الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » «معسكر أشرف»: تعزيز التوصل إلى حل سلمي

«معسكر أشرف»: تعزيز التوصل إلى حل سلمي

تعمل الأمم المتحدة من خلال بعثتها السياسية في العراق، بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، على العديد من الجبهات لتعزيز الاستقرار والمصالحة في هذا البلد ومساعدة السلطات على تنظيم انتخابات تاريخية ووضع بعض الخطط لتطوير البلد وتحسين علاقاته مع جيرانه، فضلا عن تعزيز الحوار الوطني والتوافق بين مختلف الطوائف في العراق.

على الرغم من مساهماتها الهائلة في إنقاذ الكثير من الأرواح، ربما تعد الجهود الحالية التي تقوم بها بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق غير معروفة إلى حد كبير، حيث تقوم البعثة بجهود مضنية في مجال الدبلوماسية الوقائية لتفادي إراقة المزيد من الدماء في «معسكر أشرف»، والذي استمرت فيه المواجهات العنيفة بين الحكومة وجماعة «مجاهدين خلق»، وهي جماعة إيرانية معارضة موجودة في المنفى، لفترة طويلة.

ومنذ عقود طويلة، تشغل جماعة «مجاهدين خلق» هذا المعسكر، وهو موقع متمتع بالحكم الذاتي يبعد بضع ساعات فقط بالسيارة من العاصمة العراقية بغداد. وبينما شهدت السياسات العراقية تحولا جذريا عقب سقوط نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، تغير أيضا موقف السلطات العراقية الحالية تجاه هذه الجماعة.

إغلاق المعسكر: أكدت الحكومة العراقية الحالية على رغبتها في إغلاق «معسكر أشرف» وطرد جماعة مجاهدين خلق – وهي جماعة حاربت في الماضي إلى جانب صدام حسين وتعتبرها الولايات المتحدة الأميركية منظمة إرهابية – إلى خارج العراق، حيث ترى الحكومة العراقية أن وجود هذه الجماعة في مكان خارج عن سيطرتها يعد بمثابة الإهانة للسيادة الوطنية.

وعندما أعلنت الحكومة العراقية في أواخر العام الماضي عن قرارها بإغلاق المعسكر بحلول يوم 31 ديسمبر (كانون الأول)، خشي الكثيرون من تكرار موجة العنف التي حدثت في شهر أبريل (نيسان) عام 2011، عندما لقي العشرات من سكان «معسكر أشرف» مصرعهم في الاشتباكات التي جرت مع قوات الأمن العراقية داخل المعسكر، بينما أودت الأحداث السابقة التي وقعت في عام 2009 بحياة 10 من سكان المعسكر على الأقل.

ماراثون دبلوماسي: ولتجنب وقوع أحداث مماثلة، قامت الأمم المتحدة بجهود مكثفة للتوصل إلى حل سلمي لهذه الأزمة، حيث حث الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي على تمديد الموعد النهائي لغلق المعسكر، وهو الأمر الذي وافق عليه المالكي. وفر هذا المد بعض الوقت للقيام بجهود ماراثونية في مجال الدبلوماسية الوقائية بقيادة مارتن كوبلر، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، والذي قام بالتوسط بين الحكومة العراقية وجماعة «مجاهدين خلق».

يقول كوبلر: «استطاعت الأمم المتحدة، باعتبارها جهة محايدة، التعامل مع كلا الطرفين». وبمساعدة بعض الحكومات الأخرى، بما في ذلك الإدارة الأميركية، تمكن كوبلر من رأب الصدع بين الجهتين والتوصل إلى اتفاقية تحترم السيادة العراقية وتوفر مسارا أمنيا وطوعيا لسكان «معسكر أشرف» للحصول على حياة تتسم بالكثير من الأمل خارج الحدود العراقية.

ترحيل طوعي: تأخذ مذكرة التفاهم النهائية، التي قامت الأمم المتحدة والحكومة العراقية بالتوقيع عليها في أواخر شهر ديسمبر (كانون الأول) عام 2011، المخاوف الرئيسية لكلا الطرفين في الحسبان، فوفقا لأحكام المذكرة، سوف يتم إغلاق «معسكر أشرف» وترحيل سكانه بصورة طوعية إلى موقع آخر مؤقت، وهو «معسكر الحرية»، والذي كان فيما مضى قاعدة لمشاة البحرية الأميركية ويقع بالقرب من مطار بغداد.

