الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » قراءة في خطاب العرش المغربي

قراءة في خطاب العرش المغربي

ألقى الملك محمد السادس خطاب العرش في الذكرى 13 لاعتلائه سدة الحكم. وهول أول خطاب في عهد حكومة يقودها حزب العدالة والتنمية الإسلامي. وحرص الملك على وضع التغيير الذي يعيشه المغرب في سياقه التاريخي وشروطه السياسية ، مما يحافظ للمغرب على تميزه وتفرد تجربته السياسية ، على اعتبار أن التغيير والإصلاح اللذين يعرفهما المغرب ليسا وليدي ثورة ولا انتفاضة (لقد دخلت بلادنا مرحلة جديدة ٬ لم تكن محض مصادفة ٬ ولا من صنع ظروف طارئة ٬ بقدر ما تعد ثمرة سياسة متبصرة واستراتيجية متدرجة) . مما يعني أن المغرب انخرط بإرادة ووعي في عملية الإصلاح منذ 13 سنة ، تميزت بفتح أوراش كبرى على المستوى السياسي والاقتصادي والتنموي والاجتماعي والبيئي ،والتي تتطلب إرادة سياسية حقيقية لتجاوز أعطاب الماضي والتأسيس لدولة الحق والقانون . 

وفي هذا الإطار ذكّر الخطاب الملكي بالأوراش التي أرخت لدخول المغرب إلى ما بات يعرف بـ”العهد الجديد” ، ومنها:

ـ  “تحقيق مصالحة المغاربة مع ذاتهم وتاريخهم ٬ وذلك من خلال عمل هيأة الإنصاف والمصالحة ). وهي الهيئة التي تأسست لطي صفحة الماضي المعروف بسنوات الرصاص أو الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان . 

وعملت الهيئة على كشف حقيقة الانتهاكات وجبر الضرر الفردي والجماعي والتزام الدولة بعدم ارتكاب الانتهاكات من جديد في حق المواطنين . وكانت هذه التجربة رائدة في العالم العربي والإسلامي . 

فالنظام سمح بالكشف عن خروقاته دون المرور عبر الانقلابات العسكرية أو الثورات الشعبية . فهي إذن مصارحة ومصالحة في ظل الاستمرارية .

ـ ” رد الاعتبار للأمازيغية كمكون من مكونات الهوية ٬ورصيد مشترك لجميع المغاربة “. وهذا يقتضي من الحكومة اتخاذ الإجراءات الضرورية لجعل اللغة الأمازيغية متداولة في المؤسسات والإدارات كلغة رسمية .

ـ  “توسيع فضاء الحريات وحقوق الإنسان”. وهذا يقتضي من الحكومة ضمان الحريات وحمايتها من أي طرف أو جهة يهددان الحريات الفردية ، كما كان الشأن مع الفقيه عبد النهاري الذي حرض على قتل أحد الصحافيين ، فتدخلت النيابة العامة للتحقيق معه ومتابعته بتهمة التحريض على القتل .

ـ ـ هيكلة الحقل الديني من أجل تحصينه من الاختراقات المذهبية وتوفير الأمن الروحي للمغاربة ضد التطرف الديني (وبصفتنا أميرا للمؤمنين ٬ ما فتئنا نعمل ٬ بمقتضى البيعة المقدسة التي نتولى أمانتها العظمى٬ على أن تظل المملكة المغربية نموذجا في الالتزام بالإسلام السني الوسطي السمح٬ الذي لا مكان فيه للتطرف والتعصب والغلو والانغلاق).

ـ “تخويل المرأة وضعا ٬ في إطار مدونة الأسرة ٬ يحفظ لها كرامتها وينصفها ويمكنها من سبل المشاركة في الحياة العامة”. وهذا يفرض على حزب العدالة والتنمية الذي يرأس الحكومة أن يتخلى عن مواقفه المناهضة لحقوق المرأة ، وفي نفس الوقت العمل على تفعيل مبدأ المناصفة الذي نص عليه الدستور  ويقتضي تولي المرأة المناصب العليا مناصفة مع الرجل .

ـ “إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية منذ سنة 2005 ٬ وفق رؤية شمولية لمحاربة الإقصاء والتهميش والفقر”.

ـ “فتح ورش المراجعة الدستورية ٬ وفق مقاربة تشاركية” .

