السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » نظرات في واقع التواصل بين الثقافات – المغرب أنموذجا –

نظرات في واقع التواصل بين الثقافات – المغرب أنموذجا –

نظرات في واقع التواصل بين الثقافات على هامش زيارة علمية أمريكية إلى المملكة المغربية

في زمن انحسار التواصل البنّاء بين الثقافات وانسداد قنوات التعاون الإنساني الحقيقي في مواجهة التهديدات المحدقة بالمصير المشترك للإنسانية، لا تتوانى الأصوات العاقلة والضمائر الحية المسكونة بهاجس التضامن الإنساني والسلم العالمي عن العمل على التأسيس لغد أكثر أمناً وتعايشاً بين الشعوب والثقافات. وفي هذا الإطار تندرج الزيارة التي يقوم بها في الفترة من 8 إلى 23 يوليوز الجاري وفد من الأساتذة الأمريكيين إلى عدد من المدن والجامعات والمؤسسات الرسمية وهيئات المجتمع المدني في المملكة المغربية، من مراكش إلى السعيدية مروراً بكل من الدار البيضاء والرباط والقنيطرة ومكناس وإفران وفاس وبركان ووجدة. وتأتي هذه الزيارة بمبادرة من عالم البيولوجيا الجزيئية الدكتور أحمد ينوري الذي أثبت جدارته وتميزه في مجالي العلم والأعمال في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو الشاب المغربي الذي يشغل منصب عضو مجلس إدارة مجلس الشؤون العالمية (The World Affairs Council) الذي تنظَّم الزيارة بشراكة بينه وبين وزارة الداخلية المغربية وسفارة المغرب في واشنطن، وذلك بهدف التعريف بتاريخ المغرب وحضارته وتصحيح المعلومات الخاطئة عن الإسلام والثقافة الإسلامية، وبخاصة أن عدداً من أعضاء الوفد الأمريكي أساتذة مختصون في تدريس تاريخ العالم (World History) للطلاب الأمريكيين.

ولقد سعدت بالمشاركة في فعاليات برنامج هذه الزيارة العلمية من خلال الكلمة التي ألقيتها في ورشة عمل حول الحوار بين الأديان والثقافات احتضنتها كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة ابن طفيل وتحدث فيها أيضاً من الجانب المغربي كل من الدكتور عبد الحنين بلحاج عميد الكلية، والدكتورة مريم ايت أحمد، أستاذة حوار الأديان في الكلية ورئيسة مركز إنماء للدراسات والأبحاث المستقبلية، والدكتور أحمد ينوري، المشرف على زيارة الوفد الأمريكي، فضلا عن الدكتور عبو رئيس شعبة الأدب الانجليزي في الكلية. وقد تميزت ورشة العمل العلمية وغيرها من فقرات برنامج الزيارة بنقاش ودي وصريح في الآن ذاته بين الطرفين المغربي والأمريكي تبادلا عبره الآراء والأفكار ووجهات النظر حول واقع وآفاق العلاقات الإسلامية الغربية عامة، والعلاقات المغربية الأمريكية على وجه الخصوص، وذلك على مدى يوم مرهق ومثمر من التفاعل والتثاقف كان همّنا المشترك خلاله الإسهام في تعزيز العلاقات العلمية والثقافية المغربية الأمريكية وتناول المسائل الفكرية الحقيقية التي ينبغي للنخب المثقفة في عالميْ الإسلام والغرب الخوض فيها من أجل مستقبل الإنسانية، بعدما تلهّت العديد من التيارات الفكرية في صراعات إيديولوجية أغرقت الساحتين الثقافيتين الإسلامية والغربية في معارك مصطنعة لا تعالج إشكالات حقيقية مطروحة فعلياً على واقع العلاقات الإسلامية الغربية ولا تسعى عملياً إلى رفع تحدّيات هذه العلاقات لتقيها الشرور المحدقة بها والأخطار المهدّدة لها. فكان الحديث عن الصور النمطية المتبادلة في صلب نقاشاتنا، باعتبار أن تغيير هذه الصور المتخيلة والتمثلات الذهنية من التحديات الكبرى التي تحول دون تحقيق الفهم والتفاهم بين الشعوب وتقف حجر عثرة في طريق مستقبل العلاقات السوية بين الثقافات، الأمر الذي يفرض تكثيف الجهود وتضافرها لتغيير هذه الصور النمطية بما يسهم في إنجاح العملية التواصلية وفي رسم مستقبل أكثر أمناً للبشرية واستقراراً للعلاقات بين الشعوب والثقافات.

