السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » السلفيون ودهاليز الديمقراطية

السلفيون ودهاليز الديمقراطية

يتدافع في هذه الأيام فئامٌ من الناس نحو الديمقراطية, يتقحمونها تقحم الفراش ناراً موقدةً في جنبةٍ من جنبات الصحراء, بالمسارعة في الدخول إلى المجالس النيابية, ويقف المؤمن البصير حائراً قد ألقت عليه الحيرة بظلالها فصار مشدوهاً ذهلاً تجاه هذه الحالة الفصامية النكدة, فما هذا الفصام النكد, وما هذه الأزدواجية الرعناء أإسلامٌ وكفرٌ في آنٍ واحد, أتوحيدٌ وشركٌ في مسارٍ واحد, أبرٌ وإيمانٌ وفجورٌ وفسوقٌ وعصيانٌ في مكونٍ واحد, أإتباعٌ للوحي وطاعةٌ للكافرين في قلبٍ واحد, والله تعالى يقول في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً * مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} [الأحزاب:1-4].

فكما أنَّ المرء لم يجعل الله له من قلبين في جوفه فكذلك “لا يملك أنْ يتجه إلى أكثر من أفقٍ واحد، ولا أن يتبع أكثر من منهجٍ واحد، وإلا نافق واضطربت خطاه. وما دام لا يملك إلا قلباً واحداً، فلا بد أنْ يتجه إلى إلهٍ واحد, وأنْ يتبع نهجاً واحداً.”

ولا يظننَّ ظانٌّ أنَّا نبالغ في القول, أو نصور الأمر على خلاف حقيقته, فالمسألة ليست مسألةً اجتهادية -كما يحلو للبعض أنْ يُكيِّفها- حيث أنَّ المجالس النيابية مجالس كفـرية تحكم بدستور كفري يرفض شرع الله -عز وجل- وتشرع من دون الله؛ وعليه فإنَّه لا يجوز الدخول في هذه المجالس الكفرية, لا لاعتباراتٍ فقهيةٍ, أو سياساتٍ شرعيةٍ تختلف فيها الاجتهادات فحسب, وإنَّما لمخالفاتٍ تمس أصل التوحيد والعقيدة لا مجال للاجتهاد فيها, منها:

أولاً: قيام هذه المجالس على مبدأ (الديمقراطية)، هذا المصطلح الوثني الغربي الذي هو من دين الكفار وأهوائهم؛ والرضا بها دخولٌ في دينهم, واتباعٌ لملَّتهم، قال الله -عز وجل-: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} [البقرة:120].

والديمقراطية في عرف أهلها هي: سيادة حكم الشعب، بأنْ يحكم الشعب نفسه بنفسه لنفسه, فيضع الشعب قوانينه وأحكامه بنفسه, عبر نوابه الذين ينتخبهم في المجالس النيابية, فالنواب ممثلون للشعب ينوبون عنه في مهمة التشريع وسن القوانين.. فالسيادة المطلقة للشعب سلطةٌ عليا مطلقة, غير محكومةٍ بأي سلطةٍ أخرى، فهي سيادةٌ لا شريك لها ولا ند لها, متفردةٌ بالتشريع والتحليل والتحريم, فلها حق الأمر والنهي والتشريع والإلزام بذلك, لا يَحُدُ من إرادتها شيءٌ خارج عنها, ولا تعلوها أو تدانيها سلطةٌ أخرى, فمصدر التشريع والتحليل والتحريم هو ممثلو الشعب وليس الله -عز وجل-.

والديمقراطية تقوم على مبدأ اعتبار وإقرار موقف ورأي الأكثرية مهما كان نوع هذه الأكثرية, وأيَّاً كان موقف هذه الأكثرية، هل وافقت الحق أم لا، أوافقت شرع الله أم خالفته, فالديمقراطية على هذا الأساس إلغاءٌ لشريعة الله, حيث جعلت التشريع بيد الشعب, وأعضاء البرلمان الذين يضعون لأنفسهم حق التشريع للناس هم في الحقيقة يضعون أنفسهم أرباباً معبودين من دون الله.

