الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الإسلام بين النص والتطبيق

الإسلام بين النص والتطبيق

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

فطالما أُثِيرَت الشبهات حول الإسلام مِن جهة تصرُّفات آحاد الناس، وهذه إحدى  أكبر إشكاليات المعارضين للصحوة الإسلامية، عليها يتكئون، ولها يستدلون بما وقع في بعض صفحات التطبيق الإسلامي مِن  أخطاء، وهي إثارة لا محل لها؛ وذلك لأمور:

الأول: أن أخطاء التطبيق لا تعود على النص بالبطلان:

فالتطبيق فرعٌ، والنصُّ أصلٌ، ومن المعلوم أن علة الفرع إذا عادت على الأصل بالبطلان فهي باطلة، وبطريقة أخرى: فإن بطلان الفرع لا يستلزم بطلان الأصل، والمسلمون بشرٌ يعتريهم الخطأ، وهم في تطبيقهم للإسلام كالفروع بالنسبة له، وهو أصلٌ عليه يدورون، لكنه أصلٌ ثابتٌ لا يدخله التحريف ولا التغيير أو التبديل مهما طال الزمن، وتغيرت الأشخاص، مصداقًا لقول الله عز وجل: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» [الحجر: 9]، وقوله تبارك وتعالى: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ» [فُصِّلَتْ: 41، 42] .

يقول الإمام البيهقي: «فمَن أَجَازَ أَنْ يتمكن أحدٌ مِن زيادة شيءٍ في القرآن، أو نقصانه منه، أو تحريفه؛ فقد كذَّبَ اللهَ في خبرِه، وأَجَازَ الخُلْفَ فيه، وذلك كُفْرٌ، وأيضا فإِنَّ ذلك لو كان ممكنًا لم يكن أحدٌ مِن المسلمين على ثقة مِن دينه، ويقين ممَّا هو متمسِّكٌ به؛ لِأَنَّهُ كان لا يَأْمَنُ أَنْ يكونَ فيما كُتِمَ مِن القرآن أو ضاع بِنَسْخِ شيء مما هو ثابتٌ مِن الأحكام، أو تبديله بغيره، وبَسَطَ الحَلِيميُّ رحمه الله الكلامَ فيه، فصَحَّ أَنَّ مِن تمام الإيمان بالقرآن الاعترافُ بِأَنَّ جميعه هو هذا المتوارث خَلَفًا عن سَلَفٍ لا زيادة فيه، ولا نقصان منه»([1]).

ثانيًا: أن الخطأ في التفسير لا يؤثر على بنيان النص:

وهذا مِن المعلوم المتفق عليه بين جميع البشر، ولا يزال الناس يختلفون في تفسير وشروح النصوص على مرِّ العصور، ولم يقل أحدٌ بأن الخطأ في تفسير النص وشرحه يستلزم الخطأ في النص نفسه، أو يؤثر على بنيان النص نفسه ويعود عليه بالبطلان أو الإلغاء أو المنع مِن محاولة التطبيق له، أو إعادة تفسيره وشرحه وفَهْمه مرة بعد مرة، حتى يصل الإنسان إلى المعنى المطلوب والمقصود مِن النص. 

ونحن نرى عشرات بل مئات الكتب التي أُلِّفَتْ في شرح وتفسير أصول الإسلام، واستدراك الكتب اللاحقة على السابقة، والرد عليها، وبيان ما فيها مِن أخطاء في شروح الإسلام وتفسيراته.

ونرى الأمر نفسه عند الاختلاف في فَهْم وشرح وتفسير الأقوال والنصوص القانونية والشِّعْرية، وغيرها من النصوص البشرية على مدار التاريخ، ولم يقل أحدٌ مِمَّن استدرك أو خطَّأَ مَن قبله في شرحه وتفسيره بأن هذا الخطأ يعود على النص نفسه بالإلغاء أو الإبطال.

وإنما يتفق الجميع على إهدار وتزييف الخطأ أيًّا كان، وإعادة محاولة تفسير وشرح وفَهْم النص مرة أخرى، لإعادة تطبيقه على الوجه الصحيح المقصود منه.

وهذا لا جدال فيه بين أحدٍ، ولا ينكره أحدٌ.

ثالثًا: متى يتغيَّر النص؟

وكما قلنا آنفًا بأن أخطاء التطبيق أو التفسيرات والشروح لا تتأثر بها النصوص مِن حيثُ بنية النص، وإِنْ تأَثَّرَتْ بها بنية المعنى، لكن يظل المعنى الجديد القائم على الخطأ في الفهم أو التفسير معنًى غير أصيلٍ، فهو معنى وهمي لا حقيقة له في الواقع، ولا يمت للنص بصلة؛ إِذْ هو معنى مجاف للحقيقة، وقع على سبيل خطأ الآخرين عند تناولهم لنصٍّ معين.