إن المعادل الموضوعي لتحقيق تواصل بنّاء بين الثقافات هو الوعي بالحاجة الملحّة إلى تصحيح الشعوب لمعلوماتها الخاطئة عن غيرها وتغيير الصور النمطية العالقة بأذهانها عن تاريخه وثقافته، والاجتهاد في فقه واقع العصر في ظل العولمة وما تفرضه من تحدّيات على الهوية الحضارية للشعوب غير الغربية، بخاصة مع تشعّب موضوعها بسبب مجالات اشتغالها وآليات عملها التي تغطي الجوانب الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية والأمنية لعالم ما بعد الحرب الباردة، الأمر الذي يستوجب دراسة السبل الكفيلة بالاستفادة من إيجابياتها وتجنّب سلبياتها والعمل على تجاوز هذه السلبيات بما يكفل تغيير واقع العولمة والتأسيس لعالمية تجسّد التنوّع والتعدّد والاختلاف حقيقة وواقعاً معيشاً لا شعاراً أو ادّعاء، وتكفل حقّ جميع الثقافات والمجتمعات في حماية مصالحها والمحافظة على خصوصياتها. مع التأكيد أن الأمة الإسلامية برسالة دينها العالمية وقيمها الإنسانية قادرة على الإسهام في بناء هذا النموذج العالمي إن استطاع الفكر الإسلامي تجاوز آفات التخندق المحلي والمذهبي والطائفي وفتح نسق الأمة المعرفي على آفاق العالمية وفضاءاتها الرحبة ليعود إلى وسطيته واعتداله وعالمية دعوته وكونية رسالته.

ولهذا فإن العمل على تجديد الفكر الإسلامي من الأولويات التي يجب أن تعنى بها النخب الإسلامية حتى تعيد الأمّة إلى دائرة الفعل الحضاري والتأثير في مسارات الحضارة الإنسانية، وحتى يكون تفاعلها مع الحضارة المعاصرة والثقافات المغايرة تفاعلاً فعّالاً وانخراطها في واقع التواصل بين الثقافات انخراطاً بنّاء. ودون القيام بذلك سيظل فهمنا للعالم قاصراً وتفاعلنا مع أحداثه وتطوّراته وطفراته ناقصاً وتعاملنا مع مشاريع قوى الهيمنة عليه محصوراً في دائرة ردّ الفعل الذي لا يردّ خطراً محدقاً ولا ينتج معرفة بانية. ولا أدلّ على ذلك من طريقة تعامل العالم الإسلامي مع مشاريع بعض الأوساط الغربية المروّجة لمخططات الصدام بين الحضارات والساعية إلى إشعال فتيل حروب الأفكار والإيديولوجيات. ذلك أن معظم المواقف العربية الإسلامية من هذه الدعاوى والمخططات عمدت إلى إعادة إنتاج مواقف إيديولوجية من “الآخر” كثيراً ما طفت على النقاشات والجدالات الفكرية والفكرانية في سياق الاستجابة التاريخية للتحدّيات التي طالما فرضها هذا “الآخر” من خلال أفكاره ومعارفه وقيمه وثقافته التي عمل على تصديرها إلى المجال التداولي العربي الإسلامي منذ أن ارتقى الغرب مدارج التقدّم الحضاري، وسعى إلى فرضها خلال الحقبة الاستعمارية.

لقد خرجت أطروحة “صدام الحضارات” من أحد أشهر مراكز البحوث والدراسات الإستراتيجية الأمريكية ولاقت اهتماماً في الأوساط الفكرية والسياسية والإعلامية الغربية والإسلامية، ولم تخرج الدراسات والقراءات النقدية الصادرة من العالم الإسلامي لهذه النظرية عن دائرة الدفاع عن النفس واستنكار المزاعم الهنتنغتونية والدفع ببراءة الثقافة الإسلامية من التهم التي ألصقت بها في المجال التداولي الغربي، دون أن تتجاوز ذلك إلى بناء نظرية معرفية في العلاقات الحضارية مدعّمةٍ بأرضية قيمية وتاريخية صلبة من التعايش السلمي والتلاقح الثقافي بين العالم الإسلامي والغرب تجعل التواصل بين الثقافات جسراً نحو مجتمع عالمي متعايش ومتضامن ومتعاون.

