السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » «ساعة الصفر» السورية!

«ساعة الصفر» السورية!

رغم ما كتبته في بداية الأزمة السورية عن «النهاية المؤجلة» بسبب تعقيد الحالة السياسية في سوريا عن مثيلاتها في طبيعة الثورة وتأثيراتها على الداخل السوري؛ فإن كل المؤشرات الآن تؤكد أن ساعة «الصفر» السورية باتت قريبة جدا، صحيح أنه لا يمكن توقع شكل النهاية ولا توقيتها، لكن الأكيد أن ثمة مؤشرات داخلية تؤكد نهاية وشيكة لنظام ليس له مثيل أبدا في قمعه وسطوته ولا مبالاته بالعالم قبل شعبه.

ولقراءة المشهد السوري؛ فمن المهم جدا استبعاد العوامل الخارجية ذات العلاقة بالمجتمع الدولي الذي يبدو أنه لا يكترث كثيرا بأرقام الضحايا أو اختلال موازين القوى في الداخل؛ قدر ما هو مشغول جدا بتأمل حالة التجاذب بين القوى المتصارعة على سوريا، فالجيوسياسية السورية تؤكد أن حدود سوريا السياسية أكبر بكثير من حدودها على الواقع، وليس الأمر متصلا بحالة التحالفات مع قوى إقليمية ودولية لكن بارتباط «الهوية السياسية» لسوريا بهويات سياسية أخرى بنيت عليها على مدى عقود بحيث سيؤدي انهيار النظام إلى اختلال شرس على مستوى المعادلة الإقليمية.

الحال أن المشهد السوري في الداخل يشي بساعة الصفر، بسبب وضعية جيش النظام الذي يعاني من انشقاقات كبيرة؛ فهناك حديث عن أكثر من ثلاثين رتبة عسكرية كبيرة حطوا رحالهم في تركيا، إضافة إلى تقديرات استخباراتية نقلتها الصحافة الغربية عن وصول عدد المنشقين من الأفراد إلى ما يناهز العشرين ألف عسكري، وهو رقم كبير إذا ما أخذنا في الاعتبار أن ولاءات الجيش السوري ليست مرتبطة بفرز طائفي أو حتى انصياع جبري وإنما اعتناق لـ«البعث» كهوية بديلة متعالية يمكن من خلالها أن تصبح جزءا من النظام فتكون يده التي يبطش بها، وهو أمر عرفته الدول القمعية التي تتفتت سلطة الدكتاتور فيها إلى سلطات صغيرة منفصلة تشربت صفات قائدها بحيث يصبح حضوره أو غيابه بلا تأثير، فالقوة الكلية مستمدة من قوة الكيان ذاته، ومن هنا فالتركيز على شخصنة المعركة مع بشار وعائلته هو استهلاك إعلامي لا أكثر، بليت به «الميديا» اليوم في تحويل السياسية إلى مسرح نجوم يتم التركيز فيه على الأبطال لا أكثر.

تراجع «المظاهرات السلمية المدنية» التي عرفتها سوريا جيدا منذ بدايات الأزمة، الذي يصل إلى حدود الغياب، هو مؤشر على دخول سوريا في معركة تحديد المصير، وبالتالي أصبحت نيران «الجيش الحر» تجد طريقها مباشرة إلى جيش النظام دون أن تراعي تكتيكات حرب الشوارع التي تضطر كثيرا إلى تغيير قراراتها تبعا لحالة المدنيين في الشوارع، وهذا ما تم استغلاله من قبل حلفاء النظام، بدءا بروسيا وانتهاء بجوقة من المزايدين في القضية السورية التي انضم لها فئة «الحل الوسطي»، حيث عبرت عنه قوى «الإخوان» الصاعدة للحكم بطريقة ملتبسة تقترب من الجدل البيزنطي، فهم مع توقف الدم، وهو يزداد بكثافة، حيث انتقلت أرقام الضحايا من فئة العشرات إلى المئات، وفي ذات الوقت ضد أي تدخل مباشر في حين أن كثيرا من هذه القوى تخلص من دكتاتورييه بتدخل إما مباشر وعلني؛ كما هو الحال في المشهد الليبي، وإما بتدخل غير مباشر عبر الضغوط التي تعطي تأثيرا يفوق مسألة الحسم العسكري من خلال الضغط على الجيش ليقف على الحياد، وتلك أحد فصول الثورات المهملة والمغيبة.

وربما كان مؤشر انحسار التركيز في ضربات جيش النظام على الأرياف والمناطق المهمشة التي كان يستلهم فيها تجربة «حماه»، حيث يتم فرز سوريا طائفيا ومناطقيا، يشير إلى التراجع وحماية المناطق الأساسية، وهو إلى حد ما يشبه نهايات الحالة الليبية، لكن مع قلة سلاح «الجيش الحر» وغياب التدخل الدولي، ومن هنا عمد النظام إلى تكثيف قوته الضارية في دمشق وحلب وحمص مع أريافها، وهي تشكل الثقل المدني للدولة السورية، حيث يقبع ما يزيد على نصف سكانها.

