السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » من تجـديد الفقه إلى تجديد الفقيه

من تجـديد الفقه إلى تجديد الفقيه

مدخل مفاهيمي

عادةً ما تسيطر على الوسط الفكري مجموعة من المفاهيم التي تظل ممسكة بزمام البحث في تلك الأوساط على اختلاف مرجعياتها، ويظل الجدل الفكري متمركزاً حولها بشكل أو بآخر، وكلما كانت تلك المفاهيم مستندة إلى مرجعية تمتلك عوامل البقاء كلما بقيت فاعليتها واستمرارها؛ كما هو الحال في مرجعية الإسلام؛ ولذلك فإن الدعوات الفكرية الحداثية التي تسعى إلى إحداث قطيعة معرفية (أو ما يسمى بـ «القطيعة الإبستمولوجية»  [1]) مع المفاهيم الإسلامية المحْكَمة، لا يمكنها أن تنجح في سعيها؛ لأن بقاء هذه المفاهيم مرتهَن ببقاء الإسلام نفسه؛ ولذلك فإن هذه الدعوة بالقطيعة مستلهَمَة من التجربة الغربيـة التي أحـدث فيها الفكر الغربي – كما يقول دعاة القطيعة – مجموعة من القطائع الإبستمولوجية في تاريخه، كالقطيعة بين اليونان والرومان والعصور الوسطى، ثم القطيعة بين العصور الوسطى وعصور الحداثة وهكذا، بداية على يد غاليلو وديكارت، ثم نيوتن وكانط ثم آينشتاين وباشلار.

وإننا لو سلمنا بأن تلك المحاولات كانت تمثل قطيعة حقيقية مع المراحل التاريخية السابقة في هذا الفكر؛ فإن محاولة نقل هذه التجربة إلى واقع الفكر الإسلامي هي محاولة استنبات في أرض غير صالحة لذلك، وسبب ذلك: أن كثيراً من تلك المفاهيم التي صنعها الفكر الغربي هي مفاهيم بشرية خاضعة للبيئة التي نشأت فيها، والظرف التاريخي الذي ولدت فيه، بينما مفاهيم الإسلام الـمُحْكَمة هي مفاهيم إلهيةُ المصدرِ، مطلقةُ الزمانِ والمكانِ؛ فلا يمكن أن يحدث في الواقع الإسلامي قطيعة مع مفاهيم التوحيد، والإيمان، والحق، والعدل… ونحوها. أما المفاهيم البشرية الزائفة فلقـد جاء الإسـلام بالدعوة إلى تخليص النـاس منها وإحـداث القطيعـة التامة بينهم وبينهـا؛ فهـو – سبحانه – ينهى عن الخرافة والشرك فيقول عن ذلك{  :لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ الْـمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْـمَسِيحُ يَا بَنِي إسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْـجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِـمِينَ مِنْ أَنصَار}ٍالمائدة.72

ويحذر من مفهوم الغلو فيقول :{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلاَّ الْـحَقَ} : النساء171.

ويريد – سبحانه – أن يحرر العقل الإنساني من مفهوم تبعية الآباء والأجداد فيقول :{وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ. }البقرة170

ويتحدث – سبحانه – عن مفهوم الفساد ويصحح طريقة النظر إليه فيقول: {وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ١١أَلا إنَّهُمْ هُمُ الْـمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ.} البقرة 11-12

وبناءً على ذلك فنحن بحاجة دائمة إلى دعوة الإنسان لتحرير عقله من تلك المفاهيم الزائفة، وإلى إحداث نوع من الوعي بالمفاهيم الإسلامية المحْكَمة، وبثِّ الروح من جديد في هذه المفاهيم.

وأحد تلك المفاهيم الخصبة الأصيلة في الفكر الإسلامي، هو مفهوم (التجديد)، وهو من المفاهيم التي أحدثت كثيراً من الجدل في الوسط الفكري في القديم والجديد، وقد يكون من أسـباب ذلك الإجمـال الـذي يكتنـف لفـظ (التجـديد)، وهذا ما جعله عُرْضة لأن تختلف المناهج في معالجته تبعاً لاختلاف فكر أصحابها، حتى تمكَّن بعض دارسيه من استخدامه لتغيير معالم الدين بدعوى تجديده؛ لكن هذا المفهوم  يحفزنا نحو تجديد الرؤية في الموضوعات التي نتطرق إليها تجديداً ملتزماً بمحكمات الشريعة ومبادئها، وهذا ما يجعلنا مطالَبين على نحو دائم بتجديد طريقة تناولنا لكثير من القضايا التي تشغل هذا الواقع المتجدد. وليس المقصود هنا البحث في هذا المفهوم، وإنما تسليط الضوء على جانب من جوانبه فهو يُستخدَم على مستويات عديدة وفي مجالات مختلفة، يعنينا منها في هذا المقال التجديد على الصعيد الفقهي؛ أي: (تجديد الفقه)، والمقصود من الحديث حول هذا المفهوم محاولة نقل مركزية الحديث من حقل تجديد الفقه إلى حقل تجديد الفقيه؛ وهو حامل هذا الفقه. وموجب هذا النقل أن مَنْ يتابع المعالجات الـمُحْكمة التي طُرحت لنقاش هذا الموضوع يرى اقتصارها على جانب واحدٍ من جوانبه؛ وهو جانب تجديد العلم نفسه، في حين أن ثمة جوانب أخرى ربما لا تَقِل أهمية عن سابقتها غاب الحديث عنها أو كاد، ومنها الحديث عن تجديد (الفقيه)؛ أي: إعادة النظر في وسائل إعداده وتأهيله.

وإن عمليـة نقـل مـركـز الحـديث نحـو تجـديد الفقيـه لا تعني القطيعة مع مفهوم تجديد الفقه، ولكنها تعني بشكل أساسي توسيع مساحة البحث في جوانب أخرى مهمة في هذا الموضوع.