لا يعني هذا أنني أبخس الباحثين في الموضوع جهودهم واجتهاداتهم، فالعالم الإسلامي سعى إلى طرح مشروع الحوار بين الحضارات بديلاً لأطروحة صدام الحضارات، لكنه ظل، في الغالب الأعم، مشروعاً من دون عُدّة منهاجية ولا تأسيس معرفي يحدّد خريطة الطريق نحو تحقيق هذا المشروع وتحويله إلى واقع. فقد بقي شعاراً يُرفع لتبرئة الذمة والدفاع عن النفس دون أن يجد طريقه إلى التأثير المباشر في دوائر صناعة القرار أو وسائل وقنوات تشكيل قناعات الرأي العام. وزاد من هذا الفشل أن كثيراً من المؤسسات والمنظمات العربية والإسلامية التي يفترض أن تتناول الموضوع من الزاوية المعرفية والإستراتيجية لم تضطلع بالدور المنوط بها ولم تستغل الوسائل والوسائط والمنابر والإمكانات التي أتيحت لها من أجل طرح مشروع جادّ ومتكامل مؤسَّس على رؤية معرفية إسلامية إنسانية للعلاقات بين الثقافات، وإنما ظلت جل خطاباتها مجرّد اجترار لشعارات فضفاضة لا تناقش الإشكالات المعرفية في هذا الصّدد مناقشة علمية ولا تهتمّ بإنتاج معرفة تضمن السلم والأمان لمستقبل العلاقات بين الثقافات والمجتمعات الإنسانية، بقدر ما اعتبرت منتديات الحوار بين الثقافات وملتقيات التحالف بين الحضارات فرصة لسياحة المؤتمرات، وأحياناً لتبرير هدر الأموال وتبديد الموازنات والكذب على الرأي العام من خلال حشو تقاريرها الرسمية بعشرات الصفحات عن “جهودها في مجال تصحيح صورة الإسلام وتعزيز الحوار بين الثقافات والحضارات”. والحال أن هذه الجهود المزعومة لم تتجاوز حضورها المحتشم في بعض منتديات الحوار، دون أن يكون لهذا الحضور أثر ميداني في تفعيل قنوات الحوار ونشر ثقافته بين الشعوب، أو تأثير في تغيير الصور النمطية السلبية عن الإسلام والمسلمين في الوعي الجمعي للمجتمعات الغربية.

وفي مقابل ذلك، حظي موضوع العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب باهتمام جاد في الدائرة الحضارية الغربية، جسّدته الأطروحات التنظيرية لمؤسسات البحوث والدراسات الغربية ومراكز التفكير (Think Tanks) الأمريكية التي تجنّدت، خصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من شتنبر 2011، لبلورة أفكارها وعرض رؤاها وإعداد تقاريرها حول الموضوع، إسهاماً منها في صنع السياسات ورسم الإستراتيجيات الغربية وتوجيه الإعلام والرأي العام لتبنّي رؤاها ومواقفها من الإسلام والمسلمين ومستقبل علاقات الغرب مع العالم الإسلامي.

ولذلك، فقد وجب تركيز الجهد على تغيير سياسات واستراتيجيات ومناهج عمل المنظمات والمؤسسات العربية والإسلامية المعنية حتى تقوم بدورها المفترض في التقريب بين الشعوب والتواصل بين الثقافات وتصحيح المعلومات الخاطئة عن الإسلام لتغيير الصور النمطية السائدة عن المسلمين، والتي تسهم بعض هذه المنظمات في ترسيخها، لا في تصحيحها، بسبب استشراء الفساد فيها وتحكّم الاستبداد في عملها وتدبير شؤونها، الأمر الذي يستوجب ثورة على بنية الاستبداد والفساد فيها وتوجيهها لخدمة مصالح الأمّة وليس المصالح الشخصية لمسؤوليها ورؤسائها ومديريها، والذين قضى بعضهم في مناصبهم سنوات عديدة خارج الشرعية القانونية ضداً على ميثاق المنظمة التي يرأسونها. ولربّما يدفع سياق الثورات العربية والربيع الديمقراطي في هذا الاتجاه، فيكون إقرار الديمقراطية في الدول العربية الإسلامية والمنظمات والمؤسسات التابعة لها عاملاً رئيساً في تغيير الصور النمطية السلبية الرائجة عن المسلمين في الإعلام الغربي وفي أذهان قطاعات واسعة في المجتمعات الغربية.

