الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » المدخل إلى الثقافة الإسلامية

المدخل إلى الثقافة الإسلامية

العنوان هو نفسه واحد من كتب الدكتور محمد رشاد سالم رحمه الله وهو غني عن التعريف. اخترت المؤلف وانتقيت هذا العنوان بالذات لكون المؤلف قد حقق معنى الموسوعية في دراساته المتعمقة سواء في مقارنته الشهيرة بين الغزالي وابن تيمية أو في تحقيقه “درء تعارض العقل والنقل” لابن تيمية والذي أهله للحصول بمؤلفه “موافقة العقل للشرع عند ابن تيمية” على درجة الدكتوراه من جامعة كمبردج.

·لماذا هذا الكتاب؟

لكون المؤلف قد أسس قسما للثقافة الإسلامية في جامعة الرياض وقتما أعير إليها من جامعة عين شمس حيث جاء الكتاب ثمرة تدريس استمر ثلاث سنوات لمادة الثقافة الإسلامية كما يقول في مقدمة كتابه.

·تعريف الثقافة:

عرف المؤلف الثقافة تعريفا عاما فقال “أن يعرف المرء شيئا عن كل شيء، أو أن يلم إلماما يسيرا بأكثر ضروب المعرفة، ولكنها تطلق اضطلاحا ويقصد بها بوجه خاص المعرفة المتصلة بالعلوم الإنسانية التي ترقى بالإنسان وتوسع دائرة معارفه وتميزه بالنظرة الشاملة.”

أما الثقافة الإسلامية فهي أمر لا غنى عنه للمسلم بل هي من الضرورات الحتمية له خاصة في هذه الأيام. وقد عزا المؤلف تلك الضرورة إلى أسباب ثلاثة: الأول هو فطرة الإنسان في أن يكون منتميا إلى أسرة أو جماعة أو وطن يحقق له معنى الوحدة. والسبب الثاني هو غريزة الدفاع عن النفس بهذه الثقافة ضد الغزو الصليبي والصهيوني والإباحي على مر العصور بما يخالف شريعة الإسلام ومنظومته القيمية والأخلاقية.

يركز المؤلف -وحسنا فعل- على صناعة الإنسان المسلم وتقوية الجانب التربوي والثقافي فيه ليحقق المنعة والحصانة ضد الاستلاب الحضاري والروحي تجاه الغرب الأقوى من الناحية المادية مع عدم إغفال العلوم التجريبية ووسائل التقنية الحديثة. وأما السبب الثالث فهو الغريزة الفطرية في الولاء لتراث المرء وحضارته.

ورغم نقل المؤلف لكلام ابن تيمية في تفضيل العرب على سائر الأجناس إلا أنه استدرك بقول ابن تيمية أيضا إن العروبة لم تعد مقصورة على أهل جزيرة العرب، بل كل من تكلم العربية وتشبه بالعرب فهو عربي، كما أن الأفراد من غير العرب قد يفضلون العرب بتقواهم ودينهم. وقد كنت أتمنى من المؤلف ألا يتوسع في إيراد الأدلة على كون العرب أفضل الأجناس لأن فضل الجنس لا يستلزم فضل الشخص، فرب حبشي أفضل عند الله من جمهور قريش بنص كلام ابن تيمية نفسه.

غير أن المؤلف كان يسعى بكلامه السابق إلى ترسيخ فكرة أن الثقافة الإسلامية عربية في جوهرها وهذا صحيح لكنها ليست محصورة على ما هو مكتوب أو منطوق بالعربية.

·الغزو الفكري الغربي للعالم الإسلامي:

جعل المؤلف هذا العنوان بابا كاملا تحدث فيه باستفاضة كبيرة عن توابع ما تركه الغرب من أذرع ثقافية تنهش في جسد الأمة بعد انحسار جيوشه واستعماره. يقصد المؤلف بالغرب هنا الحضارة الصليبية المعادية للإسلام سواء كانت حضارة رأسمالية أم شيوعية كما يقول. وقد سرد المؤلف سردا جميلا الترابط بين الغزو السياسي والعسكري والثقافي الاستشراقي للغرب وأورد العديد من الأقوال التي تخدم استدلاله بمثل ما قاله كرومر وهو المندوب السامي البريطاني في مصر أيام الاحتلال حيث قال “إن انجلترا لا تريد أن تحتل مصر احتلالا دائما وإنما تريد أن تترك مصر وقد خلفت من ورائها حكومة صديقة لمبادىء الحضارة المسيحية.”