لماذا تجديد الفقيه؟

في وقت تعقدت فيه مسائل الفقه الواقعية نظراً لتعقُّد الواقع وتشابكه وتداخله، أصبح من الضروري إعادة هيكلة المحاضن التربوية والعلمية التي تصنع الفقيه؛ فلم تَعُد إشكالية هذا الموضوع تنحصر في جانب العلم نفسه وتجديد أساليبه وموضوعاته؛ بل تجاوزت ذلك إلى الفقيه الجديد ونمط تنميته وتطويره. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : «وربَّ حامل فقه وليس بفقيه»[2] إلى التفريق بين الفقه نفسه وبين حامله؛ وهو ما يعني أن حَمْل الفقه لا يُلبِس صاحبَه لقب (الفقيه).

لقد أصبح كافياً في وعي كثيرين أنه حتى يتسمى الدارس باسم (الفقيه)، وحتى يباشر الحديث حـول القضـايا الفقهيـة، لا بد أن يضبط جملة الفروع الفقهية من بعض الكتب المختصرة، ويستحضر أدلتها، ويعرف الراجح فيها وبذلك يحظى بأن يكون واحداً من الفقهاء، وبسبب هذا النمط من التفكير قلَّت العناية بالبرامج التدريبية العملية لتمنية الفقيه وتطويره. يقول الطاهر بن عاشور في وصف هذه الحال: «وكان معنى العلم عندهم: هو سعة المحفوظات – سواء من علوم الشريعة أم من علوم العربية – فلا يعتبَر العالم عالماً ما لم يكن كثير الحفظ، وليس العلم عندهم إلا الحفظ؛ لأنهم كانوا يميلون إلى شيء محسوس مشاهَد في العالِم؛ ومن المعلوم أن الذكاء والنباهة لا يشاهَد لأحد»[3].

إنه لم يعد كافياً حتى يكون المتعلم فقيهاً فاعلاً في واقعه أن يكتفي  بما ترسمه بعض كتب التراث من شروط لمواصفات الفقيه؛ لأن ثمة معارف جديدة تتطلب من فقيه اليوم قَدْراً من الـدراية والإحاطة لا نجـد الحديث عنها بالقدر الكافي في صورة الفقيـه القديمة، وإن السعي لاستنساخ ذلك دون محاولة تطويره أو معرفة الفوارق بين الحاجات العلمية التي كان يتطلبها واقعه وبين حاجات واقعنا العلمية، يعني مزيداً من خلق المشكلات في حياة المتلقين؛ بل ربما أدى ذلك إلى إضعاف هيبة الفقه الإسلامية، وتعرُّضها لكثير من النقد والتشكيك بسبب عدم تأهيل حامليه التأهيلَ المناسب لهذه المرحلة الجديدة، ولقد كانت هذه المشكلة – وهي ضعف تأهيل الفقيه – إحدى أسباب تقليل المتكلمين من شأن الفقه وجعلهم أغلبَ فروعه من باب الظنون وليست من باب اليقين؛ وذلك بسبب ضعف استعداد الفقهاء الذين قدَّموا لهم الفقه في تلك المرحلة. يقول ابن تيمية في ذلك: «إنه لكثرة التقليد والجهل والظنون في المنتسبين إلى الفقه والفتوى والقضاء، استطال عليهم أولئك المتكلمون، حتى أخرجوا الفقه الذي نجد فيه كل العلوم من أصل العلم، لما رأوه من تقليد أصحابه وظنهم»[4].

إن ما قاله ابن تيميـة من استطالة المتكلمين على الفقهاء في ذاك الزمن، ربما قد يتكرر في هذا الزمن لكن بصورة أخرى وهي صورة التشكيك الفكري التغريبي في أحكام الفقه الإسلامية، وإن من أهم سبل مدافعته: التأهيل المناسب للفقيه الجديد الذي يستوعب مقالات هذا الفكر حتى يُحسِن مدافعته، «ومن لم يعرف أسباب المقالات – وإن كانت باطلة – لم يتمكن من مداواة أصحابها وإزالة شبهاتهم»[5].

وإن حالة الضعف الفقهي في كتب متأخري الفقهاء هي التي جعلت شيخ الشاطبي يوصيه بعدم الانشغال بكتب الفقه المتأخرة في زمانه والاكتفاء بما كتبه المتقدمون في الفقه؛ حيث يقول: «وأما ما ذكرتُ لكم من عدم اعتمادي على التآليف المتأخرة، فلم يكن ذلك مني – بحمد الله – محضَ رأيٍ؛ ولكن اعتمدت بسبب الخبرة عند النظر في كتب المتقـدمين مـع كتب المتأخـرين، وأعنـي بالمتأخـرين: كابن بشـير (ت بعد 526هـ)، وابن شـاس (ت 610هـ)، وابن الحـاجب (ت 646هـ)، ومن بعدهم، ولأن بعض من لقيته من العلماء بالفقه أوصاني بالتحامي عن كتب المتأخرين، وأتى بعبارة خشنة في السمع لكنها محض النصيحة»[6].

لكن الونشريسي كشف عن تلك العبارة الخشنة التي أبهمها الشاطبي، فقال بعد ذكر كلامه: (والعبارة الخشنة التي أشار إليها كان – رحمه الله – ينقلها عن شيخه أبي العباس أحمد القباب (ت حوالي 779هـ)، وهي أنه كان يقول في ابن بشير وابن الحاج وابن شاس: فسَّدوا الفقه)[7]؛ أي: أفسدوا الفقه.

