الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » إنهم الطغام.. فاحذرهم

إنهم الطغام.. فاحذرهم

قال سبحانه {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (18 سورة ق)، وقال سبحانه {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ} (10-11 سورة الانفطار).

قال صلى الله عليه وسلم (إن من شرار الناس الذين يكرمون اتقاء ألسنتهم) وقال عليه الصلاة والسلام (وهل يُكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم).

سئل عمر بن عبدالعزيز -رحمه الله- عن قتلة عثمان فقال: تلك دماء كف الله عنها يدي فأنا أكره أن أغمس فيها لساني.

وقال عمرو بن العاص: زلة الرجل عظم يجبر، وزلة اللسان لا تبقي ولا تذر.

قيل: السامع للغيبة أحد المغتابين والروية للهجاء أحد الهجائين.

يروي أن جارية ابن السماك قالت له: ما أحسن كلامك إلا أنك تردده، قال: أردده حتى يفهمه من لم يكن فهمه، قالت فإلى أن يفهمه من لم يكن يفهمه يمله الذي فهمه.

نازع المهدي السلطة على خلافة قرطبة لسلبها من سليمان المستعين زعيم البربر التي تواصلت معه لسبع سنين، وصفها ابن حيان: كانت كلها شداداً نكدات، صعاباً مشؤومات كريهات المبدأ والفاتحة قبيحة المنتهى والخاتمة، لم يعدم فيها حيف، ولا فورق خوف، ولا تم سرور، ولا فقد محذور، مع تغير السيرة، وحلول المخافة، ومن إشفاق الناس يومئذ أنهم استفتوا شيوخ المالكية في تعجيل صلاة العتمة قبل وقتها خوفاً من القتل إذ كان متلصصة البربر يقفون لهم في الظلام في طرق المسجد..) وقد قضت تلك الحروب على كثير من العلماء والأدباء بالموت والتشريد.

قيل لبعض العلماء: من أسوأ الناس حالاً؟ قال: من اتسعت معرفته، وضاقت مقدرته، وبعدت همته، وأسوأ منه حالاً: من لم يثق بأحد لسوء ظنه، ولم يثق به أحد لسوء فعله.

رد أعرابي على من رماه بالعي: رأيت عثرة الناس في أرجلهم، وعثرة فلان بن فكيه.

وعن الأصمعي، أن أعرابياً قال: الكلمة أسيرة وثاق الرجل، فإذا تكلم بها كان أسيراً في وثاقها وعندما أنكر المستمعون على بكر بن عبدالله المدني إطالته في الصمت قال: لساني سبع إن تركته أكلني.

وذُكر أن أربعة من الحكماء اجتمعوا فقال أحدهم: أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت، قال الثاني: لأن أندم على ما لم أقل أحب إليّ من أن أندم على ما قلت، قال الثالث: إذا تكلمت بالكلمة ملكتني، فإذا لم أتكلم بها ملكتها، وقال الرابع عجبت ممن يتكلم بالكلمة إن ذكرت عنه ضرته وإن لم تذكر عنه لم تنفعه.

أما بعد: مع أن معيار عقول الرجال رشدهم وحصافة رأيهم، نجد المغرورين المنحرفين عن طريق الحق لعجرفتهم معتمدين على بريق المظاهر الزائف، يتخلون عن الشيم والقيم التليدة، فضوليون متطفلون يدفعهم داء العظمة أو شعور النقص يتطاولون على من هم أكفأ منهم حتى إذا كتبوا أو انضموا إلى ندوة أو تجمع أثقلوا على من يحضرهم بغرائب سفاسف ألفاظهم وتعاظمهم، لنقص صفاء النفوس وجلاء الريب فيهم، حتى ليضع نفسه موضع نمرود وهو يحاور الخليل إبراهيم عليه السلام تنقصهم السلوكيات الرفيعة، وكأن منطقهم لا يعبر عن رجاحة عقولهم وفكرهم، فإنه يثير الاشمئزاز لتخليهم عن تراثهم وقيمهم ومثلهم.

إن من يزعمون أنهم كبار القوم فكراً لا يحملون حقداً ولا يكيلون الدسائس.

قال معاوية لرجل من أهل اليمن: ما كان أحمق قومك حين قالوا: {رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} (19 سورة سبأ)، أما كان جمع الشمل خيراً لهم؟ فرد اليماني: قومك منهم حين قالوا: {اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (32 سورة الأنفال)، أفلا قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه.

