الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » إنقاذ ليبيا حول الصحراء الأفريقية إلى ملاذ آمن للجهاديين!

إنقاذ ليبيا حول الصحراء الأفريقية إلى ملاذ آمن للجهاديين!

بينما يحتفل قادة الحلف الأطلسي، بأن تدخلهم لإنقاذ بنغازي أدى إلى إجراء انتخابات حرة في كل ليبيا، تجاهلوا أن الإنقاذ ذاك قضى على تمبكتو المدينة التي كانت تعتبر مركزا لكنوز الآثار الأفريقية.

وبينما الربيع العربي «يزهر ويخضر»، ونسماته تلفح أحلام الشعوب العربية والإسلامية، بعضها يصفق لديمقراطية موعودة يعتقد بأن «الإخوان المسلمين» سيقودونهم إليها، كانت «قوى الظلام» تدمر المواقع التاريخية في شمال مالي، لا سيما في تمبكتو، والمواقع الأثرية التي يعود تاريخها إلى القرن الخامس عشر، بطريقة منهجية ويطمرون ركامها برمال الصحراء.

وفقا للسكان المحليين، دمر المتشددون «الباب المقدس» لمسجد سيدي يحيى، واحد من ثلاثة من أقدم مساجد تمبكتو. والباب مغلق منذ عدة قرون للاعتقاد المحلي بأن فتحه سوف يجلب سوء الطالع، ويقود الباب إلى ضريح أولياء آخرين. ويعتقد السكان المحليون أن «أنصار الدين» الذين يعيثون دمارا وموتا في شمال مالي، وكسروا الباب، لم يكونوا على بينة من وجود الضريح، وإلا لكانوا دمروه أيضا. الأمم المتحدة صنفته موقعا تاريخيا، وكان «أنصار الدين» دمروا خلال الأسبوع قبل الماضي أضرحة سبعة أولياء وقالوا إنهم سيواصلون «هياجهم» قبل تنفيذ صارم للشريعة الإسلامية، ويدعّون أن «مجوهرات» التراث الأفريقي تسيء إلى الشريعة الإسلامية.

العالم العربي والإسلامي مأخوذ بـ«الربيع العربي» الذي اعتبرته إيران تتمة لثورتها، وخطفه «الإخوان المسلمون» ليصلوا إلى السلطة (مصر وتونس). هذا العالم لم يصدر منه أي احتجاج، وكأنه نسي صدمة تماثيل «باميان» في أفغانستان، أو كأنه يريد ذلك، رغم أن ما يجمع كل الأديان هو التسامح وقبول الآخر.

فقط سياسي لبناني بعيد النظر، أثاره ما جرى في تمبكتو، فوجه رسالة إلى مسؤول كبير في الأمم المتحدة كان يستفسره عن الوضع في سوريا، قال في رسالته: «إن الأضرار التي ألحقها السلفيون بمالي لا يمكن إصلاحها. يقولون إن تمبكتو مدينة فريدة، حيث المخطوطات فيها، كما في اليمن، لا تقدر بثمن، والأضرحة الصوفية بالمئات. ويبدو أن مالي هي مفترق طرق مهم بين شمال أفريقيا وأفريقيا السوداء. والسلفيون (أنصار الدين) هزموا الطوارق حلفاءهم السابقين وبدأوا تدمير الأضرحة. سمعت أن اليونيسكو أدانت هذا العمل التخريبي، إذا كان بإمكانك عمل أي شيء لإنقاذ المخطوطات، سيكون الأمر عظيما. ذلك الجزء من العالم قد يتحول إلى صومال آخر».

بدأت الثورة في ليبيا، وعندما انتهت عبرت كميات الأسلحة إلى الصحراء. فشل الانقلاب في مالي، فأعلن الطوارق دولتهم المستقلة «أزواد» في شمال مالي التي غزاها أيضا «أنصار الدين» وهي جماعة إسلامية تعمل بشكل وثيق مع تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي». مساحات شاسعة من الأراضي تجوبها عصابات مسلحة تكسب الملايين من تسهيل تهريب المخدرات لتجار أميركا اللاتينية الذين تحط طائراتهم وتفرغ حمولتها من صناديق المخدرات لتهريبها إلى أوروبا والشرق الأوسط، ويحرسها مسلحو المنظمات الإسلامية مقابل الملايين من الدولارات.

قبل سيطرة «أنصار الدين» كان من الصعب معرفة بالضبط من هم الطوارق ومن هم الإرهابيون ومن هم مجرد عصابات.

في مارس (آذار) الماضي، انضم «أنصار الدين» إلى متمردي الطوارق للسيطرة على شمال مالي بعد يوم واحد من وقوع انقلاب عسكري. الحركة الوطنية لتحرير أزواد (الطوارق) كانت بدأت ثورة في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي في محاولة لإقامة وطن للطوارق شمال مالي، وأعلنت الاستقلال إثر انقلاب آذار مارس. انضم إلى الحركة أعضاء من «أنصار الدين» ومقاتلون عائدون من ليبيا لتقوية صفوفهم وانتزاع السيطرة من الحكومة المركزية على المدن الشمالية بما فيها كيدال، وغاو، وتمبكتو. ويعتقد الطوارق أن منطقة الساحل، والجنوب القاحل من صحراء الجزائر ومالي والنيجر هي مهد حضارتهم البدوية ووطنهم التاريخي.