وحتى يتضح عمق الحاجة لإعادة صناعة الفقيه الجديد فَلْنبتعد قليلاً عن حالنا اليوم وَلْنتأمل حجم التعقيدات الواقعية المستقبلية في ذهن المتعلم الذي نريد تأهيله ليكون فقيهاً لأمته بعد ثلاثين سنة؛ هل الطرق المنهجية المتداولة اليوم في الساحة العلمية كافية لتأهيل هذا الفقيه ليكون الرجل المناسب لتلك المرحلة؛ أم أننا بحاجة لآليات عملية جديدة تساعد في تأهيل الفقيه الجديد لتعقيدات المستقبل المنتظرة؟

أتصور أن هذا التساؤل هو من جنس التساؤلات الكبيرة التي من غير المنطقي أن يتلخص جوابها في مقال مختصر كهذا، وحَسْبُ هذا المقال أن يضع مجموعة من الرؤى التي يمكن أن تساهم في توضيح هذه القضية.

تجديد الفقيه مسؤولية مَنْ؟

يحيلنا الحديث عن مسؤولية تجديد الفقيه وتأهيله إلى الحديث عن واقع العمل المؤسسي في الوسط التعليمي الشرعي؛ فإن الراصد لحركة التعليم خارج إطار الجامعات والكليات يجد أنها تفتقد كثيراً لنظام مؤسسي مبنيٍّ على رسم إستراتيجيات تعليمية بعيـدة المدى، وربمـا يصـدق في واقعنـا – وإلى حد كبير – ما قاله مالك بن نبي: «لم أكـن أعلم أن العمل الجماعي بما يفرضه من تبعات إنما هو من المقومات التي فقدها المجتمع الإسلامي ثم لم يسترجعها بَعْدُ خصوصاً بين مثقفيه»[8].

فبينما نلاحظ توجُّها منظَّماً نحو تخريج النجوم والرموز في الفن والرياضة والإعلام، لا نجد جهداً يوازيه في تأهيل وتخريج وتطوير أصحاب التخصصات الشرعية، وإن الذي يتابع سِيَر كثيرٍ من فقهاء اليوم يجد أن الذي صنعهم في الغالب هو جهدهم الذاتي – بعد عون الله سبحانه – ولم تصنعهم مؤسسات تعليمية معيَّنة.

وإن ما سيُطرح من رؤى وأفكار حول هذا الموضوع – سواء في هذا المقال أو غيره – ربما تُفهَم على أنها دعوات مثالية، وهذا صحيح إذا ما نظرنا إليها على المستوى الفردي وليس المؤسسي؛ أما على صعيد المؤسسات فهي ليست كذلك، كما أن التطبيق العملي كفيل بأن يُهذِّب هذه المثالية حتى تتناسب مع الواقع العلمي.

تجديد ملكات الفقيه:

إن الدراسة الفقهية اليوم تتسم بالتقرير المدرسي من خلال دراسة الكتب المذهبية المعتمَدة، ويغيب فيها الدرس الذي يعتني بالتدريب الفقهي أثناء عملية التأهيل الفقهية، والذي يتدرب فيه المتفقه على مجموعة من المهارات الفقهية لتبني له عدداً من الملَكات العلمية؛ فالفقيه الجديد يتطلب في إعداده وتكوينه جملةً من المهارات التي تساعده في تحقيق رسالته بالشكل المطلوب في هذا الزمن، ومن المهارات التي ينبغي أن يُدَرَّب عليها الفقيه الجديد:

أولاً: بناء مَلَكَة التفكير الفقهي:

التفقه في أصله عملية فكرية؛ لأنه راجع في أصل معناه إلى (الفهم)؛ فهو نوع من ممارسة التفهم في نصوص الشرعية، وعملية التفكير هذه لا تتأتَّى من خلال التلقين المجرد للفروع الفقهية، وإنما من خلال توجيه الدرس الفقهي إلى حَلْقات علمية خاصة تهتم بتطوير عقلية المتفقه الجديد وتمرينها حتى تكتسب القدرة العالية على معالجة المسائل وإدراكها.

وحتى لا يجاهد المتفقه الجديد في غير ميدانه، ولا يستنبت عقليته في أرض غير صالحة؛ فمن المهم أن تكون عملية التمرين والتطوير في ميدانها المناسب، ومن تلك الميادين التي تساعد على تقوية تفكير الفقيه ما يلي: 

1 – بناء الملَكة التي تعتمد على إرجاع فروع الشريعة إلى كليَّاتها العامة: وذلك حتى يُعرفَ مدى اطراد التشريع الإسلامي، ويتمكن الفقيه من إرجاع الفروع بعضها إلى بعض، وإظهارها على وجه متماسك مطَّرد.0 والمتأمل في واقع التعليم الفقهي اليوم يجد أن الغالب عليه تقرير آحاد المسائل الفقهية بعيداً عن الاهتمام بربط هذه المسائل بمثيلاتها وما يعضدها من كليات الشريعة وأصولها الكبرى. يقول ابن رشد منبهاً إلى هذا المعنى: «رأينا أن نذكر في هذا الكتاب (كتاب الصرف) سبع مسائل مشهورة تجري مجرى الأصول لما يطرأ على المجتهد من مسائل هذا الباب؛ فإن هذا الكتـاب إنمـا وضعنـاه ليبلغ به المجتهد في هـذه الصناعة رتبة الاجتهاد… وبهـذه الرتبـة يسمى فقيهـاً لا بحفظ مسائل الفقه؛ لو بلغت في العدد أقصى ما يمكن أن يحفظه إنسان كما نجد متفقهة زماننا يظنون أن الأفقه هو الذي حفظ مسائل أكثر»[9].

