الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » آخر إفرازات العقل الفقهي : المتعة الحلال.

آخر إفرازات العقل الفقهي : المتعة الحلال.

بالقدر الذي تعيش فيه شعوب الأرض عصر الثورات التقنية والعلمية الهائلة  التي تفتح الآفاق الرحبة والواسعة أمام الإنسان لاكتشاف الكون وتسهيل سبل الحياة وظروفها ، حيث يقاس تقدم الأمم بمدى ما تقدمه من إسهامات تنفع البشرية ، بالقدر تتأخر فيه بعض الشعوب ، فتنحصر هوامش إسهامها في المكتسبات الحضارية والعلمية بما ينفع الناس أجمعين . 

في خضم هذه المفارقة تبرز إفرازات العقل العربي التي لا يضاهيها في الخسة والانحطاط ما مجته الإنسانية بعد تخلصها  من مرحلة الطبيعة لتنتقل إلى مرحلة  المدنية .

وإذا كان للعقل العربي ،خلال عصر الازدهار الحضاري ، إسهاماته النوعية في مختلف المجالات المعرفية ، فإن فترة التأخر التي امتدت لقرون ولا زالت مستمرة حتى الآن  ، أصابت هذا العقل بالعقم الحضاري إلا مما بات يفسد الذوق والخلق ويمتهن الإنسانية كقيمة سامية تكرمها الأديان السماوية خاصة الإسلام . 

فقد طفت على السطح كثير من الممارسات التي باتت تشريعا يستمد “شرعيته” من التأويل الشهواني للنصوص الدينية ، القرآن  الكريم  والسنة النبوية الشريفة ؛ بحيث غدا باب الاجتهاد مشرعا لتوسيع مساحة المباح والجائز للتيسير على الناس أمر شهواتهم الجنسية وتمكينهم من إشباعها دون الشعور بالإثم أو وخز الضمير . 

وهذا هو المجال الوحيد الذي يمتلك فيه العقل الفقهي صفة الليونة والطراوة والانفتاح والتيسير ؛ فيشرع في صياغة سلسلة من العلاقات الجنسية تقوم على الإشباع والمتعة “الحلال” بما يجعلها تنفلت ، بكل تعسف ، من دائرة المحرّم وما يستتبعه من أحكام فقهية وقضائية تختلف في العقوبة وتتفق في الإدانة . فكل المجالات الفقهية التي تتعلق بالعبادات والمعاملات ظلت سجينة فقه قروسطي تحكمه قاعدة مقلوبة ومصادمة لمبادىء الدين وقواعد العقل تنطلق من ، وتفرض على الناس الاعتقاد بأن كل شيء حرام إلا ما ورد فيه نص يبيحه . 

فنجد بعض التيارات الدينية على اختلاف أطيافها  تلتزم بهذه القاعدة وتلزم بها غيرها ، حتى بات مجال المحظور أوسع من مجال المباح خلافا لما تنص عليه التشريعات السماوية . فبعض أصحاب العقل الفقهي يلعب دورين متعارضين : دور الحِجر والتشديد في كل المجالات الدينية والدنيوية ،الذي وضعت له ضوابط “يأثم” متجاهلها ، ورغم الانتقادات التي توجه للعقل الفقهي المسلم بهدف دفعه إلى الانفتاح والتيسير ورفع الحرج امتثالا لقوله تعالى ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) وقوله تعالى (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا )، وقول الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) (إن هذا الدين يسر ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه ) ؛ يصر هذا العقل على الغلو والتضييق . 

لكن حين يتعلق الأمر بالشهوات الجنسية ، يتخلى العقل إياه عن القيود والأغلال التي تسلح بها ليشدد على الناس أمر دينهم ودنياهم ، وينطلق في التشريع الحر تروحا عن النفس وإشباعا للجنس في إطار “الحلال” الذي بات أوسع مجالا من “الحرام” . 

هنا تفتقت عبقرية  هذا العقل ولم يعد يؤمن بأن للاجتهاد حدودا وضوابط . 