تقبلت الحكومة العراقية الاضطلاع بالمسؤولية الكاملة بشأن أمن وسلامة السكان هناك، بداية من عملية النقل مرورا بإقامتهم في «معسكر الحرية». تنص مذكرة التفاهم على أنه لن يتم إعادة أي من هؤلاء السكان قصرا إلى إيران أو إعادة توطين أي شخص في بلد ثالث ضد رغبته.

يهدف هذا التحدي، والذي بذلت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق جهودا هائلة من أجل إتمامه، إلى ضمان إعادة توطين سكان المعسكر من دون حدوث أي أعمال عنف.

ونتيجة للجهود التي قامت بها بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، عبرت القافلة الأولى التي تقل 400 من سكان «معسكر أشرف» الصحراء العراقية في يوم 17 فبراير (شباط) باتجاه منازلهم المؤقتة في «معسكر الحرية». وبنهاية شهر يونيو (حزيران) الماضي، تم نقل 2,000 شخص، نحو ثلثي سكان المعسكر، إلى الموقع الجديد، بينما لا يزال 1,200 شخص آخر في المعسكر السابق بانتظار النقل.

يتم نقل السكان في قوافل طويلة من المركبات التي تمر في واحدة من المناطق الخطيرة، حيث يعد التعرض لاعتداءات من جانبي الطريق أمرا شائع الحدوث، فضلا عن أنه هذه العملية تتضمن استعدادات أمنية ولوجستية معقدة. تقوم بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق بمراقبة عملية إعادة التوطين، فضلا عن قيامها بمراقبة الموضوعات المتعلقة بحقوق الإنسان في «معسكر الحرية» على مدار الساعة.

الوساطة الحالية: منذ التوقيع على هذه الاتفاقيات، استمرت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق في جهودها الرامية للوساطة بين السكان والحكومة العراقية لوضع هذه العملية على مسارها الصحيح. تتضمن هذه الجهود كل شيء بداية من إجراء محادثات رفيعة المستوى للتأكد من التزام كلا الطرفين بهذه العملية وحتى إجراء المفاوضات حول المشكلات العملية والإنسانية المتعلقة بإدارة المعسكر. يقول كوبلر: «ما هي كمية المياه التي يسمح للسكان باستهلاكها في اليوم، وما هي الطريقة التي يتم بها إدارة الموضوعات الخاصة بالصرف الصحي والقمامة، تخضع كل هذه الموضوعات للمفاوضات الطويلة المفصلة التي تقوم بها البعثة أيضا».

إعادة التوطين خارج العراق: وفي هذه الأثناء، بدأت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تحديد سكان المعسكر الذين يستحقون الحصول على صفة لاجئ، مما يمهد الطريق أمام التوصل إلى حل على المدى الطويل يتعلق بإعادة توطينهم خارج العراق. يقول كوبلر: «يعد (معسكر الحرية) مجرد حل مؤقت فقط، حيث إن إعادة التوطين هي السبيل الوحيد لنجاح هذه الجهود. يجب أن تكون هناك بعض البلدان على استعداد لقبول وجود سكان (معسكر أشرف) على أراضيها بعد حصولهم على صفة لاجئ».

وحتى الآن، هناك تعهدات محدودة من جانب بعض الحكومات باستقبال سكان «معسكر أشرف»، حيث طالب كوبلر بحصول هؤلاء السكان على صفة لاجئين بصورة سريعة حتى يتسنى لهم مناقشة مسألة التوطين بصورة أكثر جدية.

وضع هش: وعلى الرغم من عدم وقوع أي أعمال عنف منذ بداية هذه العملية حتى الوقت الراهن، فإن تباطؤ عملية النقل أثناء شهري مايو (أيار) ويونيو قد أدى إلى تجدد التوتر وتبادل الاتهامات، مما يتطلب القيام مجددا بجهود دبلوماسية رفيعة المستوى على أمل الاستمرار في هذه العملية بأسرع وقت ممكن. ويضيف كوبلر: «لا يزال الوضع هشا، فالمسؤولية تقع على عاتق الحكومة العراقية وسكان المعسكر في إنهاء عملية إعادة التوطين بصورة سلمية ومنظمة».

———–

نقلاً عن الشرق الأوسط

* رئيس وزراء الجزائر سابقا ورئيس اللجنة العربية الإسلامية للدفاع عن سكان «أشرف»

-- سيد أحمد غزالي *

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*