وبسبب فَقْدِ هذه الملَكة أصبح من غير المستغرَب أن يُقرِّر بعض الفقهاء مسألة في بابٍ على وجهٍ، ثم يقرر في نظيرها تقريراً مخالفاً لها في باب آخر وكلاهما يرجعان إلى تأصيل واحد. يقول ابن تيمية عن حال بعض متبعي الأثر ممن قلَّت معرفته بطريقة التعامل مع القياس الصحيح: «وتجد المستن الذي يشاركه في القياس قد يقول ذلك القياس في مواضع، مع استشعاره التناقض تارة، وبدون استشعاره تارة؛ وهو الأغلب»[10].أما الجويني فيقول أثناء بيانه لأصول مذهب الشافعي: «ومن أراد أخذ المذهب (أي: الشافعي) مِنْ حفظ الصور: اضطرب عليه أمثال هذه الفصول، ومن تلقَّاه من معرفة الأصول: استهان عليه أن يدرك هذه الفصول». وفي نهاية الأمر فإن «نقل الفقه إن لم يعرف الناقلُ مأخذَ الفقيه، وإلا فقد يقع فيه الغلط كثيراً»[11].

2 – بناء الملَكَة التي تراعى فيها الأحكام اللازمة عندما تتحول إلى أحكام عارضة؛ أي: عندما يتحول الحكم الواجب إلى حرام، والحرام إلى واجب أو مباح؛ بحسب العوارض التي تَعرِض لهذه الأحكام وَفْقاً لفقه الضرورة أو المشقة أو الحاجة: إن من يتأمل الفقه يجد أنه في الغالب يعطي المتفقه الأحكام اللازمة؛ لكنه في كثير من الأبواب قد لا يعطيه الأحكام العارضة، فهو يقرر الحكم بناءً على الأصل؛ لكن هذا الأصل قد يحتف به مجموعة من الأمور الواقعية التي قد تغيِّر من طبيعة النظر في المسألة؛ وحينئذٍ فإن طريقة التعامل معها محكومة بمجموعة من المعايير ليست من اهتمام كتب الفقه وإنما مجال بحثها: إما علم القواعد الفقهية: كقاعدة المشقة والضرورة والعرف ونحو ذلك. أو علم أصول الفقه في مبحث عوارض الأهلية، ومبحث الأسباب والشروط والموانع. 

إن كثيراً من المتفقهة يمكنه أن يضبط قاعدة المشقة أو قاعدة الضرورة والحاجة من جهة التنظير الكلي العام لكنه قد لا يُحسِن تنزيلها على الواقع، وحينها ربما قد يحصل منه إفراط أو تفريط في التطبيق، وسبب ذلك: أنه لم يتدريب على ذلك في الدرس الفقهي، وهذا ما يؤدي به إلى ضعف الملكة في هذا الباب، كما أن التدريب على هذه المَلَكة وإن لم يُمَِكِّن المتفقه من تنزيل بعض أحكامها على الواقع، فليس أقلَّ من أن يساعده على تَفهُّم بعض فتاوى العلماء التي ذهبت إلى القول بجواز مسألة هي في أصلها حرام بناءً على قاعدة الضرورة أو المشقة أو الحاجة أو العكس، وهذا التفهم من شأنه أن يساهم أيضاً في معالجة واحد من أهم أسباب الفرقة والتناحر التي يشهدها الوسط الشـرعي. يقـول ابن تيمية في ذلك: «فإن كثيراً من الناس يستشعر سوء الفعل، ولا ينظر إلى الحاجة المعارضة له التي يحصل بها ثواب الحسنة ما يربو على ذلك؛ بحيث يصير المحظور مندرجاً في المحبوب، أو يصير مباحاً إذا لم يعارضه إلا مجرد الحاجة…» ثم تحدث عن الصورة الثانية وقال: «فهذا القسم كثر في دول الملوك؛ إذ هو واقع فيهم وفي كثير من أمرائهم، وقضاتهم، وعلمائهم، وعبَّادهم؛ أعني: أهل زمانهم، وبسببه نشأت الفتن بين الأمة»[12].

كما أن التدريب على هذا النوع من التفقه يُعيْن على إعادة حالة التوازن بين من جَعَل الحُكم العارض الذي فرضته بعض الظروف حكماً لازماً في جميع الأزمنة؛ لأن الخطأ في ذلك ربما يتسبب في الجناية على بعض أحكام الشريعة، وإلى هذا نبَّه ابن القيم عندما  بيَّن خطأ بعض المتفقهة في فهم بعض تصرفات عمر – رضي الله عنه – فقال: «والمقصود: أن هذا وأمثاله سياسة جزئية بحسب المصلحة يختلف باختلاف الأزمنة، فظنها من ظنها شرائع عامة لازمة للأمة إلى يوم القيامة، ولكلٍّ عذر وأجر»[13].

3 – بناء الملَكة التي تُحسِن التوازن بين اعتبار المدلول اللفظي للنص وبين تفعيل مقصوده: إن الدرس الفقهي اليوم يتحدث عن المقاصد وأهميتها حديثاً نظرياً، وهذا أمر إيجابي لا بد من تكثيفه؛ لكن هذا الدرس في المقابل لا يعتني بالتدريب الفعلي لتطبيق فقه المقاصد، والإشكال الحقيقي في هذا الموضوع يكمن في أن من يحسـنون التنظيـر والضبـط لموضـوع المقاصد كثيراً ما يحصل بينهم نزاع أثناء التطبيق؛ وذلك لأن الدخول في التفاصيل هو الذي يبين دقة الفهم وعمق الإشكال، والطاهر بن عاشور أشار إلى هذا المعنى وبيَّن أن المفاصل الكبرى في باب المقاصد والمصالح والمفاسد، مقام سهل؛ لكن المشكلة تتعقد عندما تأتي التفاصيل والتطبيقات، فقال: «فأصول المصالح والمفاسد قد لا تكاد تخفى على أهل العقول المستقيمة؛ فمقام الشريعة في اجتلاب صالحها ودرء فاسدها مقام سهل، والامتثال إليه فيها هين. واتفاق علماء الشرائع في شأنها يسير، فأما دقائق المصالح والمفاسد وآثارها ووسائل تحصيلها وانخرامها فذاك المقام المرتبك؛ وفيه تتفاوت مدارك العقلاء اهتداءً وغفلةً وقبولاً وإعراضاً»[14].