ولا يعني الحديث عن الديمقراطية والإصلاح والتغيير في هذا المقام أنني أرى الحلّ لمعضلات العالم الإسلامي وآفاته وانحسار دوره الحضاري والتواصلي، في معالجة وضعه السياسي وحسب، وإنما أرى أن كسب رهان التقدّم الذي يجعل العالم الإسلامي رقماً صعباً في معادلة التواصل بين الثقافات مشروط بإيلاء المعرفة والعلم والفكر والثقافة والتربية والتعليم الأولوية في رفع التحديات، لأن لهذه القطاعات الحيوية دورها المهم، ليس فقط في التأسيس للعلاقة بين الثقافات أو في إصلاح مساراتها، وإنما أيضاً في إدارة الصراع إن فرض على شعب ما أو ثقافة ما خوضه والانخراط فيه. وقبل ذلك، في تجنّب الصدامات والنزاعات من خلال بناء العلاقة بين الثقافات على أسس العلم والمعرفة التي لا يمكن أن تكون مآلاتها غير التعارف والتعاون والسلام. فلا شك أن في تعرّف كل طرف على “الآخر” وتعارفه معه واعترافه به دافعاً إلى التعاون في رأب الصدع وفضّ النزاعات والتعالي على الضغائن وإزالة الخصومات وتضييق الهوة بين الشعوب وتحقيق التواصل البنّاء بين الثقافات. ولقد كانت الثقافة عبر التاريخ فاعلاً رئيساً في عملية التغيير على مختلف الجبهات وفي سائر المحطات التاريخية، ومن دونها لا يستطيع العالم الإسلامي اليوم بناء واقع جديد يضعه على قاطرة التاريخ الذي أصبح بفعل تخلفه على هامشه وفي منأى عن صناعته وتوجيه بوصلته.

ولذلك، فقد كان من هواجس هذه الورشة العلمية التي احتضنتها كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة ابن طفيل أن تبسط أفكاراً ورؤى مغربية وأمريكية تسهم في بلورة مشروع فكري بديل لأطروحة صدام الحضارات، من خلال البحث في سبل استثمار التاريخ المشترك بين العالم الإسلامي والغرب والقيم الإنسانية المشتركة بين الأديان والثقافات لتحقيق تواصل بنّاء بينها على قاعدة الندّية والاحترام المتبادل الذي لن يكون للعالم الإسلامي منه نصيب إلا إذا استغل قدراته الكامنة في صناعة تاريخ جديد يخرجه من شرنقة التقهقر والانحطاط ومن وهدة التخلف والجمود. وتلك معضلة كبرى، تنضاف إلى غيرها من المعضلات، التي لا مناصّ من معالجتها إن أراد العالم الإسلامي الانخراط الفاعل في مشروع التواصل البنّاء بين الثقافات وفي البنَاء الحضاري الكوني والإنساني.

وكان من ما يثلج الصدر ذلك الإجماع من أعضاء الوفد الأمريكي على أن اكتشافهم للمغرب على حقيقته بجماله وتنوعه ولشعبه على طبيعته وسجيته بطيبوبته وقيم التعايش المترسّخة في وجدانه وثقافته واحترامه للآخر على اختلاف دينه وحضارته، يدفعهم إلى الاعتقاد بأن المغرب مؤهل أكثر من غيره بأصالته الإسلامية وانفتاحه على مختلف الأنساق الثقافية والتجارب الإنسانية للاضطلاع بدور محوري في تليين الدم المتكلس في عروق العلاقة المترهّلة بين الشعوب الإسلامية والغربية، مؤكدين استعدادهم للتعاون مع المغرب في هذا الإطار، ومبرزين اعتقادهم في قدرة المغرب بوصفه أرض التعايش والاستقرار والمحبة والسلام على الإسهام في دفع المجتمعات الإسلامية والغربية على تجاوز الخوف والشكّ المتبادلين بينها على طريق تعزيز المشترك الإنساني وتدشين تاريخ جديد من التعايش والسلام، وهذا ما لن يتأتّى إلا بالتواصل البنّاء بين الثقافات المبني على أسس متينة تمثلها القيم المشتركة والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة التي لا تهتزّ لخلافات عرضية عابرة ولا لسياسات توسّعية مغامرة، وإنما يقوم عليها مستقبل العلاقات بين الشعوب والثقافات ويشيَّد على مداميكها صرح حضارة إنسانية يسهم فيها الجميع ويستفيد منها الجميع دون تحيّزات سياسية أو إثنية أو مِلّية أو ثقافية.

المصدر:هسبريس

-- د.محمد بنصالح

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*