أما الوسائل التي استعان الغرب بها في هذا الغزو الفكري الحضاري للعالم الإسلامي فيمكن تحديدها في:

التنصير: وقد عقد المؤلف فصلا كاملا عنه مستعينا بكتاب “التبشير والاستعمار في البلاد العربية” لمؤلفيه د. عمر فروخ ود. مصطفى الخالدي. ولعل من الأوقع هنا أن نذكر أمثلة من الواقع خاصة وأن التنصير يتم عبر إرساليات يكون الظاهر منها هو التعليم أو العلاج أو المشروعات التنموية.

أقول إن من بين الأمثلة التي تأثرت بقراءتها ما ذكره الندوي في كتابه “الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية” من أن الأفغانيين الذين خلعوا ملكهم أمان الله خان لأنه سمح لزوجته أن تخرج سافرة، قبلوا بعد ذلك بثلاثين عاما أن يلغوا الحجاب، وتم ذلك عن طريق نظام القابلات ودور الولادة الطبية على يد الطبيبة الدنمركية آنا ماريا جادا.

أنا عن نفسي كنت أكاد أشد شعري من سؤال أحمق طرح علي وعلى كل المتقدمين لنيل منحة من مؤسسة فولبرايت الأمريكية بعد أن عقدت مع جامعة الأزهر اتفاقا للتبادل العلمي وكان المتفق عليه أن تكون المنحة في حقل الدراسات الإسلامية وفوجئت بالسؤال: ما قولك في أقباط مصر؟ الغريب جدا أن الممتحنين المسلمين أنفسهم كادوا يعلقون الصليب إرضاء للمؤسسة وانفجرت إحداهن –وهي أستاذة بالأزهر حجابها تايواني- في أحد الزملاء لمجرد أنه قال إن المسيحيين في مصر أقلية!!

بل المدهش أكثر أن يكون هناك تنصير علني ضمن المساعدات الأمريكية القادمة لمصر في مجال التنمية حيث تختار الإرسالية أفقر المناطق في القاهرة –مثل منطقة الكيلو أربعة ونصف- لممارسة التنصير حتى تصدى السلفيون بنجاح وأحبطوا كيدهم.

أما الفصل الثاني فجعله للوسيلة الثانية لهذا الغزو وهي في رأيه إشاعة فكرة القومية حيث يقول إن أوروبة نفسها لم تنس أن الإسلام يوما قد أخضعها، وهو ما حرض أوروبة على القضاء على الخلافة الإسلامية. وقد استعان المؤلف بما أسماه الاستتراك في تركيا وهو إشاعة روح القومية عوضا عن الإسلام. والحقيقة أن الدكتور محمد محمد حسين قد أفاض وأجاد في الحديث عن ذلك في كتابه “الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر.”

الوسيلة الثالثة هي محاربة اللغة العربية لكن رأيي رغم اتفاقي مع المؤلف من حيث المبدأ أن الاستعمار أو بالأحرى الاستدمار لم يستطع فرض لغته على المصريين على سبيل المثال رغم المحاولات الدؤوبة التي ذكر أمثلة عليها الدكتور جرجس سلامة في كتابه “أثر الاحتلال البريطاني في التعليم القومي في مصر”. بل أجد أن التقصير الذي يستحق الانتباه هو تقصيرنا نحن في حق اللغة. وليس أدل على هذا من أن أرى بنفسي مذيعا في قناة النيل الثقافية الحكومية –لاحظ أنها الثقافية- يلوم بشدة ويقرع ضيفا شابا يحاول أن يتحدث الفصحى فينهره قائلا لماذا تبدو هكذا متحفظا ومتكلفا؟ تحدث بالعامية أفضل؟!

بل أقول إن المرء يكاد لا يستطيع حصر الأمثلة التي وردت في السينما والمسرح والتليفزيون والإعلام التي استخفت باللغة العربية وحقرتها. بل حتى في قرانا البسيطة تجد أن من ينشيء مشروعا صغيرا ولو كان محلا صغيرا للملابس يكتب عنوانه بالإنجليزية ويا ليته حتى أحسن الكتابة بل رأيت من ضمن ما رأيت من يكتب (senter) يقصد (center) وغير هذا أعجب وأغرب.