كما حرص الخطاب الملكي على تحديد أولويات الحكومة لإنجاح الأوراش المفتوحة ، ويتعلق الأمر بـ :

ـ تجديد النخب وإشراك المرأة والشباب في إنجاز الأوراش ( ولكسب رهانات هذا المسار٬ يتعين فسح المجال لتجديد النخب٬ والمشاركة الواسعة والمكثفة للنساء والشباب وفتح الآفاق أمام المواطنات والمواطنين المؤهلين٬ المتحلين بروح المسؤولية والنزاهة ” . 

وهذا يقتضي من الحكومة القطع مع الأساليب التقليدية في تدبير الشأن العام والتعامل مع المواطنين وجمعيات المجتمع المدني كشركاء في البناء والاقتراح والمراقبة . 

ـ ورش “إصلاح الإدارة العمومية٬ لتمكينها من مواكبة متطلبات هذه الرؤية الترابية الجديدة. وهو ما يطرح مسألة اللاتمركز ٬ الذي ما فتئنا ندعو إليه منذ أزيد من عشر سنوات. ومن هذا المنطلق٬ فالحكومة مطالبة باعتماد ميثاق للاتمركز٬ بما يمكن الإدارة من إعادة انتشار مرافقها”

ـ “حكامة جيدة٬ تضع التنمية البشرية في صلب اهتمامها. إذ لا سبيل الى رفع التحديات التي تواجه هذه الحكامة إلا بتحقيق تنمية بشرية عادلة ومنصفة٬ كفيلة بالتصدي للعجز الحاصل في المجال القروي٬ والخصاص الذي يعيق النمو في الوسط الحضري”.

ـ ” تفعيل المؤسسات المنصوص عليها في الدستور الجديد ٬ ذات الصلة بالحكامة الجيدة٬ ومحاربة الرشوة٬ وبالتنمية الاقتصادية والاجتماعية ٬ بصفة عامة”.

ـ “مضاعفة العناية بمخطط المغرب الأخضر٬ الذي يعد عاملا أساسيا للتنمية الفلاحية. وهو ما يتطلب تكثيف أنشطته٬ بقصد توسيع وتنويع المنتوج المغربي٬ والرفع من مردوديته٬ وتقوية قدرات الفلاحين الصغار٬ في إطار برامج تضامنية٬ تساهم في تحسين الظروف المعيشية لساكنة العالم القروي”.

ومن أجل الإسراع بإنجاز  الأوراش المفتوحة وتحقيق الإصلاح المنتظر ، وضع الملك في خطابه خارطة طريق أمام الحكومة وألزمها باحترام السياسات العامة والاختيارات الاستراتيجية ،ومنها:

ـ ( توفير شروط التكامل بين مختلف الاستراتيجيات القطاعية٬ واعتماد آليات لليقظة والمتابعة والتقويم٬ تساعد على تحقيق التناسق فيما بينها٬ وقياس نجاعتها٬ وحسن توظيف الاعتمادات المرصودة لها٬ مع الاجتهاد في إيجاد بدائل للتمويل٬ من شأنها إعطاء دفعة قوية لمختلف هذه الاستراتيجيات).

ـ ( ضرورة تطوير الآليات التعاقدية المتعلقة بالشراكة بين القطاعين العام والخاص. هدفنا تحقيق الاستفادة المثلى من الاستثمارات المتاحة).

ـ الحث على ( مواصلة الإصلاحات٬ ويعزز اقتناعنا بصواب الخيارات السوسيو – اقتصادية٬ التي أخذنا بها منذ أمد بعيد. حيث مكنتنا من إطلاق أوراش كبرى٬ كفيلة بدعم البنيات التحتية٬ والتجهيزات الأساسية التي تتطلبها بلادنا٬ وذلك في إطار الاستراتيجيات القطاعية٬ التي تمت بلورتها وفق معايير ناجعة٬ لبلوغ الأهداف المتوخاة).

ـ تكثيف الجهود من أجل ( النهوض بمختلف المجالات الصناعية٬ والتكنولوجيات الحديثة٬ من خلال تهيئة أقطاب وفضاءات اقتصادية مندمجة٬ كفيلة بتوسيع آفاق الاستثمار٬ وتحسين القدرات التنافسية لمقاولاتنا).

ـ دعم القطاع السياحي وتطويره ( وفي هذا الصدد٬ ينبغي التذكير بأن القطاع السياحي يشكل عاملا قويا في النهوض بالتشغيل٬ وتنمية الثروة الوطنية٬ انطلاقا مما يتوفر عليه المغرب من مؤهلات طبيعية متنوعة٬ وخصوصيات حضارية وتراثية غنية).