وهذا النوع من البحث المقاصدي التفصيلي هو البحث الأخطر في باب المقاصد. يقول ابن عاشور في موطن آخر من كتابه: «وفي إثبات هذا النوع من العلل (وهو ما كانت علته خفية) خطر على التفقه في الدين؛ فمِن أجل إلغائه وتوقِّيه مالت الظاهرية إلى الأخذ بالظواهر ونفوا القياس، ومن الاهتمام به تفننت أساليب الخلاف بين الفقهاء»[15].

وإن تدريب المتفقه من زمن مبكر على محاولة التطبيق والتدريب على استعمال المقاصد في حقول التعليم الخاصة وتحت الإشراف العلمي المتزن، سيعين على تجنُّب كثير من مشكلات التفعيل المقاصدي التي نشهدها اليوم؛ فإنه على الرغم من الضعف التأصيلي لفقه المقاصد عند بعض من يمارسه إلا أن مشكلات التفعيل المقاصدي لا تنحصر في ذلك، بل من مشكلاته أيضاً: عدم امتلاك كثيرٍ ممن يمارس التفعيل المقاصدي لملَكة هذا التعامل التي تحتاج إلى قَدْر من الخبرة والنضوج حتى يمتلك الفقيه ناصيتها، وابن تيمية أشار إلى أهمية هذا النوع من الإدراك وأنه يتطلب خبرة طويلة وممارسة عملية فقال: «العلم بصحيح القياس وفاسده من أجلِّ العلوم، وإنما يعرف ذلك من كان خبيراً بأسرار الشريعة ومقاصدها وما اشتملت عليه شريعة الإسلام من المحاسن التي تفوق التعداد»[16].

4 – ويتبع ذلك بناء الملَكة التي تُحسِن التعامل مع فقه المصـالح والمفاسـد: وإن بنـاءَ هـذه الملَكـة ســيسـاعد كثيراً في التعـامل مع كثيـرٍ مـن الوقائع المشكِلة، وسـيسـاعـد أيضـاً – وبشكل كبير – على تجـاوز كثيـرٍ من الخلافـات العلمية التي تحصل بناءً على عدم الاستيعاب الكافي لهذه القضية. يقول ابن تيمية: «وهذا باب التعارض باب واسع جداً، لا سيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة؛ فإن هذه المسائل تكثر فيها، وكلما ازداد النقص ازدادت هذه المسائل، ووجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة؛ فإنه إذا اختلطت الحسنات بالسيئات وقع الاشتباه والتلازم؛ فأقوام قد ينظرون إلى الحسنات فيرجِّحون هذا الجانب وإن تضمن سيئات عظيمة، وأقوام قد ينظرون إلى السيئات فيرجِّحون الجانب الآخر وإن ترك حسنات عظيمة، والمتوسطون الذين ينظرون الأمرين قد لا يتبين لهم أو لأكثرهم العمل بالحسنات، وترك السيئات لكون الأهواء قارنت الآراء… فينبغي للعالم أن يتدبر أنواع هذه المسائل؛ قد يكون الواجب في بعضها… العفو عن الأمر والنهي في بعض الأشياء لا التحليل والإسقاط: مثل أن يكون نهيه عن بعض المنكرات تركاً لمعروف أعظم منفعة من ترك المنكرات فيسكت عن النهي خوفاً أن يستلزم ترك ما أمر الله به ورسوله مما هو عنده أعظم من مجرد ترك ذلك المنكر»[17]. 

وهذه المهارات والـمَلَكات الفقهية لا تؤخذ بمجرد التقرير النظري ما لم يكن معها ممارسة عملية تدريبية. قال رجل لإياس بن معاوية: علمني القضاء. فقال: «إن القضاء لا يُعَلَّم، إنما القضاء الفهم، ولكن قل: علمني من العلم»[18]. 

إن المهارات التي نتحدث عنها هي من جنس مهارة القضاء، هي بحاجة إلى تطبيقات عملية من خلال إقامة دورات علمية متخصصة، أو إجراء حلقات حوارية تتبنى سياسة التدريب الفقهي، سياسةً عملية تنتقل من مجرد التجريد النظري لفقه المقاصد والمصالح والقواعد والضرورة إلى حلقات وبرامج تطبيقية تجمع عدداً من قضايا الواقع التي يلامسها المتفقه ولا يُحسِن التعامل معها ثم تُطرَح على طاولة النقاش والمباحثة العلمية.

وإن كثيراً من الحلْقات التي اهتمت بجانب المسائل الواقعية اعتمدت على أسلوب جمع بعض مسائل النوازل وتقرير الكلام فيها بعيداً عن الحوار والنقاش الذي يُرسِّخ في ذهن المتعلم مأخذ المسألة، ومواطن الخطأ والصواب أثناء عملية التطبيق، وإن أسلوب التقرير المجرد سيحوِّل هذه المسائل النوازل بعد زمن إلى متن فقهي جديد يحفظه الفقهاء الجدد دون وعي كبير بطريقة النظر وأسلوب المعالجة.

ثانياً: بناء ملَكة الاعتدال الفقهي:

إن نفسية الشخص التي تربى عليها، كثيراً ما تؤثر على طبيعة تعامله مع القضايا العلمية والواقعية، ومن المهم إحداث نوع من التوازن في التعامل مع طبيعة تكوين الإنسان وشخصيته؛ ولذلك يقول ابن تيمية عن جانب من كمالات الشيخين – رضي الله عنهما -: «كان من كمال أبي بكر أن يولِّي الشديد ويستعين به ليعتدل أمره، ويخلط الشديد باللين، فإن مجرد اللين يُفسِد، ومجرد الشدة تُفسِد؛ فكان يستعين باستشارة عمر وباستنابة خالد ونحو ذلك… وأما عمر فكان شديداً في نفسه؛ فكان من كماله استعانته باللين ليعتدل أمره، فكان يستعين بأبي عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص وأبي عبيدة الثقفي»[19].

