الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الشرق الأوسط الملتهب

الشرق الأوسط الملتهب

الشرق الأوسط اليوم بات مسرحا للصراع الدولي، ولأن أميركا تدرك نهوض المارد الشرقي بقيادة الصين، وبداية تعافي روسيا واستعادة قوتها، ومحاولة الأخيرتين التمدد داخل الشرق اقتصاديا وعسكريا وسياسيا فإن هذا قد دق ناقوس الخطر

من كان يظن أن أميركا تقبل بديموقراطية وحرية واستقلالية لأي مكان في العالم فهو قد أبعد النجعة وأخطأ التحليل، فهي لم تقم ديموقراطية حقيقية في نفسها، وفاقد الشيء لا يعطيه، والنزعة الاستعمارية لا تزال تشكل “ذهنية السياسة الغربية”، وتحويل العالم إلى “بؤر صراع للقوى” هو المشروع الكبير لكي تظل الحضارة المهيمنة أطول مدة ممكنة.

إن الشرق الأوسط محط أنظار العالم أجمع، والمحطة النفطية الكبيرة من ثرواته، وهو يشكل لدى القوى الكبرى موقعاً مهماً لا يمكن أن يهمل أو تكون أحداثه أحداثاً عابرة لا تقلقهم، وخاصة أن إسرائيل التي تمثل الابن المدلل للغرب تعيش محاصرة شعورياً وسياسياً واقتصادياً في المنطقة، وتعتبر نبتة غريبة منبتة ليست من نسيجه لا ثقافياً ولا تاريخيا ولا حضارياً، ولكنها تركة خلفتها بريطانيا بعد أفولها وأورثت ملفها لأميركا لتقوم بالرعاية التامة للابن المدلل، حتى أصبحت حماية أمن إسرائيل، وتفكيك القوى المخيفة لها وإضعافها هي البرنامج الانتخابي الذي يقدمه المرشح الأميركي ليكسب ود الصهيونية المتغللة في أميركا والتي تستحكم على المال والاقتصاد والنفوذ والتأثير.

إن أميركا لم تطلق مصطلح “الربيع العربي” إلا حين أدركت أنه ربيع سوف ينعمون فيه بالمتعة والعافية، فمنذ أن أطلقت كونداليزا رايس مشروع “الشرق الأوسط الكبير” وهم يعدون العدة لخلط الأوراق، وتعميم “الفوضى الشاملة الخلاقة” التي تسمح لهم أن يعيدوا ترتيب المنطقة بما يتوافق مع مصالحهم الخاصة، ولعدم قناعتهم بشكل المنطقة بعد سايس بيكو، ولأن حقيقة التغيرات الكبرى حاضرة في أذهان المستعمرين دائماً فهم يدركون حجم المآسي التي سوف تكون على “خارطة الدم”، وصياغة المنطقة على أساس عرقي طائفي، تصب في نهاية المطاف إلى تفتيت المفتت، وإضعاف الضعيف.

إن الشرق الأوسط اليوم بات مسرحاً للصراع الدولي الذي يريد أن يقتسم خيراته وثرواته ويحقق نفوذه فيه، ولأن أميركا تدرك نهوض المارد الشرقي بقيادة الصين، وبداية تعافي روسيا واستعادة قوتها، ومحاولة الأخيرتين التمدد داخل الشرق الأوسط اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً فإن هذا قد دق ناقوس الخطر، ويؤذن بأن يكون هذا سبباً في أفول نجمها في قيادة العالم، فلا بد من مواجهة شرسة وكنس لها من المنطقة كلها.

والأمر كما عبر عنه هنري كيسنجر ثعلب السياسة الأميركية والسياسي المحنك والراسم للرؤية السياسية الأميركية حين أعلن أن “من لا يسمع طبول الحرب العالمية الثالثة تقرع فإن في آذانه صمما”، حاثاً الإدارة الأميركية إن هي أرادت الانتصار فيها أن ” تحتل سبع دول عربية ” لتستطيع أن تواجه الصين وروسيا في الحرب المقبلة..

الأحداث في سورية تقف في رأس قائمة المشكلات الكبرى التي قد تجر إليها أطرافاً كثيرة في صراع كبير، فإيران التي ترى في كسر حكومة الأسد وإسقاطها كسرا لظهر هلالها الطائفي، وتحجيماً لأطماعها التوسعية في المنطقة، وهذا يجعل موقفها في دعم الأسد موقفاً مبدئياً، فهي معنية بالصراع داخل سورية أشد من حكومة الأسد نفسه، وفشل الأسد في إفشال الثورة يعني فشلاً وتأخراً لمشروعها وإرجاعها إلى الوراء سنوات طويلة، وعليه فيكون موقف دول الخليج من الصراع في سورية لا يقل عن درجة موقف إيران، بل لابد أن تصبح سورية هي مركز الصراع وأرضه، حيث فهمت دول الخليج الدور التي تريد أن تلعبه إيران في مشروع الشرق الأوسط الكبير، وما صراعها مع الغرب في شأن “المفاعل النووي” إلا صراع على حجم القطعة التي سوف تأخذها من كعكة خارطة الشرق الأوسط الجديد. 

ولأنها تريد أن تقتسم اقتسام القوي فقد لجأت للضغط حتى تصبح هي وإسرائيل فرسي رهان في المنطقة برعاية أميركية بامتياز، فهي لم ترض بالعراق هدية أميركية لها، بل أطماعها تمتد إلى غيره بعد أن سلمت أميركا لها العراق كخطوة أولى لتسليمات قادمة.

إن الثورة السورية بالنسبة لدول الخليج هي قضية حياة أو موت، وعليه فلا بد لها من أن تربط حزام المواجهة، شريطة أن يتوافق هذا مع إدراك أنها تعيش في مرحلة حرجة تحتاج إلى قرارات فاعلة، لتتفرغ إلى إعمال الدور الفاعل في المنطقة بما نملكه من مقومات مالية وسياسية كبيرة تستطيع من خلالها أن تصنع الكثير في الوقت القليل، وإلا فستقول يوماً إنما أكلت حين أكل الثور الأبيض.

إن الناس مهما جمعوا وتحزبوا فإنهم “يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين”، ولكن سنن الله تقتضي أن يعمل الناس على مواجهة المخططات بعمل وجد وإخلاص وعزيمة، حينها سوف تفشل مخططات ومؤامرات المتآمرين، ولكن المخططات حين تواجه بالاستخذاء والقعود فإننا بأيدينا ننجح مساعي الآخرين ومخططاتهم، وبالصبر والتقوى واليقين لا يضر كيدهم شيئا : “وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا”، “والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون”.

——————

نقلاً عن الوطن أونلاين 

-- بدر بن سليمان العامر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*