السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » حرب الشواطئ والمواجهة المحتملة بين الإسلاميين .

حرب الشواطئ والمواجهة المحتملة بين الإسلاميين .

بعد 13 سنة من الركون ، قررت قيادة جماعة العدل والإحسان تنظيم المخيمات الشاطئية على النحو الذي دأبت عليه في تسعينيات القرن العشرين . إذ تميز هذا العقد باستفادة الجماعة من مساحات واسعة من التحرك والتأطير في إطار سياسة اعتمدها النظام تروم إقناع المعارضة الديمقراطية حينها ، والتي كان الاشتراكيون يشكلون النواة الصلبة لإطار الكتلة الديمقراطية التي وضعت المغرب على مسار الانتقال الديمقراطي دون أن تنجزه ،  (إقناعها) بالمشاركة في التدبير الحكومي. 

وكانت خطة النظام  تقوم على مدّ جماعة العدل والإحسان بكل أسباب “التغوّل” والتمدد واكتساح معاقل اليسار في الجامعات ، الأحياء الشعبية ، دور الشباب ، المخيمات ، جمعيات المجتمع المدني الخ. وفرض الإقامة الجبرية على الشيخ ياسين ، مرشد الجماعة، يخدم هذه السياسة من حيث تضخيم كاريزما الشيخ حتى تبدو الشخصيات المعارضة التي كان لها وزنها السياسي واعتبارها النضالي ، (تبدو ) باهتة أمام شخصية ياسين . 

تكتيك مدروس بعناية أقنع غالبية فصائل المعارضة الديمقراطية بقبول عروض النظام دون أدنى الضمانات . فكانت حكومة التناوب الأولى برئاسة الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي التي كان من مهامها ضمان الانتقال السلس للعرش إلى الملك محمد السادس فضلا عن إنقاذ المغرب من السكتة القلبية . خلال هذه الحقبة المفصلية من تاريخ المغرب الحديث ، كانت جماعة العدل والإحسان تستثمر كل العناصر التي مدها بها النظام ، ومنها تمكينها من شواطئ المغرب لتنظيم مخيمات صيفية تضم ، باعتراف الجماعة نفسها عشرات الآلاف من المصطافين . 

وتكفي الإشارة إلى أن المخيم الصيفي سيدي بونعايم سنة 1999  ضم لوحده 40 ألف مصطاف . لنتصور، إذن ، الأعداد التي ستخضع لتكوين تربوي وإيديولوجي مكثف تنضاف إلى تلك التي تؤطرها  الجماعة من خلال الجمعيات الثقافية والرياضية التي أسستها على امتداد التراب الوطني . لقد بات النظام على عهد الملك محمد السادس يدرك جيدا مدى ما تمثله سياسة التواطؤ مع الجماعة من مخاطر على النظام والدولة والمجتمع . 

لهذا قرر تجريد الجماعة من بعض المكتسبات ؛ فكان قرار منعها من تنظيم المخيمات الصيفية ابتداء من سنة 2000 . حينها قررت الجماعة اختبار قوة النظام ومدى استعداده لخوض مواجهة غير مألوفة على رمال الشواطئ وليس في شوارع المدن . كانت خطة الجماعة تقتضي إحراج النظام بتصديه للمصطافين ومنعهم من الصلاة الجماعية على الرمال . ومما حرصت عليه قيادة الجماعة إقامة الصلاة بين المصطافين ، وليس بعيدا عنهم ، حتى تلتحق  أفواج كثيرة منهم بالمصلين أعضاء الجماعة فيختلط الجمع  لدرجة أن أي تدخل أمني لن يكون العدليون وحدهم ضحاياهم . فشلت خطة الجماعة لأن المواطنين أدركوا أهدافها فرفضوا أن يكونوا طرفا في الصراع ، كما استهجنوا الصلاة في الشاطئ وبيوت الله معدة لهذه الغاية . 

والآن ، وبعد اثني عشر عاما من الركود ، قررت الجماعة تنظيم المخيمات الصيفية على الطريقة التي عهدتها من قبل . الأمر الذي يطرح سؤالا مركزيا : ما الذي أحيى في الجماعة ذكرى المخيمات بعد 12 سنة؟ الإجابة عن هذا السؤال فاحت بها تصريحات بعض قياديي الجماعة الذين دخلوا في جدال مع نظراء لهم في حزب العدالة والتنمية الذي يقود الائتلاف الحكومي . ومما يمكن استقاؤه من دوافع سياسية حركت الجماعة في هذه المرحلة ، نجد :

1 ـ الإحراج السياسي لحزب العدالة والتنمية ؛ إذ إصرار الجماعة  على تنظيم مخيماتها ، كما جاء على لسان فتح الله أرسلان، الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان، لموقع هسبريس  “الجماعة تتشبث بحقها في التخييم الصيفي بالطريقة التي تُفضلها وفق ما يكفله لها القانون”، رغم اقتناعها بأن السلطات لن تسمح لها بتنظيم بذلك ، لا يمكن فهمه إلا باعتباره “خطوة استفزازية” لحكومة العدالة والتنمية ، أكثر منها رغبة في الاصطياف والترفيه عن النفس على الشواطئ ، كما صرح بهذا الأستاذ عبد العالي حامي الدين عضو الأمانة العامة للحزب . 