الوسيلة الرابعة هي تغيير نظم التعليم. والحقيقة رغم سرد المؤلف أمثلة كثيرة أكثرها بطبيعة الحال من أول الكتاب إلى آخره نقولات واقتباسات أقول إن أكثر ما شدني هو كلمة الدكتور محمد محمد حسين حيث قال إن سياسة الغرب نجحت في “حصر أصحاب الثقافة الإسلامية في المساجد، ومنعهم من شغل مراكز تتصل بتوجيه المجتمع، وتنفير الناس منهم عن طريق تخفيض مرتباتهم، مما يؤدي إلى استشعار الذلة والنقص، وإلى أن تزدريهم الأعين وتنقر منهم النفوس، بسبب قذارة ملبسهم ومسكنهم نتيجة لفقرهم. كما يؤدي في الوقت نفسه إلى انصراف الناس إلى ألوان التعليم التي تجر المغانم وتوصل للجاه.”

ذكرتني هذه الكلمة بما قاله الشيخ محمد الغزالي رحمه الله متوجعا من أن الاستعمار قد قصد بالفعل ألا تعير الدولة اهتماما كافيا للتعليم الديني مكتفية بما يوقف له من أوقاف خيرية حتى وصل الحال إلى أن صار العجزة والعميان وأصحاب العاهات هم الشيوخ وعلماء الدين وكان راتب المتعلم في الجامعة المصرية أعلى بكثير من خريج الأزهر. لم يقصد الشيخ إهانة أصحاب العاهات وإنما كان يتمنى ألا تكون هذه هي الصورة المطبوعة في الذهن عن عالم الدين أنه فقير وعاجز لا حيلة له. الحقيقة بالفعل التي لمستها بنفسي هي التمييز العنصري البغيض ضد الأزهريين في المجتمع حتى وقتنا الحاضر حيث لم تُبن المعاهد الأزهرية التي فاق عددها التسعة آلاف إلا بالجهود الذاتية وحيث لا تجد ذكرا ولا اهتماما إلا بالثانوية العامة لا الأزهرية وحيث لا يمكن الانتقال إلى جامعة عامة بثانوية أزهرية مع أن العكس ممكن ومستمر.

الوسيلة الخامسة هي استخدام وسائل الإعلام ولعل أشهر الأمثلة هنا أن بعض الجرائد كانت صريحة في تأييد المستعمر والدعوة إلى أفكاره مثل المقطم والمقتطف فيما صادر الاستعمار الصحافة الوطنية الإسلامية واضطهد أصحابها مثل اللواء والمؤيد والعروة الوثقى. مرة أخرى في كتاب الدكتور محمد محمد حسين الشرح الوافي خاصة وأن المؤلف قد استعان به ربما كله!!

لكن نقطة مهمة هنا ينبغي أن نسردها لتحقيق التوازن لهذا الكتاب وهي أن نفرق بين ما عسى يكون مشتركا إنسانيا نؤثر ونتأثر في دوائره وما هو مفروض علينا بغرض خبيث. أنا مثلا لا أؤمن بمصطلح الغزو الفكري إلا في حدود ضيقة جدا رغم أني سمعت بأذني رئيسة القناة الثانية وهي تقول إننا قصدنا زيادة المواد المتحررة (تقصد الإباحية بمعنى الرقص والمنوعات الغربية المستهجنة في مجتمعاتنا والمخالفة لديننا وقيمنا) لتحرير نفسية الشعب وإخراجه من الطابع المحافظ (تقصد تدينه). أقول إن هذا هو بالضبط الفرق بين (globalism) و (globalization) فالأولى معناها لفعل لازم وهو يتعولم مثل استيراد أنواع أقمشة معينة أو سيارات ذات ماركة أجنبية بحيث يكون لها في حياتنا أثر كبير، فهذا من طبائع الأشياء والمشترك الحضاري الإنساني، وأما الكلمة الثانية فلفعل متعد ومعناها يعولم أي يحول الكون كله إلى قرية صغيرة متشابكة يتحكم فيها القوي بماله وآلته العسكرية وقيمه.

الوسيلة السادسة مشابهة للسابقة وهي الحرب العلمية والفكرية كما أسماها المؤلف حيث صب المؤلف جام غضبه على الفرس وإيران وأنا أحسن الظن وأتمنى ألا يكون هذا الكتاب ذا طابع سياسي لأن المؤلف قصد اقتباس نص لابن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل يهجو به الفرس أشد الهجو.