لكن تنقلب الأمور عندما تمتد اليد إلى النص نفسه بالتغيير أو التبديل، وهذا قد حفظ الله عز وجل منه هذه الأمة المسلمة، فأَنْزَلَ لها الذِّكْرَ وتكَفَّل بحِفظِه تبارك وتعالى، كما أشرنا آنفًا، فلله الحمد والمنة.

غير أنّ الأمر ليس كذلك في بقية الأمم، أو في النصوص البشرية مِن باب أولى، ومِن هنا وقع التبديل والتحريف، وحصل التغيير في بنية النص نفسه، بما استلزمه ذلك مِن تبديلٍ وتحريفٍ في مسار هذه الأمم، وتلك النصوص.

وشتَّان بين أن يقع الخطأ في المعنى، فيمضي النص سليمًا، إلى أن يجد مَن يجيد فهمه ويصل للمطلوب منه، وبين أنْ يقع التبديل والتحريف في بنية النص، فتنتهي بذلك حياة النص، وتبدأ حياة جديدة لنصٍّ جديدٍ بمسارٍ آخر غير الذي سبق.

ويُجسِّد الفرق بين الأمرين: قولُ سفيان بن عُيَيْنَةَ «في قول الله عز وجل في التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ: {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ} فَجَعَلَ حِفْظَهُ إليهم فضاع , وقال عز وجل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} فَحَفِظَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا فَلَمْ يَضِعْ».

نقل البيهقيُّ كلامَ ابنِ عُيَيْنَةَ هذا؛ ثم قال البيهقيُّ: «وفي الكتاب ثم في أخبار السلف دلالةٌ على أَنَّ الأمم السالفة كانوا إذا غَيَّرُوا شيئًا مِن أديانهم غَيَّرُوهُ أَوَّلاً مِن كُتُبِهِمْ، واعْتَقَدُوا خِلاَفَهُ بقلوبهم، ثم أَتْبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ أَقْوَالَهُمْ وَأَفْعَالَهُمْ . وفي هذه الأمة قد حَفِظَ اللهُ تعالى عليهم كتابه، وسُنَّةَ نبيِّه صلى الله عليه وسلم، وَثَبَّتَهُمْ على عقائدهم، حتى لا يُغَيِّرُوا شيئًا منها، وإِنْ كان فِعْلاً؛ وقال بعضُهم بِشَهْوَةٍ أو بِغَفْلَةٍ خِلاَفَهَا، والحمدُ لله على حِفْظِ دِينِهِ، وعلى ما هدانا لمعرفته, وَنَسْأَلُهُ الثَّبَاتَ إلى الممات، والمغفرة يوم تُحْشَرُ الأموات, إِلَهٌ سميع الدعاء، فَعَّالٌ لما يشاء، والصلاة على نبيه محمدٍ وعلى آله وسلم»([2]).

فنحن في هذه الحالة أو في هذا المعنى الوارد في كلام ابن عُيينة ثم البيهقي: أمام تغيير في بنية النص عمدًا، وشتان بين هذا التغيير العمدي في بنية النص، وبين الخطأ في الشرح أو التفسير للنص مع المحافظة على بنيته كما هي دون مساسٍ.

فالخطأ في الشرح مع بقاء البنية النصية، تجعل النص أهلًا لإعادة النظر فيه مرة أخرى، وتصحيح الخطأ في الشرح أو التفسير، بينما التغيير في بنيته تعني طمس معالمه الأولى، وتبديله وتحريفه، والانحراف به عن مساره الأصلي إلى مسارٍ آخر لا يلبث أنْ يتعدّل ثانية بالإضافة أو الحذف، حتى تنتهي صلته بمساره وبنيته الأولى.

فشتَّان بين الأمرين.

وكما أسلفنا فإِنَّ (النصَّ) أصلٌ، و(التطبيق) فرعٌ، وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله: «ولا يُقَالُ للأصل: لِـمَ؟ ولا كَيْفَ؟ إِنَّمَا يُقَالُ للفرع: لِـمَ؟ فإذا صَحَّ قِيَاسُهُ على الأصل صَحَّ، وقَامَتْ به الحُجَّةُ»([3]).

فالنصُّ أصلٌ سابق ثابتٌ، والتطبيق فرعٌ لاحقٌ، يقال له: لِـمَ؟ وكَيْفَ؟ ويُناقش فيه ويُعدَّل ويُرَاجَع لينضبط على الأصل، ويصح قياسه عليه، فهي معركة في الفرع (التطبيق) لينضبط على الأصل (النص)، ويظل بنيان الأصل (النص) راسخًا ثابتًا شامخًا كالجبال.

والحمد لله رب العالمين.

—————–

المراجع

([1]) «شعب الإيمان» للبيهقي (1/339).

([2]) «دلائل النبوة» للبيهقي (7/160).

([3]) «آداب الشافعي ومناقبه» لابن أبي حاتم (ص/178).

————–

نقلاً عن المركز العربي للدراسات 

-- أ. صلاح بن فتحي هَلَل*

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*