فجاءت آخر إبداعاته الفقهية “زواج ملك اليمين” على يد عبد الرؤوف عون الذي فضل نقل حفل زواجه وفق النمط الجديد على قناة دريم يوم 2 يولويز 2012 ، ودعا عموم المسلمين إلى اتباع نهجه تيسيرا لهم وتشجيعا على إشباع المتعة “بالحلال” ، بحيث شدد قائلاً: “إننا كمسلمين حالياً نقوم بتعقيد الأمور أكثر من اللازم، ومنها ما كانت مباحة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، مثل نظام ملك اليمين ونظام زواج المتعة الذي كان مباحاً، وحتى نظام الزواج التقليدي وهو الوحيد الذي بقي من عهد الرسول قمنا بتعقيده” . 

ولشرعنة اجتهاده وتقعيده ، استشهد بالنص الديني قائلا :” لا ينفع أن نضيق على الناس شيئاً وسّعه الله، الذي قال في القرآن الكريم “فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ”. ويقول في وصف المؤمنين “وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ” . وبحسبه “الزواج أصلاً لا يشترط فيه التوثيق عند مأذون، ولكن يشترط الثقة بين الطرفين” . 

وبمقتضى هذا الاجتهاد يمكن للمرأة والرجل أن يقيما علاقة جنسية وفق صيغة  زواج ” ملك اليمين” الذي لا يشترط توثيقا للزواج ولا شهودا ولا مهرا ولا نفقة ؛ ويكفي لإبرامه أن تقول المرأة: “ملكتك نفسي على كتاب الله”، بدلا من أن تقول زوجتك  . وفي المقابل يرد عليها الرجل “قبلت وكاتبتك على سورة كذا أو آية كذا” . 

ويوضح عبد الرؤوف عون خصوصيات هذا “الزواج” قائلا “أحببنا أن نؤكد للجميع أن علاقة الزواج وعلاقة ملك اليمين مبنية على الحب والرحمة، وليس علاقة تجارية مبنية على المال، فكان مهرها آيات من القرآن، ولذلك قلت لها: قبلت وكاتبتك على سورة الإخلاص، لكي تبقى العصمة في يديها، فلو أرادت في أي وقت أن تنفصل تقرأ تلك السورة وبذلك تصبح حرة مني”.. هي حرية لا تضمن للمرأة حقوق النفقة أو الحضانة . 

فما الفرق بين الزنا كعلاقة جنسية بين الرجل والمرأة مبنية على الرضا وغير موثقة ، ومتوقفة على حرية المرأة في مواصلة العلاقة أو قطعها ، وبين “زواج ملك اليمين” الذي يقوم على نفس الأسس ؟؟ فما علة تحريم الأول وتحليل الثاني؟ بغض النظر عن الجدل الفقهي الذي أثاره الفقيه عبد الرؤوف عون بممارسته وتشريعه لزواج “ملك اليمين”، فإن ما يثير السؤال والفضول هو الطابع المرن والاستثنائي للعقل الفقهي في شرعنة المتع الجنسية عبر ابتكار مسميات عديدة لنفس العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة .

 وهكذا وضع هذا العقل عناوين لابتكاراته ، ومنها  : زواج المسيار ، زواج المصياف ، زواج القعدة ، زواج المتعة ؛ وكلها لا تضمن للمرأة حقوقها ولا حقوق أبنائها ، بعد أن تحصل على مبلغ مالي إجمالي موافق بشأنه ، مقابل ما تحققه من متعة جنسية للرجل . إنها الحرية الجنسية بامتياز التي لم ينتفض ضدها  شيوخ التطرف في المغرب مثلما فعلوا مع الصحافي لمختار لغزيوي الذي كفروه وأهدروا دمه . 

 ولو أن لهذا العقل الفقهي المسلم نفس المرونة والانفتاح  في مجال الأمور الدينية والدنيوية  مثلما له في مجال الجنس ، لهان على المسلمين التشبع بقيم الاختلاف والحوار والتعايش ، ولنبذوا  فقه الكراهية والتكفير وسفك دماء الخصوم والمخالفين . 

فإن كان ولا بد من تيسير وتنوير للعقل ، فليكن في المجال الفكري والسياسي المبنيان على الاختلاف والحوار والاحترام كقيم سامية تقدس إنسانية الإنسان وتصون كرامته بغض النظر عن جنسه ولونه وعقيدته .

-- سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*