الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مرسي رئيس لمصر أم لجماعة الإخوان؟

مرسي رئيس لمصر أم لجماعة الإخوان؟

بعد حلفه اليمين أمام المحكمة الدستورية العليا أصبح محمد مرسي، الرئيس السابق لحزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان المسلمين، رئيسا لشعب مصر بكافة طوائفه. وعلى الرغم من أن انتخابات الرئاسة أظهرت بوضوح انقسام المصريين مناصفة بين مؤيدي «الإخوان» ومعارضيهم، فقد ارتضى الشعب المصري برئاسة مرسي، آملين في بداية عهد جديد من الاستقرار السياسي والبناء الاقتصادي. إلا أن الرئيس الجديد لم ينتظر طويلا بعد وصوله إلى قصر الرئاسة، حتى فاجأ المصريين بقرار جمهوري يقضي بإعادة مجلس الشعب الإخواني الذي تم إلغاؤه بقرار من المحكمة الدستورية العليا. وبدلا من تنفيذ وعوده السابقة بحل المشاكل الملحة التي يعاني منها المصريين، بدا أن اهتمام الرئيس الجديد ينصب على إعادة برلمان «الإخوان» وفرض سيطرة جماعته على كل أركان الدولة.

ولم تمض سوى أيام قليلة بعد تولي مرسي رئاسة الجمهورية، حتى بدأ الصراع بين جماعة الإخوان وأجهزة الإعلام. فقد سارع مجلس الشورى التابع للجماعة بالإعلان عن رغبته في تغيير القيادات الصحافية في المؤسسات القومية وتعيين آخرين مكانهم، ليكونوا أكثر اقتناعا بسياسة «الإخوان» وأقل تعرضا للقضايا الخلافية. وكما كان الوضع قبل سقوط نظام الحزب الوطني من قبل، يريد «الإخوان» فرض سيطرتهم على الصحافة القومية، بحيث تتحدث باسم الحكومة الجديدة ولا تكون منبرا لمعارضة سياساتهم. وهكذا، بدلا من إسقاط النظام الشمولي الذي كان سائدا قبل ثورة «25 يناير»، يريد «الإخوان» أن يرثوا سلطات الحزب الوطني عن طريق فرض سيطرتهم على الإعلام.

وكان الرئيس جمال عبد الناصر قد أخضع الصحافة المصرية لنظام الرقابة بعد انقلاب 23 يوليو (تموز) 1952، ووضع ضابطا عسكريا في كل مؤسسة صحافية، بحيث لا يتم نشر أي خبر قبل موافقته عليه. ثم قام ناصر في 1960 بتأميم الصحافة كي تصبح خاضعة تماما للحكومة ولا تحتاج إلى رقابة خارجية. وعلى الرغم من سماح الرئيس السابق حسني مبارك بظهور صحف مستقلة منذ سنة 2000، فقد ظلت مؤسسات الصحف القومية: «الأهرام» و«الأخبار» و«الجمهورية» و«روزاليوسف» و«الهلال»، خاضعة للحكومة عن طريق تبعيتها لمجلس الشورى. فكان صفوت الشريف، أمين عام الحزب الوطني الحاكم ورئيس مجلس الشورى في ذات الوقت، هو الذي يشرف على الصحافة ويعين رؤساء التحرير ومجالس الإدارة.

وبعد ثورة «25 يناير» تمرد الصحافيون على قياداتهم القديمة، وأقاموا صحافة جديدة، تتميز بالمصداقية وتعبر عن كل وجهات النظر. ويبدو أن هذا الوضع الجديد لم يرض محمد بديع، مرشد «الإخوان المسلمين»، الذي هاجم الصحافة ووصف الصحافيين بأنهم مزورون مثل سحرة فرعون، بسبب معارضتهم لسياسة جماعته. وعلى الرغم من أن وصف بديع كان يمكن أن يكون صحيحا في السابق، فإن الوضع تغير تماما الآن بعد أن صمم الإعلاميون على احترام مهنتهم وعدم الالتزام بسياسة الحكومة. وهذا هو نفس ما فعله سحرة فرعون عندما شاهدوا برهان موسى: «وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ». وبدلا من احترام مصداقية الصحافيين الذين رفضوا النظام الشمولي كما رفض السحرة الخضوع لفرعون، راح رجال بديع ينتقمون من الصحافيين.

في هذه الظروف المتوترة قام الرئيس مرسي بزيارة المملكة العربية السعودية، للتباحث حول الموقف المصري الجديد من القضايا العربية الملحة، والتي غابت عنها مصر منذ قيام الثورة. ولما كان مرسي لم يعلن عن تشكيل حكومته قبل زيارته للمملكة، أصبح من الصعب التعرف على ملامح سياسته الجديدة، سواء فيما يتعلق بالسياسة الخارجية أو بالمسائل الاقتصادية. وبينما يريد مرسي الحصول على أكبر قدر من المساعدات والاستثمارات السعودية، فإن المملكة تريد التعرف على موقف الرئيس الجديد من القضايا العربية، وخاصة ما يتعلق منها بموقفه إزاء التهديدات الإيرانية لدول الخليج. فعلى الرغم من أن شعب مصر يقف صامدا في الصف العربي معارضا أي تهديد إيراني للمنطقة، فإن مرسي قد لا يلتزم بموقف شعبه في هذه المسألة. وكما فضل الرئيس تنفيذ برنامج «الإخوان» بإعادة البرلمان المنحل مخالفة للقانون، فمن المتوقع أن تعبر سياسته الخارجية عن برنامج «الإخوان» كذلك.

فـ«الإخوان» لا يؤمنون بالقومية المصرية أو العربية، حيث إنهم يقيمون سياستهم على أساس ديني عقائدي. وقد سمعنا مؤخرا أصواتا شاذة في مصر تطالب بإعادة العلاقات مع إيران، وتتجاهل تماما الأخطار التي تواجهها دول الخليج. وكان علي خامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيرن، قد اعتبر الثورة المصرية امتدادا للثورة الإيرانية، وحث قوى الإسلام السياسي في مصر للسيطرة عليها كما سيطر أتباع الخميني على ثورة الشباب الإيراني في 1979. وقال الكاتب الإسلامي المتعاطف مع النظام الإيراني فهمي هويدي: «لو كان لي من الأمر شيء لرجوت الرئيس محمد مرسي أن يؤجل لبعض الوقت زيارته إلى السعودية، وأذكر أن دول الخليج لم ترحب بالثورة المصرية، وقد تضاعف عدم الترحيب بعد فوز (الإخوان) في الانتخابات التشريعية. أما الانتخابات الرئاسية فقد اعتبرها بعض المسؤولين الخليجيين صدمة لهم». (جريدة «الشروق» القاهرية، 11 يوليو 2012)

وعلى الرغم من الموقف الضبابي الذي يحيط بالسياسة المصرية الآن، فيبدو أن شعب مصر قد بدأ يدرك المخاطر التي تحيط به من سيطرة صوت واحد على الأمور في البلاد. وإلى جانب رجال القضاء ورجال الإعلام بدأ صوت جديد يطالب بحماية مطالب ثورة «25 يناير». وبعد أن فرض «الإخوان» سيطرتهم على ميدان التحرير راح الثوار يجتمعون عند منصة مدينة نصر، حيث سقط أنور السادات شهيدا على يد جماعات الإسلام السياسي، بعد أن أعاد لمصر كل شبر من أرضها المحتلة.

————-

نقلاً عن الشرق الأوسط

-- أحمد عثمان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*