ـ تفعيل وتعميم برنامج المساعدة الطبية (رميد) (وهو ما يستوجب من الحكومة بذل كل الجهود لإنجاح هذا النظام ٬ من خلال استهداف دقيق للفئات المعنية ٬ والتكفل بالخدمات المحددة بطرق مناسبة ).

ـ  حث الحكومة على ( التجاوب مع المتطلبات الاجتماعية للمواطنين ٬ مع الحرص على تحقيق حكامة جيدة للسياسة المالية لبلادنا ٬ بهدف تحصين قدراتها التنموية ٬ والحفاظ على مصداقيتها على الصعيد الدولي ).

ـ  ضرورة احترام ثوابت المغرب في تعامله مع دول العالم ( ستظل الدبلوماسية المغربية وفية لثوابتها العريقة في التعامل مع العالم الخارجي ٬ على أساس الثقة في الذات ٬ واحترام الشرعية الدولية ٬ والإلتزام بكل ما يعزز السلم والامن الدوليين ٬ ومناصرة القضايا العادلة ٬ وتقوية علاقات التعاون الدولي في كل مجالاته).

ـ العمل على استغلال التحولات الإقليمية والدولية  لتفعيل اتحاد المغرب العربي ( ففيما يتعلق بمحيطنا المغاربي المباشر٬ فإن التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة ٬ تمنحنا فرصة تاريخية للإنتقال بالإتحاد المغاربي من الجمود الى حركية تضمن تنمية مستدامة ومتكاملة).

ـ دعم العمل العربي المشترك مع  الالتزام بتعميق العلاقة مع دول الخليج ( وفي هذا الصدد٬ نثمن القرارات التي تم اتخاذها لتجسيد الشراكة الاستراتيجية التي تجمع بين المغرب ودول مجلس التعاون الخليجي٬ مؤكدين التزامنا الراسخ بتعميق علاقاته مع هذه الدول الشقيقة٬ وتعزيزها في جميع المجالات).

ويراهن الخطاب الملكي ، في تحقيق التنمية الشاملة ،على الاستثمارات الخارجية ، وخاصة الاستثمارات الخليجية ( وإدراكا منا لأهمية هذه الشراكة٬ اعتمدنا مقاربة مبتكرة٬ من خلال إحداث الهيأة المغربية للاستثمار٬ التي تضم صناديق الاستثمارات القطاعية الوطنية. 

هذه الهيأة التي تتوخى تعزيز الاستثمار في مختلف المجالات المنتجة٬ وتحفيز الشراكات مع المؤسسات الدولية. غايتنا تمكين بلادنا من فرص التمويل٬ التي تتيحها الصناديق السيادية الخارجية٬ وبصفة خاصة صناديق دول الخليج الشقيقة٬ التي نشيد بإسهامها الفعال في دعم المشاريع التنموية ببلادنا) . فالمغرب يفتح مجالاته للاستثمار الخليجي بما يتوفر عليه من مؤهلات وما يتميز من استقرار .

إذن ، جاء الخطاب الملكي مذكّرا بالإنجازات السابقة ، ومحددا للتوجهات الكبرى للحكومة حتى لا تتيه هذه الأخيرة بسبب “توجهات سياسوية” تضر بمصالح المواطنين ومصلحة الوطن . 

وهذه كلها رسائل مباشرة إلى الحكومة حتى تكف عن الاستغلال السياسوي للأوراش الكبرى أو تغليب مصلحة الأحزاب على مصلحة الوطن ؛ خصوصا وقد ظهرت توجهات لدى رئاسة الحكومة تدفع العلاقات المغاربية إلى مزيد نحو التأزم إثر تصريح السيد بنكيران ، رئيس الحكومة ، لقناة الجزيرة بأن المغرب سيقاطع القمة المغاربية المقبلة إلى حين قبول الجزائر فتح حدودها مع المغرب . 

وهذا توجه مصادم لثوابت السياسة الخارجية للمغرب التي تقوم على دعم وتقوية العلاقات المغاربية والعمل على تجاوز الخلافات لا تأجيجها . فضلا عن هذا ، حرص الخطاب الملكي على تطويق الحكومة بمسئولية ( التجاوب مع المتطلبات الاجتماعية للمواطنين ٬ مع الحرص على تحقيق حكامة جيدة للسياسة المالية لبلادنا ٬ بهدف تحصين قدراتها التنموية ٬ والحفاظ على مصداقيتها على الصعيد الدولي ). 

وليس على الحكومة إلا الالتزام بهذه التوجيهات الملكية والارتقاء بعملها من أجل دعم مسلسل التغيير والإصلاح الذي انخرط فيه المغرب بإرادة واقتناع.

-- خاص بالسكينة:سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*