الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الضرورة وضوابطها الشرعية(1/3)

الضرورة وضوابطها الشرعية(1/3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم.

أما بعد:

نتكلم في هذه الأسطر عن مسألة الضرورة، وضوابطها الشرعية، وقبل أن نتكلم في الضرورة أقول:

المصلحة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

قسم شهد الشرع بأنها مصلحة حقيقية تجلب للإنسان المنفعة في الدنيا والآخرة.

وقسم ألغى الشرع فيه هذه المصلحة، ولم يعتبرها مصلحة كتلك التي يقول فيها الشخص بأنه من بيعه للخمر يكسب من وراء ذلك مصلحة مادية! فهذه ألغاها الشرع ولم يعتبرها.

وقسم هو مصلحة لكن سكت عنها الشرع فلم ينه عنها ولم يأمر بها أمراً صحيحاً، وإنما الشرع بجملته يطلب تلك المصلحة، وذكر الضوابط الشرعية للمصلحة، وأنه يجب أن تكون مصلحة معتبرة، وأن تكون متحققة لا متوهمة، وأن لا تفوت مصلحة أعظم منها.

ولأن هذا الدين جاء لجلب المصالح ودرء المفاسد؛ لذا إذا تعارضت مصلحتان أحدهما أكبر من الأخرى نُفوت المصلحة الصغيرة، ونحافظ على المصلحة الكبيرة، كما هو معلوم من الأدلة الشرعية الكثيرة.

وإذ أن هاتين المسألتين -مسألة المصلحة ومسألة الضرورة- من المسائل التي هي محل ومحك الاحتجاج والاستدلال في هذا العصر بين الدعاة إلى الله تعالى في بعض المسائل التي يختلفون فيها. فذاك أقول: هذه ضرورة، وذاك يقول: هذه مصلحة، ولا بد من ضبط المصلحة والضرورة بالمنهج العلمي والضوابط الشرعية؛ لأن الشرع ما جاء إلا ليضبط الهوى لا ليترك مع الهوى، الشرع جاء ليمنعك من التصرف بهواك ولتنضبط بالضوابط الشرعية، وإذا تركك لهواك تركك إلى ضعف وذنب وعورة وخطيئة وجهل، وتصير إلى هلاك -والعياذ بالله- وتذهب مع الذاهبين، ولهذا لا بد من الضبط بالضوابط الشرعية، والرجوع إلى الشرع في تقويم ووزن المصالح والمفاسد والضروريات والمنافع، وما أشبه ذلك.

في هذا الدرس -إن شاء الله- نتعرف على درس مهم جداً، ألا وهو: مسألة الضرورة الشرعية، وضوابطها، ومفهومها.

أولاً: يجب أن نعلم أنَّ الدين الإسلامي ما جاء إلا لجلب المصالح، ودفع الضرر في الدنيا والآخرة، وينبغي قبل أن ندخل في مفهوم الضرورة والضرر أن نبين معناهما لغة واصطلاحاً.

المصلحة هي المنفعة واللذة، والضرورة هي المشقة والألم، فأنت بحاجة إلى جلب المصلحة وهي اللذة، ودفع الضرر وهي المشقة والألم؛ لأن الله فطر هذا الإنسان على محبة المصلحة واللذة وكراهية المفسدة والألم، فهو يحب الهواء الطلق ويكره الحبس، يحب الطعام ويكره الجوع، يحب الصحة ويكره المرض، فهذه أمثلة للمصلحة والمفسدة واللذة والألم والمنفعة.

ولهذا لما كانت فطرة الإنسان هي الحرص على المنفعة واللذة، والهرب من الألم والحسرة؛ جعل الله الثواب والعقاب يدور بين هذين الشيئين، من أطاع الله حصل على تمام اللذة، ألا وهو الدخول إلى الجنة، والتلذذ بما فيها من النعيم والأكل والشرب والمناكح والملابس والمشارب، ويسلم من الألم النار وما فيها من العذاب الأليم، ولهذا نجد في القرآن الكريم ذكر نعيم الجنة وما فيها، وذكر النار وما فيها من العذاب والألم، فالإنسان بطبعه وفطرته يميل إلى اللذة ويهرب من الألم، فالله أتاه من هذا الوادي.. يدعوه من جهة هذه المصلحة: أتحب اللذة والمنفعة وتكره الألم والمشقة؟! فاتبع الوحي وما أمرتك به، وأطع رسلي وأنا أنقلك إلى دار اللذة لا وصب فيها ولا نصب ولا تعب: {لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الحجر: 48].