يقول صلاءة بن عمرو (الافوه الأودى):

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ********ولا سراة إذا جهالهم سادوا

تهدى الأمور لأهل الرأي إن صلحت********وإن تولت فبالأشرار تنقاد

إنهم يمعنون في لفظ الكلام وثرثرته ولا ينفكوا يسفّوا ألفاظه وإنهم ليوغلوا بالجحدان على منهم أرفع منه ذكراً وأكثر منهم كرماً وأعطر منهم سمعة وأوسع منهم علماً وأدباً، ويتوهمون أنهم كانوا شيئاً مذكوراً، ويتجاوزون حدود مكانتهم، يستغلون بعض الظروف المواتية لهم فيستأسدون على رجل لم تحالفه الظروف لإظهار ما لديه من خصائص وسجايا ولا يزيدهم حلم الحكيم إلا جهلاً وغطرسة، وكثرة الهذر فيزدريه السامع أو القارئ ويستخفف به، فهم لم يدركوا الشدائد والمحن لنقص سداد الرأي لديهم.

إن مصانعة أولئك خطر عظيم لأن نفوسهم ميالة لإهانة الأخيار الأكابر لاستخدامهم وسائل غير لائقة لقضاء حاجاتهم، فربما ينظرون من خلال رواية تقول إن رجالاً من أكابر القوم حكموا بالموت في إحدى الممالك وانتشر خبرهم بين الناس، وذكر أن صعلوكاً سيقتل معهم فقال الناس مستنكرين: (فلاناً الصعلوك يُقتل مع هؤلاء الأكابر؟) وربما يعتقدون أن المنزلفين المنافقين الذين يتعاملون كثيراً بعاطفتهم لا بعقولهم يريدون من يرفدهم بأعطية نالوها إلا أنهم لم ينالوا المروءة متغافلين عن نبراس الحياة.

ومع أن الإنسان يشرقُ بالماء أحياناً فالمتملقين الكذابين لم تصلهم غصتها بعد، فهو من غير الأفاضل النجباء الأوفياء ذوي الفطنة، هم الذين استمرأوا المستنقعات الآسنة والمتعفنة ومهاوي الردى والبوار، ومحاورة المرء من السفيه شفاهة أو كتابة تزيد الأحمق تسافهاً فهو يحرِج ولا يُحرَج ويؤثر ببذاءته ولا يتأثر إن كثروا الصراخ والثرثرة والهذر بفحش ألفاظهم وبذاءة ألسنتهم وأقلامهم وسوء طباعهم وكذبهم وسوء نيتهم يتعدى وقاحتهم إلى التطاول على من هو أعظم منهم شأناً مهاب الجانب.

خصائصهم: الخيانة والغدر والخداع والكذب والمراوغة والحماقة حسداً من عند أنفسهم، يتخذون لهم طريقاً يقربهم لمكانة ينشدونها وهم ليسوا أهلاً لها. يتصدون لرجال العلم والفكر والرأي والمشورة يقول الإمام الشافعي يرحمه الله:

تموت الأسد في الغابات جوعاً********ولحم الضان تأكله الكلاب

ويقول أبو تمام:

السبع سبع ولو كلّت مخالبه ********والكلب كلب ولو بين السباع ربى

رغم إخلاص المرء واجتهاده وصدقه وأمانته فإنه يتعرض للأذى، بينما من يخطئ من الغوغائية مرة تلو مرة يخرج من كل ذنب منتصراً بأعوانه المدافعين عنه وهذا مدلول سيئ.

وفي قصيدة للشاعر المتلمس يذكر فيها أنه لا يصبر على الضيم والمذلة إلا اثنان الأول أعزكم الله الحمار والثاني الوتد، وهذا عمرو بن معد يكرب يصفهم بقوله:

لقد أسمعت لو ناديت حياً********ولكن لا حياة لمن تنادي

ولو ناراً نفخت بها أضاءت ********ولكن أنت تنفخ في رماد

ويقول أبو تمام:

إذا لم تخش عاقبة الليالي********ولم تستح فاصنع ما تشاء

فلا والله ما في العيش خير   ********ولا الدنيا إذا ذهب الحياء

يعيش المرء في الدنيا بخير********ويبقى العود ما بقي اللحاء

ويقول المتنبي:

ذو العقل يشفي في النعيم بعقله****وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

أين هم من نعومة الوجدان عند يزيد بن ثروان -أبو نافع- وهو الذي شرد له بعير فجعل لمن جاء به بعيرين فقيل له: لم هذا؟ قال: فأين فرحة الوجدان بلقائه؟

وقيل لأعرابية من بني عامر: لقد أحسنت العزاء على ابنك، قالت:

إن فقده أيأسني من المصائب بعده

قال أبو جعفر المنصور لأبي جعونة العامر من أهل الشام: ألا تحمدون الله بأنا قد ولينا عليكم، ورفع عنكم الطاعون؟ قال لم يكن ليجمعكم الله علينا والطاعون!

إن أنماط الحياة وأساليب تعامل البشر يختلف باختلاف العصور في غياب الثوابت، فلا تخجل أو تشعر بالحرج عندما تنوي تقديم المساعدة لأحد فيرفضها، حسبك معدنك.

وعلى الله قصد السبيل.

————–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- خليفة مفضي المسعر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*