تحولات المشهد الداخلي السوري تبعها تحول جوهري في سلوك الحلفاء، وعلى رأسهم روسيا، التي استخدمت تكتيك «ترحيل المشكلة» عبر مغالطات تستند إلى قراءة متوهمة للواقع السوري، فلا يكف الروس عن الحديث عن شعبية بشار الأسد في الداخل، وعادة ما يتم الإشارة في القنوات الروسية وتصريحات الصحافيين المدربين جيدا على الحديث بفصحى غير مرتبكة، إلى هدوء الوضع الداخلي في دمشق؛ وهي جدلية لا تحتاج إلى توضيح لأنها تصف الوضع في قلب قوة النظام السوري، هذه المعادلة تستحضر مفارقة الحالة السورية عن باقي دول الثورات و«الربيع العربي» الذي انطلقت فيه الاحتجاجات من قبل العواصم؛ كما في الحالة المصرية واليمنية، أو وصلتها في زمن قياسي؛ كما هو الحال في تونس وليبيا.

مغالطة أخرى لا تقل وقاحة في السلوك الروسي اعتمدت على تكنيك «ترحيل المشكلة» الذي أشرت إليه، حيث عمدت إلى استفزاز المملكة العربية السعودية بطريقة فجة من خلال فتح ملف «الشيعة» في السعودية وتقزيم حالة استقرار عاشتها المملكة في أكثر حالات عواصف «الثورات» في شخص رجل واحد تم اعتقاله لأسباب تم الإعلان عنها، وهو ما يدل على أن الحديث الروسي لم يكن جادا بالمعنى الحقوقي، وحتى الدبلوماسي، بقدر أنه محاولة يائسة لصرف النظر عما يحدث في سوريا، وإذا كان السؤال لماذا السعودية، فالإجابة أن روسيا تعلم جيدا أن مثل هذا الاستفزاز الدبلوماسي لن يجد آذانا مصغية لدى السياسية الخارجية السعودية التي تدرك جيدا أن ما يقال ليس إلا جزءا من استماتة روسيا لتطويع الموقف السعودي ليكون على الأقل في سقف «ثوار الأمس»، وهو ما لم يحدث بسبب أن مصلحة الشعب السوري مقدمة على تقديم توازنات إقليمية بدم بارد في لحظة حاسمة من تاريخ سوريا تسكب الدماء الحارة على مرأى من الجميع.

ربما كان مطمئنا أن الداخل السوري بات لا يكترث كثيرا بموقف المجتمع الدولي الذي تحول إلى مدقق حقوقي يمارس عمل منظمات حقوق الإنسان والجمعيات الإغاثية، فكل ما يدور الآن من حديث طويل داخل الإدارة الأميركية لا يعدو أن يكون سوى أسئلة بحثية ذات طابع جيوسياسي؛ ما هي التبعات لانهيار النظام السوري؟ كيف نضمن أن التدخل لن يحدث خللا في المعادلة الإقليمية، لبنان بشكل خاص، بينما يقترب ضحايا الثورة السورية من العشرين ألف قتيل، وهو رقم مفزع جدا يعيد تعريف حروب التطهير العرقي وبشكل أسوأ في ظل غياب الدافع العقائدي؟

وإذا كان القلق على أمن إسرائيل، وهي حجة واهية من الأساس، فإن التأخر في إحداث تغييرات حاسمة في الحالة السورية قد يخلق مبررات من شأنها التأثير على أمن إسرائيل، فنمو حالة الميليشيات، سواء كانت «قاعدية» أو حتى محلية الصنع، سيجعل منها صانعة للخلاص؛ وبالتالي مؤثرة في مرحلة ما بعد سقوط النظام بقدر ما كانت مؤثرة قبله، والحالة الليبية رغم وصول قيادة سياسية عاقلة ومتوازنة وغير متطرفة تعطينا دروسا هامة؛ إذا ما أخذنا في الاعتبار أنها رغم انسيابية العملية الديمقراطية ستواجه أكبر تهديد لها من الداخل متمثلا في الميليشيات.

ربما كان استبعاد خيار التدخل العسكري هو المهيمن الآن، لكن ثمة سقف من المطالب الممكنة لم يتم التوصل إليه، على الأقل الاعتراف بالمعارضة متمثلة في المجلس الوطني كسلطة انتقالية، وهو ما سيسهم الآن، بدعم المجتمع الدولي له والولايات المتحدة تحديدا، في تسهيل تواصله مع كل الأطراف في الداخل، ومثل ما يقال عن سقف مطالب المعارضة فإن هناك كثيرا من الإجراءات التي يمكن أن تتخذ بحق النظام؛ كفرض ممرات آمنة، والدعم لمنظمة الصليب الأحمر، وصولا إلى عامل مهم في التأثير السياسي وهو ما يعرف بـ«التلويح بالحرب» الذي قد يعطي تأثيرات أكثر من الحرب ذاتها.

انتظار المجهول وترك المشهد السوري للأحداث اليومية ليس حلا، وحتى الركون إلى تصريحات منظمات دولية، وعلى رأسها الصليب الأحمر، بأن ما يحدث هو أعمال حربية بين طرفين، في إشارة خجولة إلى وصف الحرب الأهلية، هو توصيف لتعقيدات الحالة السورية وليس أخذا بزمام المسؤولية عن «صمت» المرحلة السابقة، وإذا كان هذا متفهما من منظمة تقف على الحياد وتستخدم تعبيرات قانونية دقيقة في عملها، فالاعتماد عليه كتوصيف للحالة السياسية جريمة لا تقل فظاعة عن استقبال حليف لسوريا بحجم حزب الله للمشاركة في احتفالات «الثوار» بنهضتهم، كما فعل الغنوشي ورفاقه.

————–

نقلاً عن الشرق الأوسط 

-- يوسف الديني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*