والاحترام، وباصرار على تجاوز الخطوط التي تباعد بين أبناء المجتمع، والاستنهاض باحترام القانون وتطبيقه على الجميع، والالتزام بالقانون عنوان التقدم والانجاز.

———–

نقلاً عن الوطن الكويتية

*رئيس المركز الدبلوماسي للدراسات

-- *عبدالله بشارة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*