وإن نفسية الفقيه ليست بمعزل عن هذا الكلام؛ فقد تؤثِّر نفسية الفقيه في اختياراته الفقهية، وفي طريقة عرضه للمسائل والخلاف الفقهي، وفي هذا المعنى يقول ابن حزم: «إن الناس مختلفون في هممهم واختيارهم وآرائهم وطبائعهم الداعية إلى اختيار ما يختارونه وينفرون عما سواه، متباينون في ذلك تبايناً شديداً متفاوتاً جداً: فمنهم رقيق القلب، يميل إلى الرفق بالناس، ومنهم قاسي القلب شديد يميل إلى التشديد على الناس… ومنهم معتدل في كل ذلك يميل إلى التوسط، ومنهم شديد الغضب، يميل إلى شدة الإنكار، ومنهم حليم يميل إلى الإغضاء»[20]. 

وفي ظل هذا التنوع الكبير في نفسيات المتلقين فإن واحداً من أهم عوامل بناء الاعتدال الفقهي وضبط عملية التوازن، هو أن يتعلم المتفقه الجديد مرتبة الخلاف في المسائل التي يتلقاها؛ وهذا من خلال معرفة ضوابط الخلاف السائغ وغير السائغ بين العلماء، وكيفية التعامل مع كل نوع من هذه الخلافات من حيث القائلُ، والقولُ، وطريقةُ المناقشة؛ لا يتعلمه من الجهة النظرية فحسب، بل يتعلمه من الناحية التطبيقية، فيُعْرَض عليه كثير من المسائل ليطبِّق عليها تلك الضوابط؛ لأن بناء النفسية المعتدلة في الأداء الفقهي يحتاج إلى تدريب وممارسة من خلال عقد حوارات علمية تعليمية يتدرب فيها المتفقه على أسلوب النقاش والحوار، وعندما يتدرب على ممارسة الحوار والنقاش في مكان علمي هادئ، سيتمكن من تطوير نفسه في التعامل مع أقوال الآخرين.

لقد نجح خطـابنا الفقهي في تربية المتفقه على لغة الراجح ولغة البحـث عن الدليل؛ لكـن هـذا الجانب – على أهمـيتـه – لا يكفـي وحـدَه؛ بل لا بد أن يتـربى وعـي المتفقـه – بالإضافة إلى القول الذي يختاره ويدين اللهَ به – على معرفة كيفية التعامل مع الأقوال الأخرى التي لا يعتقد رجحانَها، وهذا يعني أن ينضم إلى لغة الراجح والمرجوح لغةُ الخلاف السائغ وغير السائغ، وإن هذا التدريب سيجنِّب المتفقه التعصب لهذا الراجح الذي يعتقده؛ ليس من جهة الالتزام به وإنما من جهة عدم اعتداده بالأقوال الفقهية المعتبَرة الأخرى لمجرد أنها ليست راجحة. 

وإن إدراك هذا الجانب مهم في تكوين الفقيه. يقول ابن تيمية عـن حـال غالـب الفقهـاء وعــدم تمييـزهـم بين درجـات المسـائل وهو ما يفقدهم الاعتدال في تقرير حكمها: «وأما الخائض فيه (أي: الفقه) فغالبهم إنما يعرف أحدهم مذهب إمامه، وقد يعلمه جملـة، لا يميز بين المسائل القطعية المنصوصة والمجمَع عليها، وبين مفاريده، أو ما شاع فيه الاجتهاد؛ فتجده يفتي بمسائل النصوص والإجماع من جنس فتياه بمسائل الاجتهاد والنزاع… لكن هؤلاء ليسوا في الحقيقة فقهاء في الدين، بل هم نَقَلَة لكلام بعض العلماء ومذهبه»[21].

تفعيل مهارة البحث الفقهي:

عندما لا يتسلح الفقيه بقدر كافٍ من الملَكة البحثية فمن الممكن أن يؤثر ذلك على صـناعته الفقهيـة، وكثيـرٌ من المتعلمين لا يملك إلا قدراً متواضعاً من معرفة المصادر العلمية، ومناهجها، وكيفية التعامل معها، وهذا يتطلب حلقات تعليمية لا تكتفي بمجرد سرد المصادر وبيان طرق وأساليب البحث؛ بل تنتقل إلى داخل أروقة المكتبات العامة، لتُعَرِّف المتفقهةَ الجدد بمصادر العلوم، ومن ثَّم تكليفهم ببحوث عملية داخل هذه المكتبات، وتقيم عدداً من المناقشات العلمية حول بعض البحوث المعاصرة ومعرفة مَواطن التميُّز المنهجي فيها ومواطن الضعف.   

كما أن من جوانب البحث المهمة تفعيل دور البحث التاريخي في العلوم؛ فمن المهم أن يُدرَّب المتفقه الجديد على استكشاف الجانب التاريخي للعلوم والمسائل؛ فقد يدرس المتعلم علم الفقه أو غيره؛ لكنه لا يملك دراية كافية بالتطور التاريخي لهذا العلم ومسائله؛ مع أن هذه المعرفة التاريخية لها أثرها الكبير في فتح ذهنية المتفقه إلى إشكالات العلم، وتفريعاته، وأساليب بنائه.

وإن بناء هذه المنهجية البحثية عند المتفقه ستقوده للوصول إلى الصواب الذي يبحث عنه، فإن «من حكى خلافاً في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه»[22].