أما الذين يعصون الله تعالى فإنه تعالى سينقلهم إلى دار الألم والحسرة والمشقة: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 56]، إذا فهمنا هذا الأصل فأعظم ما يلتذذ به المسلم في الدنيا والآخرة هو الحفاظ على مصلحة الدين “العقيدة”، هي لذة الإنسان في هذه الحياة وفي الآخرة، وعلى قدر استقامته في هذه الحياة وفي الآخرة يكون على قدر استقامته على هذا الدين، إذا استعمل الدين للذة الحياة الدنيا فإن الله يجزيه جهنم إذا استعمل الدين واستخدمه لوسيلة اللذة في الدنيا؛ فإن أول من تسعر بهم جهنم هؤلاء المتمسكون بالدين لأجل ولجلب مصلحة أو لذة دنيوية، أما إذا حافظت على دينك ولو أصابك اللأواء، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «إن من كان قبلكم كان يؤتى بأحدهم فينشر بالمنشار على مفرق رأسه حتى يصير قطعتين ما يرده عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه ما يرده ذلك عن دينه».

وفرعون -عليه لعائن الله- قال: {قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} [طه: 71].

يجب أن تصبر على الألم والأذى في الدنيا حفاظاً وبقاءً على الدين؛ لأن هذا الألم زائل، أما إذا ترك الدين فهو الألم الدنيوي والأخروي، ولو كنت في أعلى القصور: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} [طـه: 124-126].

فلنبدأ أولاً بتحديد مفهوم الضرورة والاضطرار والحاجة إلى هذا في اللغة، على أن اللغة العربية لا يكتفى بها فقط في تعريف الأمور والحقائق، خاصة إذا ورد في الشرع تعاريف وشرح لهذه الأمور، وبعبارة أخرى: أن الحقائق ثلاثة أشياء: حقيقة لغوية، وحقيقة شرعية، وحقيقة عرفية، فالمقدم أولاً الحقيقة الشرعية، فإذا أردنا أن نفهم معنى كلمة الصلاة فإن لها معنى في اللغة ومعنى في الشرع.

معناها في اللغة: الدعاء.

وفي الشرع: ما افتتح بالتكبير واختتم بالتسليم.

لما نأتي نبحث عن مفهوم الصلاة في اللغة نجد أن مفهومها قد ورد في الشرع لأننا سوف نجد في اللغة أن مفهومها الدعاء، لا فيها قراءة فاتحة ولا تكبير ولا تسليم ولا ركوع ولا سجود.. إلخ.

فلا بد من تقديم الحقائق الشرعية هنا لضرورة الحاجة، لكن هل لهذه الحاجة من ضوابط؟ وهل لها من شروط تكلم عنها اللغويون والفقهاء؟

إذاً: الضرورة في اللغة العربية مطلق الحاجة إلى الشيء.

أما في الاصطلاح فهو الذي سينطبق حاله من الخطر والمشقة الشديدة، بحيث يخاف على حدوث ضرر أو أذى بالنفس أو بالعرض أو بالعضو أو بالمال أو بالعقل.

هذا هو تعريف الضرورة، ومن خلاله سوف نستعرض الضوابط الشرعية، ولكن قبل ذلك نذكر مشروعية أدلة الضرورة، وهل في الشرع ضرورة؟

أدلة الضرورة في القرآن الكريم:

قال تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة:173].

وقال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة:3].

وقال تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام:145].

وقال تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام:119].

هذا دليل من القرآن وكان يكفي آية واحدة، ولكن هذه أدلة الضرورة في القرآن الكريم.

أدلة الضرورة في السنة المطهرة:

يقول عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار»، وهذا الحديث وإن كان في سنده شيء لكن يشهد له الشرع، وتشهد له الآيات القرآنية، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78]، وقال تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} [لنساء:28]، وقال تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185]، وقال تعالى: {وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} [الطلاق:6]، وقال: {غَيْرَ مُضَآرٍّ} [النساء:12].

وغيرها من النصوص الكثيرة في تحريم الضرر والإضرار، وما يؤدي إلى الضرورة كذلك إلى جانب هذه الأدلة من الكتاب ومن السنة القواعد الفقهية الإجمالية المعتبرة عند فقهاء الإسلام، فإنهم يردون الفقه كله إلى خمس قواعد.

ومن ضمن هذه القواعد: “الضرر يزال والمشقة تجلب التيسير”، فقوله: “الضرر يزال” هذه قاعدة شرعية أدلتها كثيرة جداً، أي: أن أي ضرر ينبغي السعي في إزالته.

“الضرورات تبيح المحظورات”: هذه قاعدة فقهية عامة لكل من ادعى ضرورة فقد أبيح له المحظور.

قالوا: “الضرورة تقدر بقدرها”: هذه أيضاً قاعدة شرعية.

أيضاً “لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة”: هذه قاعدة وشرعية، تريد أن تحج فما استطاعت، تريد أن تصوم ما استطاعت، تريد أن تجاهد ما استطاعت، تريد أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ما استطاعت.. أشياء كثيرة جداً، هذه من القواعد الفقهية الشرعية.

كذلك المشقة تجلب التيسير، وكذلك إذا ضاق الأمر اتسع: هذه من الأدلة الإجمالية الفقهية التي تدل على مبدأ الضرورة، وأنها مسلك من مسالك الشرع، ومن الأمور التي يفعلها المسلم عندما يحتاج إليها.

يتبع…..

-- الشيخ/ عبد المجيد بن محمود الريمي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*