وقد استعان المؤلف بكلام العقاد في كتابه “الصهيوينة العالمية” حيث قال العقاد “اليهودي كارل ماركس وراء الشيوعية التي تهدم قواعد الأخلاق والأديان، واليهودي دور كايم وراء علم الاجتماع الذي يلحق نظام الأسرة بالأوضاع المصطنعة، ويحاول أن يبطل آثارها في تطور الفضائل والآداب، واليهودي –أو نصف اليهودي- سارتر وراء الوجودية التي نشأت معززة لكرامة الفرد فجنح بها إلى حيوانية تصيب الفرد والجماعة بآفات السقوط والإنحلال. حتى آينشتاين أكبر ما في يهوديته أن الكثيرين يحسبونه مستقلا منقطع الصلة بها لأنه كان يعيش أيامه كلها على اتصال بمعاهد العلم والعلماء، ولكنه كان ينادي بالعصبية الصهيونية حين لا يضطره أحد إلى هذا النداء.” لكن كلام العقاد فيه نظر، لأن أينشتين لم يكن متدينا قط بل كان ملحدا ولم يكن متعصبا لا ليهودية ولا لصهيونية بل عرضت عليه رئاسة إسرائيل ورفض، والأهم ألا مشكلة لدينا مع اليهودية في حد ذاتها بل مشكلتنا مع الصهيونية وأفعال اليهود.

هذه هي مشكلة الكتاب وهي الخلط بين أمور كثيرة تحتاج إلى فض الاشتباك بينها وذلك لأن المؤلف قد توسع كثيرا جدا في النقل والاقتباس بدون تمحيص ولا ترتيب.

ولمحبتي للدكتور محمد رشاد سالم رحمه الله أقول إن كتابه خيب أملي لأن العنوان كبير ومهم والمضمون حشو ونقولات بل كان الأولى بها أن تضمن في كتاب بعنوان الاستشراق مثلا أو التغريب لا أن نضعها وحدها دون غيرها تحت باب الثقافة الإسلامية. ولعل الدكتور سالم قد فطن إلى ذلك فوضع في أول العنوان كلمة: المدخل!

جاء الباب الثاني بعنوان: معوقات دون العلم تحدث فيه المؤلف عن اختلاف المسلمين قديما في فهم الدين والعمل به وتحدث عن القول في الدين بغير علم وعن التقليد المذموم ثم أعقب ذلك بالحديث عن فضل العلم ووجوبه والعلاقة بين العلوم التجريبية العصرية وعلوم الدين والعلم والعمل والعلم والجهاد والعلم ومستقبل الأمة الإسلامية وكله كلام معاد ومكرر ومنقول أيضا.

أخيرا وفي الربع الأخير من الكتاب جاء ما كنت أتوقعه من الكتاب ومن عنوان “الثقافة الإسلامية” وهو خصائص التصور الإسلامي للوجود والخالق ومباديء الإسلام العامة. أما عن أفضل الكتب التي قرأتها في حياتي عن الثقافة الإسلامية بهذا المعنى وهو التصور الإسلامي فهو كتاب سيد قطب “خصائص التصور الإسلامي ومقوماته” وقد كان قطب ينوي أن يسميه “فكرة الإسلام عن الله والكون والحياة والإنسان” وقد تحدث قطب عن حتمية هذا المبحث إنقاذا للمسلمين مما حاق بهم بسبب علم الكلام وغرائبه. لقد تحدث حديثا كأنه الإلهام عن الربانية والثبات والشمول والتوازن والإيجابية والواقعية والتوحيد.

وأمامي الآن كتب كثيرة جمعتها لأجل هذا المقال منها مثلا كتاب صريح في هذه المادة للأردني الدكتور حسن الحيارى بعنوان “لتصور الإسلامي للوجود” وهو كتاب غاية في الثراء ليتني كنت قرأته قبل كتاب الدكتور رشاد سالم فهو أخصب وأجمل. ومعي أيضا كتاب “من معالم الإسلام” لمحمد فريد وجدي بتقديم العلامة الدكتور محمد رجب البيومي رحمه الله وهو أثرى وأجمل وبالتأكيد سأكتب عنهما. وهناك كتاب أخير اسمه “المنهاج القرآني في التشريع” وكان رسالة دكتوراه في كلية أصول الدين للرمز الإخواني الشهير الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعتي الأزهر وأم القرى حيث تأثرت كثيرا بكلمته وشكواه المريرة في مقدمة الكتاب من ظلم جمال عبد الناصر وبطشه به وبالإخوان.

وتلك الكتب الأربعة تصلح مادة ثرية ورائعة لثقافة إسلامية عظيمة في عصر وصلت فيه العلوم الإنسانية في الغرب ذروتها حتى وصلنا إلى علم مستقل يسمى: التحليل والنقد الثقافي ونحن جديرون بأن يكون لدينا هذا العلم وأكثر.

———-

نقلاً عن المركز العربي للدراسات 

·كاتب وباحث مصري.

-- بواسطة: أ. محمود الفقي*

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*