تنمية مهارة التواصل الفقهي مع الجماهير:

تواصل الفقيه مع الناس من خلال الكتابة أو الحديث المباشر بحاجة إلى مهارات لا بد من امتلاكها، ومن خلالها يمكن أن يوصل الفقيه رسالته للآخرين على أكمل وجه، ومن الزوايا المهمة في هذا الجانب ما يلي:

1 – في الوقت الذي كثرت فيه الشُُّّبه والتشكيك في الأحكام الشرعية فنحن بحاجة إلى لغة الحديث التي تعتمد أسلوب الإقناع بالأحكام إلى جانب التقرير العلمي المجرد، والتي تُبين محاسن التشريع الإسلامي وفلسفته في تقرير أحكامه، بل تتعدى ذلك إلى مقارنته مع أحكام الشرائع الأخرى حتى تظهر سماحة هذا الدين وتميُّزه عن غيره من الديانات. يقول ابن تيمية: «وإنما ننبه على عِظَم المصلحة في ذلك بياناً لحكمة الشرع؛ لأن القلوب إلى ما فهمت حكمته أسرع انقياداً ، والنفوس إلى ما تطَّلع على مصلحته أعطش أكباداً»[23].

وربما كان من أخصر الطرق للإقناع – أو حتى الإحراج لمن لا يريد ذلك – أن يستعمل الخطابُ لغة الأرقام والإحصائيات في تأييد بعض الأحكام الشرعية، أو أن يذكر بعض التجارب التي حصلت في بلاد أخرى حول بعض القضايا الشرعية.

2- ونحن بحاجة في لغة الفقيه الجديد إلى لغة تراعي في حديثهـا البعـد العـالمي، وإن مـراعــاة هـذا البعـد يعني أن الفقيـه لا يكفيه اعتماده على الرصيد الشعبي الذي يجده بين بني قومه، بل لا بد من حديث يستند إلى الأساس العلمي أكثر من استناده إلى الأساس الذاتي الذي يرجع لشخص الفقيه، ويُلْمح ابن تيمية إلى قريب من هذا المعنى؛ حيث يقول: «الاعتماد على الأجوبة العلمية يكون على ما يشترك الناس في علمه، لا يكون بما اختص بعلمه المجيب؛ إلا أن يكون الجواب لمن يصدقه فيما يخبر به»[24].

ومن أجل هذا النوع من العالمية فإننا بحاجة إلى أن نعيد النظر في الأسلوب الذي يعتمد على (اجتماع الجيوش) والذي يجمع صحيح الاستدلال مع ضعيفه من باب تضافر الأدلة، ولنقدِّر له أحواله الخاصة، ولنقتصر في الاستدلال على الاستدلالات الصحيحة، مع استبعاد ما لم يكن كذلك حتى لا يُشَغب عليها.

3 – ونحن بحاجة كذلك إلى اللغة التي لا تستغرق في مشكلات البيئة التي يعيش فيها المتحدث؛ بل تتجاوزها إلى مراعاة المشكلات التي يعاني منها المسلمون في بلدان أخرى إسلامية وغير إسلامية، وإن تسميتنا لفقه بعض هذه البلدان بـ (فقه الأقليات) ربما أشعرتنا أحياناً بجعل هذا الفقه على هامش الاهتمام والعناية، لكن الواقع اليوم يثبت أن مسائل هذه الأطراف لم تعد تعني (أقلية) في قطر معيَّن، بل إنها تعني في بلدان أخرى (أكثرية) لكنها محكومة بنظام غير إسلامي ويتعرض أهلها للمشكلات نفسها التي تتعرض لها الأقليات في بلدان أخرى، ثم إننا عندما نغض الطرف عن مقارنتهم بغيرهم فإنهم لم يعودوا (أقلية) بل أصبحت الأرقام تتحدث عنهم بلغة الملايين، ثم إن هذه الأقلية أصبحت مندمجة بصورة غير مباشرة مع الآخرين، فأصبحـتَ لا تكاد تستمع لبرنامج مباشر يتلقى فيه الفقيه أسئلة من هنا أو هناك إلا وتجد عدداً من المشاركات التي تأتي من تلك البلدان؛ لتسأل وتستفسر عن مشكلاتها، بل ربما تستشكل بعضَ الأجوبة التي لا تراعي أحوالها.

تجديد معارف الفقيه:

الفقيه الجديد ينبغي أن يُدْخَل في إعداده وتكوينه مجموعة من المعارف التي تطلبتها التحولات الكبيرة التي يشهدها واقعه، وقبل أن أدخل في دائرة هذه المعارف فإننا لا نريد أن نحوِّل الفقيه الجديد إلى رجل أسطورة تجتمع فيه كافة التخصصات والمعارف، بل كل الذي نريده أن ننظر إلى تلك المعارف بقدر من الاعتدال بين دعوات تدعو أن يكون الفقيه موسوعي المعرفة، وبين دعوات أخرى تريد أن تهمِّش الفقيه حتى تُفقدَه دورَه الإصلاحي بحجة عدم إدراكه لما يتحدث عنه.

إن هذه المعارف ستساعد الفقيه على استيعاب عمق المسائل المطروحة عليه؛ فيُميِّز بين تلك المسائل التي يحتاج إلى تحويلها إلى المتخصصين في مجالها، وبين تلك المسائل التي يمكن للفقيه بما يملكه من معارف ضرورية أن يتحدث حولها.

كما أن المقصود من إدراك هذه المعارف، هو إدراك القَدْر الأساسي الذي لا يسعه جهله، وليس المراد المعرفة الشاملة التي يحتاجها المتخصصون.

فعندما يتحدث الفقيه عن مسألة الربا، ويُبيِّن شيئاً من آثارها، فلا بد أن يكون على دراية بالقدر الأساسي من المعرفة بنظام الاقتصاد الدولي الحديث ونحو ذلك من معارف الاقتصاد الأساسية.  