فالجماعة تريد أن تظهر للرأي العام المغربي أن حزب العدالة والتنمية يخدم السلطة والدولة ولا مصداقية لشعاراته المتعلقة بالدفاع عن الهوية الإسلامية للدولة. لهذا ركزت الجماعة على إحراج الحزب من مستويين : المستوى الدستوري حيث اتهم أرسلان السلطات بمحاولتها “فرض نمط واحد معزول من الثقافة والسياحة على شعب مسلم”،مما يجعلها “تخرق بذلك الدستور الذي وضعته بنفسها والذي يؤكد إسلامية الدولة، وتواجه غالبية الشعب المغربي بفرض أخلاقيات ونمط عيش غريب عنه”. وفي هذا اتهام لحزب العدالة والتنمية بالتواطؤ مع السلطة على خرق الدستور في عدم تكريس “إسلامية الدولة” عبر منع الاختلاط في الشواطئ . 

أما المستوى السياسي/الإيديولوجي فيجسده سؤال أرسلان عن (دور المؤسسات والمجالس المُسماة إسلامية والحكومة أيضا في الدفاع عن هوية الشعب المغربي عوض تسليمها بثقافة أقلية نافذة؟) . ودلالة هذا تفيد أن الحزب تنكر لمبادئه وبات خادما للسلطة . 

2 ـ الاستعداد لاستغلال الاحتجاجات المحتملة بسبب الزيادة في أسعار المحروقات لفتح جبهات جديدة تربك الحكومة . فالجماعة تراهن على اتساع رقعة الاحتجاجات ضد الحكومة لتدخل على الخط وتفتح معارك على الشواطئ تربك الحكومة وتشتت جهودها ، خصوصا بعدما فشلت الجماعة في استغلال حركة 20 فبراير ، ثم من بعدها ، احتجاجات المجازين المعطلين .

3 ـ تكريس فكرة مظلومية الجماعة واصطياد مناسبات أو خلقها للعب دور الضحية الذي يكسب الجماعة دعما وتعاطفا . فالجماعة اعتادت على هذا النهج لاستدرار التعاطف والتأييد وتوسيع قواعدها دون أن تكون فاعلا سياسيا ينخرط في عملية البناء الديمقراطي من داخل المؤسسات الدستورية والمنتخبة ، بدل الركوب على الاحتجاجات وتأجيجها . والإصرار على تنظيم مخيمات صيفية ضدا على القانون يدخل ضمن استراتيجية إظهار الجماعة كفئة مقهورة ومحرومة من ممارسة حقوقها الدستورية .

4 ـ إبقاء الجماعة حاضرة على واجهة الأحداث حتى لا يطويها النسيان . 

فالجماعة ليست منخرطة في العملية السياسية حتى يكون لها حضور في البرلمان والمؤسسات المنتخبة ، ومن ثم تقدم خدمات للمواطنين تثبت فعاليتها وانخراطها في عملية الإصلاح ومحاربة الفساد . ومن أجل ضمان التواجد والحضور السياسي  والإعلامي ، تفتعل الجماعة معارك ضد الدولة  لتكرس مظلوميتها ، من جهة ، ومن أخرى حيويتها كجماعة معارضة ورافضة للنظام من أساسه . لهذا فهي لا تقبل بالحلول الوسطى .  

وباعتبار الجماعة تدرك جيدا ويقينا أن الدولة ، أكانت حكومتها إسلامية أو ليبرالية أو يسارية ، لن تسمح لها بتنظيم المخيمات الصيفية على النحو الذي فعلته قبل سنة 2000 ، فإنها تسجل موقفا وتبقي على حضورها. 

ومما لجأت إليه الجماعة ، حشد الأطفال للاحتجاج على السلطات المحلية التي منعتهم من التخييم  وهم يحملون لافتات ورقية ، ومما كتب عليها “أنا طفل صغير ما ذنبي؟” “أنا طفل حرمتني من التخييم لماذا ؟ ” “ألست طفلة مغربية” “أين هي حقوق الطفل؟”.بالطبع لا يمكن القبول بحرمان الأطفال من حقهم في التخييم والاصطياف تحت أي ذريعة كانت ، وفي المقابل على الجماعة ألا تستغل براءة الأطفال في الصراع السياسي الذي له أدواته ومجالاته . 

لكن في كل الأحوال ستكون الجماعة في مواجهة حزب العدالة والتنمية الذي طالما ساندها أيام كان في المعارضة . وإذا ما أصرت على المواجهة فستخسر حليفا كان بأمَسّ الحاجة إلى تفهم وضعيته وهو يصارع من وصفهم “بالتماسيح” و “العفاريت” و”الأشباح” . 

-- خاص بالسكينة: سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*