بعد شهر من الاستيلاء على الشمال، بدأ الصدع في علاقة الطوارق و«أنصار الدين»، وفي منتصف أبريل (نيسان) أعلن «أنصار الدين» أن هدفهم تطبيق الشريعة الإسلامية رغم الاعتراضات القوية من الطوارق الذين يعيشون أصلا في شمال مالي. وبدأ «أنصار الدين» فعلا بتطبيق الشريعة في عدة مناطق، بتدمير الحانات والمطاعم التي تقدم الخمور ومهاجمة وإجبار المحلات التجارية على إنزال صور النساء السافرات.

والأسبوع الماضي كانت السيطرة العسكرية لـ«أنصار الدين»، فطردوا مقاتلي «حركة تحرير أزواد» وقالوا «إنهم هربوا عندما واجهتهم قوات الإسلاميين». وأكدت «حركة تحرير أزواد» أن قواتها تراجعت، لكنها قالت إنها تعيد تجميع صفوفها لقتال هؤلاء الإسلاميين.

يقاتل مع «أنصار الدين» مقاتلون من عدة دول بينها مالي، والجزائر، ونيجيريا. والمجموعة متحالفة مع «القاعدة»، ومع «حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا» ومجموعات جهادية أخرى.

بعد إبعاد الطوارق العلمانيين من تمبكتو وغاو بدأ «أنصار الدين» بشن هجمات على المواقع الأثرية القديمة العديدة، وقالوا، إنهم سيحولون الأضرحة الستة عشر في تمبكتو إلى أنقاض، وقالوا إن الأضرحة تشير إلى عبادة الأصنام وهذا يشكل جريمة ضد الإسلام. وقال متحدث باسم «أنصار الدين» إن مجموعته غير مبالية بالتنديد الدولي وتساءل: وهل «اليونيسكو» مسلمة؟

من دون وجود مقاتلي الطوارق العلمانيين بين صفوفهم لا يوجد أحد لكبح جماح المتطرفين الإسلاميين. لقد تم ترويع السكان المحليين وبدأ الآن الحديث عن اغتصاب الأطفال وتجنيدهم. ويبدو أن «أنصار الدين» الذين يكتسبون المزيد من القوة، شدوا متطوعين من شمال أفريقيا وأيضا من باكستان، كما تحالفوا مع مجموعات جهادية أخرى لكسب المزيد من الأسلحة والتمويل إضافة إلى تهريب المخدرات والأسلحة وخطف الأجانب مقابل فدية.

سيطرة «أنصار الدين» على الأراضي توفر ملاذات آمنة لمجموعات جهادية أخرى.

ويوم الأحد عقدت الدول الأفريقية اجتماعات في بوركينا فاسو وبحثت إرسال قوات أفريقية لمساعدة حكومة مالي على طرد الجهاديين من شمالها، واستعادة السيطرة على الإقليم. لكن كلما تأخر المجتمع الدولي في مواجهة هذه الجماعات، فإنها ستمضي قدما في فرض قيودها المتزمتة على السكان، وهذا يشمل هدم الأضرحة القديمة وتطبيق صيغة صارمة من الشريعة الإسلامية، وسوف تجلب جهاديين أكثر راديكالية، عندها سيواجه المجتمع الدولي مجموعة كبيرة مسلحة تسليحا قويا، غير مستعدة للتخلي عن الأرض بسهولة مما يشير إلى حرب طويلة بينها وبين كل من يحاول إزالتها.

الجماعات المتطرفة الإسلامية الآن، تتحرك ومن دون منازع في أرض تمتد من تندوف في غرب الجزائر، إلى الحدود بين ليبيا وتشاد شرقا، وحتى الجزء الشمالي من نيجيريا في الجنوب.

وما بدأ في شمال أفريقيا (تونس) في نهاية عام 2010 كـ«ربيع عربي» بدعم كبير من الغرب، خلق نقيضين في أجزاء كثيرة من العالم الإسلامي.

في الصحراء، الدعوات إلى الديمقراطية والحرية لاقت مقاومة، وبدأ الأصوليون المتطرفون هناك يعيدون تنظيم أنفسهم. وإذا ترك العالم الدول الأفريقية وحدها، لإنقاذ مالي، فإنهم سيدفعون بالقوات الأفريقية إلى مهمة انتحارية، إلا إذا اتفقوا مع الطوارق، ووافقوا على منحهم استقلال دولتهم أزواد. فالطوارق يعرفون صحراءهم وأسرارها.

لقد استحقت ليبيا عملية تدخل عسكري لأهداف إنسانية، لكن كما يبدو، فإن مالي لا تستحق لا بل دفعت ثمن تلك العملية، ووقعت الكارثة على تمبكتو.

وتمبكتو فخورة ومرتبطة بتراثها. كانت في الماضي بمثابة «أكسفورد» لأفريقيا. مدينة كانت بأكملها «جامعة» في القرن الخامس عشر، ناسها حتى الآن يحتفظون بصناديق مليئة بالمخطوطات الإسلامية والعربية القديمة، يخبئونها تحت أسرتهم. عام 1999 فكر رئيس جنوب أفريقيا السابق تابو امبيكي ببناء مكتبة جديدة في تمبكتو ليحفظ المخطوطات لأجيال المستقبل. وقال عنها «تمبكتو تشكل حلقة حيوية لماضي أفريقيا المجيد». المكتبة لم تفتتح بعد. الأسبوع الماضي، جاءت عناصر الظلام وحطمت كل شيء.

————–

نقلاً عن الشرق الأوسط

-- هدى الحسيني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*