السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » أزمة الثورة مع الدولة!

أزمة الثورة مع الدولة!

الثورات العالمية منذ الثورة الفرنسية، وما تبعها، لاحقاً، جاءت بظروف وأزمنة مختلفة، سواء دواعي الانشقاقات بين الأحزاب والفصائل أو ما جرى بعد الثورة البلشفية من حربين عالميتين، لكن حتى في تلك الأوضاع كانت تملك رؤية ومشروعاً للدولة والدساتير، والمحاكم وغيرها، وتديرها قيادات عليا على درجة كبيرة من النضج والثقافة الحزبية والسياسية، والدليل أن كلاً من «لينين» و»ماوتسي تونج» كانا قياديين ومنظمي نقابات وأحزاب ومؤلفَين للعديد من الكتب، وبصرف النظر عن الخلاف مع منطلقاتهما ورؤيتهما التاريخية، وتفسير المستقبل بمنطق لا يقبل التطبيق، إلا أنهما نجحا في مراحلهما الأولى، وأثّرا في المسار العالمي كله..

الثورات العربية الراهنة خرجت من رحم ظلم اجتماعي وإفلاس مالي وسياسي وتسيب ومعاناة من الفقر والقهر والفساد، إلى آخر السلسلة التي فجرتها، لكن هل ما جرى يسمى ثورة أم انتفاضة، لأن الوجه القيادي مفقود ومشروع الدولة الحديثة باشتراطاتها التي تطرح الأزمة وحلها، وأفق المستقبل ووضع الأولويات، كالأمن والاقتصاد، وتوحيد القوى الاجتماعية، ظل مفهوماً عاماً لا بناء ترتكز عليه مقومات الثورة، ولا يعني هذا انتقاصاً ممن قاموا بها، وإنما يجب التفريق بين الفوران العاطفي والتعبير بغضب نتيجة كبت السنين، وبين متطلبات الوطن الملحة والتي من أجلها قامت الثورة..

فإذا كان المؤثر الداخلي كبيراً بعوامله المختلفة ويتطلع البعض للقفز على الزمن وتحقيق مكاسب سريعة في التغلب على المتطلبات الملحة، فإن الواقع يعاكس ذلك، ثم يأتي المؤثر الآخر العربي، بتداعياته وعلاقاته المختلة، والمؤثر الخارجي الذي لا يمكن عزله عن التداخل مع دول الثورات؟

فالوطن العربي غني وفقير في موارده، رغم كل الأسباب التي قد تجعل منه إحدى قوى العالم في ميزة الموقع، والطاقة البشرية، لكن ما جرى خلال أكثر من نصف قرن حوّل معظم هذه البلدان إلى مستهلكة وليست منتجة حتى في مواردها الزراعية التي ظلت تعطي الاكتفاء الذاتي، وتصدير الفائض للخارج وباستثناء دول الخليج التي نعمت بالنفط، فإنها أيضاً لا تستطيع الاعتماد على مورد واحد سينضب مستقبلاً، وبفقدان الخطة العربية الشاملة لتكامل اقتصادي، كمقدمة لتكامل أمني وسياسي، فإن بلدان الثورات سوف تعاني مثلما حدث لبلدان الانقلابات العسكرية أو الحروب الأهلية..

نعود للمؤثر الخارجي، فمهما رفعت من شعارات استقلال القرار، فالمنافسة قائمة بين أوروبا وأمريكا، ففرنسا تريد العودة إلى دول المغرب العربي بحكم العلاقات التقليدية، لكنها تمر بأزمة مالية خانقة، وأمريكا تريد مطاردة حلفائها وغيرهم في مدّ مجالها الحيوي سواء في بلدان الثورات أو غيرها، وحتى مع رفض أو عدم تلاقي الأهداف، فمن الصعب تناسي دورها، وروسيا والصين لهما نفس الأبعاد، وعموماً المستقبل يبقى مجهولاً..

————-

كلمة الرياض

-- يوسف الكويليت

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*