ثانياً: إعطاء اليمين الدستورية من كل مشتركٍ في هذه المجالس باحترام الدستور العام للدولة بما في ذلك البنود التي تحرِّم المباحات أو تستحل المحرمات وتستبيح المنكرات.

ثالثاً: مشاركة الإسلاميين في هذه المجالس بالتصويت على أحكام الله -عز وجل- فما وافق عليه المجلس فهو الذي له الشرعية والنفاذ وما عارضه فهو الملغى! فكيف يقبل مسلمٌ أنْ يكون في مجلسٍ تكون فيه أحكام الله -عز وجل- مجالاً للقبول أو الرفض، وأنْ تكون السيادة العليا عليها لمجالس البشر الظالمة الجاهلة؟!

وقد يقول المشارك في هذه المجالس من الإسلاميين: إنِّي بوجودي في المجلس أقف مع شرع الله -عز وجل-، وأطالب بتحريم ما حرَّم الله -تعالى- وتحليل ما أحلَّ الله -عز وجل- ولا أقبل خلاف ذلك؛ وإذا كثرت أصوات المطالبين بشرع الله كانت نتيجة التصويت إقرار شرع الله!!

والجواب المجمل على هذا القول هو: أنَّ المخالفة العقدية تكمن في أصل التصويت على أحكام الله -عز وجل- بالقبول أو الرفض، بغض النظر عن نتيجة التصويت، حيث السيادة العليا تكون لهذه المجالس فما وافق تشريعاتها أقر وما خالفها يترك، وهذا هو الخطر العظيم، والضلال المبين, وحسب القواعد الشرعية أنَّه لا مفسدة أكبر من هذا, قال الله -عز وجل-: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} [النساء:140].

وثمة مفاسد أخرى منها ما يمس أصل التوحيد والعقيدة, ومنها دون ذلك, بيد أنَّ طائفةً من الإسلاميين يتعللون للدخول في هذه المجالس الكفرية بقاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد، وقاعدة ارتكاب أهون المفسدتين وأخف الضررين، غير أنَّا نقول لهم بكل صراحةٍ ووضوح: إنَّ القسم على احترام الدستور الكفري المحاد لشرع الله -عز وجل- والمشاركة في التصويت على أيِّ تشريعٍ يشرعه المجلس ولو كان محسوماً في شرع الله -عز وجل- وجعل شرع الله -عز وجل- مجالاً للتصويت والأخذ والرد يُعـد أكبر مفسدة؛ إذْ أنَّه لا مفسدة أكبر من الشرك بالله -عز وجل- والكفر بشرعه، وفي الحديث الصحيح لمَّا سئل الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «أي الذنب أعظم؟ قال: أنْ تجعل لله نداً وهو خلقك».

فمهما قورنت مفسدة الشرك بأي مفسدةٍ أخرى, فإنَّ مفسدة الشرك أكبر منها, فأعلى المصالح التوحيد, وكل مصلحةٍ دونه ملغاة، وأعظم المفاسد الشرك والتنديد, وكل مفسدةٍ دونه غير معتبرةٍ وذلك إنْ اجتمعت مصلحتان إحداهما متعلقة بالتوحيد والأخرى غير متعلقةٍ به فالأخرى لاغيةٌ، وهكذا إنْ اجتمعت مفسدتان إحداهما تمت إلى الشرك والأخرى لا تمت له فالأخرى لاغيةٌ، فأيُّ مفسدةٍ أعظم من الوقوع في الشرك والتنديد! وأيُّ مصلحةٍ تقابل هذه المفسدة!!

———–

موقع منبر علماء اليمن 

-- الشيخ/ أمين بن عبد الله جعفر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*