كمـا أن الواقـع المعاصـر أصبـح يفـرض علـى فقيــه اليـوم – وبشكل متزايد – واجبات أكبـر من واجبات الفقيه السابق؛ فإن كثيراً من الناس مهما تحدثنا معهم عن اختلاف التخصصات، واختلاف الأدوار، فلا يزال عند شريحة كبيرة منهم نوع من التمسك بالتوجيه الذي يتلقاه من الفقيه، ومن أكبر أسباب ذلك البعد الديني الذي يحتاجه السائل في حل بعض هذه المشكلات، ومن ثَمَّ فلم يعد بوسع الفقيه اليوم أن يتجنـب التوجيـه الاجتمـاعي الرشيد وهـو يجيـب المسـتفتي – مثلاً – حول مسألة الطلاق أو اللعان؛ لأن كثيراً من الناس اليوم عندما يسألون قد لا يطلبون من الفقيه فقط بيان الحكم الشرعي للطلاق الذي هو داخل دائرة اختصاصه، بل إنهم يسألونه ليرشدهم كذلك كيف يواجهون مشكلاتهم التي تقودهم إلى الطلاق؟ وهذه وظيفة أخرى ليست داخلة تحت دائرة اختصاصه، وهذا يعني أنه قد أضيف له دور آخر غير دور الإفتاء المجرد.

وإن السائل الذي يأتي ليسأل حول بعض المسائل التي تتعلق بالوسوسة في أداء العبادات تتطلب من الفقيه أن يدرك بعض أساسيات التعامل مع مرض الوسوسة ويمكنه بعد ذلك أن يوجه السائل إلى متخصص في هذا المجال.   

فهل سنضيف لمعارف الفقيه الجديد قدراً – ولو متواضعاً – من بعـض الأسس التـربوية والنفسـية في التعـامل مع مشـكلات الحياة، كالمشكلات الزوجية وغيرها؛ من التي كثيراً ما تتردد على ألسنة الناس؟

وفي جانب آخر من المعارف فإن حديث الفقيه حديث يراد منه إحداث التغيير في المجتمع؛ وهذا يعني أن يدخل في بناء الفقيه الجديد معارف ضرورية في سُنن التغيير في المجتمع، فليس من دور الفقيه أن يُبيِّن الحكم للناس دون مراعاةٍ لأبعاد هذا الحكم، أو النظر في إمكانية تطبيقه على أرض الواقع. يقول ابن تيمية في هذا المعنى: «فالعالِم في البيان والبلاغ كذلك، قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكن، كما أخَّر الله – سبحانه – إنزالَ آياتٍ، وبيان أحكام إلى وقت تمكُّن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيانها… ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد، وهو ما يراه من دين الله، فإن القوم لم يستجيبوا له، لكن فَعَل الممكن من العدل والإحسان، ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك، وهذا داخل في قوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ} [التغابن: 16][25]، وفي سير الأنبياء ثروة عظيمة من سنن التغيير في المجتمعات استفادت منها مجموعة من الدراسات الإسلامية التي كتبت في (علم الاجتماع).

أنني أُدرك إدراكاً تامّاً أن هذه الرؤى التي تقدمت إنما هي بحاجة إلى مزيد من المراجعة والتنقيح، والحديث حولها بحاجة كذلك إلى مجموعة من الورش العملية التي تخرِّج الرؤى حول هذا الموضوع أكثر نضجاً وواقعية، ولعل هذه الأسطر أن تثير مجموعة من التساؤلات حول هذا الموضوع الكبير. 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

—————— 

المراجع

[1] القطيعة الإبستيمولوجية: مصطلح فلسفي أسسه العالم الفرنسي غاستون باشلار، ويذهب فيه إلى أن حركة تاريخ الفكر تمر بمجموعة مراحل انتقالية كل مرحلة تحدث قطيعة وانفصالاً مع مفاهيم وبنية تفكير المرحلة السابقة. وهي فكرة ليست محل اتفاق تام في الحقل الفلسفي الغربي، لكن عدداً من المفكرين العرب: كمحمد عابد الجابري ومحمد أركون وهاشم صالح، يدعون لتطبيق هذه الفكرة في واقع الفكر الإسلامي.  

[2] أخرجه الترمذي.

[3] أليس الصبح بقريب، ابن عاشور، (ص: 46).  

[4] الاستقامة، ابن تيمية، (1/ 56).

[5] الاستغاثة في الرد على البكري، ابن تيمية، (1/244).

[6] فتاوى الإمام الشاطبي، (ص: 120 – 122).

[7] المعيار المعرِب والجامع المغرِب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب، (11/142).

[8] مذكرات شاهد على القرن، مالك بن نبي، (ص 236). 

[9] بداية المجتهد، ابن رشد، (1/ 664).

[10] الفتاوى، ابن تيمية، (4/ 46).

[11] اقتضاء الصراط المستقيم، ابن تيمية، (2/541).

[12] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، (35/28).

[13] الطرق الحكمية، ابن القيم، (1/47).

[14] مقاصد الشريعة، ابن عاشور، (ص 258).

[15] مقاصد الشريعة، ابن عاشور، (ص 151). 

[16] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، (20/ 583).

[17] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، (20/57).  

[18] تهذيب الكمال، المزي، (3/435).

[19] منهاج السنة، (6/ 138).

[20] الإحكام في أصول الأحكام، ابن حزم، (4/ 138).   

[21] الاستقامة: 1/60.

[22] الفتاوى: 13/ 367.

[23] الصارم: 3/905.

[24] الفتاوى: 4/ 168.

[25] الفتاوى: 20/58 – 65 .

——————–

المصدر: موقع مجلة البيان 

-- ياسر بن ماطر المطرفي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*