الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » قوة النظام السياسي وضعف المجتمع

قوة النظام السياسي وضعف المجتمع

شهد العالم العربي خلال العقود الثلاثة الماضية أحداثاً سياسية ضخمة. بعض هذه الأحداث صار بعيداً عنا بالمقياس الزمني، لكن تأثيراته الخفية لا تزال حاضرة. مثال ذلك زيارة الرئيس المصري أنور السادات للقدس عام 1977. أحداث أخرى ليست قريبة زمنياً، لكن تأثيراتها أكبر حجماً وفاعلية، مثل الغزو العراقي للكويت عام 1990. يأتي بعد ذلك الغزو الأميركي للعراق. 

كان هذا من تداعيات غزو الكويت، إلا أن تأثيره أعمق بكثير. أضعف العراق، وأخرجه من المعادلة الإقليمية، وجعله أقرب لأحلام طهران في أن يكون حديقتها الخلفية، وعمقها الاستراتيجي الذي تفتقده.

 بعده بسبع سنوات بدأت موجة الثورات الشعبية. وهنا وصلت مسيرة الأحداث إلى ذروتها. خلال هذه المسيرة وضعت العلاقة بين المجتمع والدولة أمام امتحان قاسٍ من ناحية، وكاشف من ناحية أخرى. هو قاس لأن ثورة الشعب أفضت إلى صدام دموي بين السلطة والمجتمع. أبشع صور هذا الصدام كانت في ليبيا، وفي سورية. وهو كاشف لأنه سلّط الضوء على موقع كل من المجتمع والنظام السياسي في إطار العلاقة التي تجمعهما.

في هذا المشهد العريض ملاحظات كثيرة ومتنوعة جداً. لكن هناك ملاحظة لافتة وذات صلة أكثر مباشرة بموضوعنا. النظام العراقي السابق سقط على يد غزو أجنبي. والنظام الليبي لم يسقط إلا بمساعدة من القوات الجوية لحلف الناتو. والنظام السوري لا يتوقف عن قتل المحتجين بشكل يومي على مدى ما يقرب من سنة ونصف السنة الآن. 

وهو ما وضع الأساس الأخلاقي لرفض التدخل الأجنبي أمام محنة حقيقية. ماذا تقول هذه الملاحظة عن علاقة الدولة بالمجتمع في حالة هذه الدول الثلاث، وفي الحالة العربية ككل؟ في حالة الدول الثلاث تؤكد هذه الملاحظة شيئين: الأول أن هذه الأنظمة الثلاثة هي أسوأ ما عرفه العرب في تاريخهم الحديث. فهي أنظمة لا تكتفي بكونها استبدادية، بل تتجاوز ذلك إلى كونها أنظمة تستسهل القتل، والتعذيب، وإهانة كرامة الفرد والجماعة معاً. 

أنظمة لا تطبق إلا الجزء الأول من مبدأ سياسي قديم في الحكم عفّ عليه الزمن، وهو أن الحاكم الناجح هو الذي يستطيع أن يجعل الناس يهابونه خوفاً، ويحتاجون إليه طمعاً في الوقت نفسه. حكام الأنظمة الثلاثة يريدون أن يستقر الخوف منهم في أعماق وعي الناس. لكنهم لا يريدون أن يكون الناس في حاجة إليهم إلا في شيء واحد، وهو الأمن، أو الخوف مرة أخرى. 

عندما تضع هذه السمة التي تتميز بها هذه الأنظمة الثلاثة، إلى جانب أن التخلّص منها يحتاج إلى تدخل خارجي، يبدو لك الشيء الثاني الذي تشي به الملاحظة السابقة، وهو مدى ضعف المجتمع مقابل النظام السياسي. 

يسيطر النظام على كل مصادر القوة المادية في المجتمع. العلاقة بينهما علاقة حاجة تقوم على الخوف، والتوجس، والتكاذب، وانعدام الثقة. علاقة تساكن فرضتها الضرورة، وليست علاقة تعاقد، وتبادل للمنافع والمصادر تستند إلى القانون والثقة.

في إطار هذه العلاقة لم يقف الشعب العراقي إلى جانب رئيسه السابق وهو يواجه الجيوش الأميركية عام 2003. وهذا على رغم أن الموقف الشعبي العربي يكره السياسة الأميركية، ولا يثق في نواياها. كان موقف الشعب العراقي ممزقاً بين رفض غريزي لغزو أجنبي، ورفض لحاكم لم يرَ على يديه إلا الذل والقمع، والحروب العبثية. عندما دخلت القوات الأميركية إلى بغداد نزل الرئيس، بحسب الصور التلفزيونية، إلى الشارع. 

كان عدد الذين التفوا حوله قليلاً، ما اضطره للخروج من العاصمة، والبحث عن ملاذ آمن في الريف. وهذه صورة تعكس حجم المسافة التي كانت تفصل صدام حسين عن شعبه. بعد الغزو صار الوضع أسوأ مما كان عليه. الطاقم الذي جاء إلى الحكم على ظهر دبابة الغزو أخذ العراق إلى حالة مستحكمة من الطائفية، وحرب أهلية لم يخرج منها بعد مرور أكثر من تسع سنوات على سقوط بغداد.

في حالة العقيد معمر القذافي كانت نهايته قاسية وبشعة فعلاً، لكنها تتفق على الأرجح مع القساوة والبشاعة اللتين حكم بهما ليبيا. خطابه الذي ألقاه في بداية الثورة عليه كان لتبرير استخدام القوة ضد المحتجين. 

من هنا نشأت مخاوف حقيقية من أن العقيد يحضر لارتكاب مجازر، خصوصاً في بنغازي حيث مركز الاحتجاجات. وقد بدأ في ذلك بالفعل. هنا التقت على الساحة الليبية ثلاث قوى: كتائب القذافي، وكتائب الثوار بمختلف انتماءاتها، والقوة الجوية للناتو. كان عدد الضحايا كبيراً، وصل كما يقال إلى خمسين ألف قتيل. ماذا يعني سقوط هذا العدد الضخم من الضحايا للتخلّص من حاكم، هو في الأخير مجرد فرد؟ الشاهد هو استعداد هذا الحاكم لاستخدام القوة المفرطة للبقاء في الحكم مهما كانت النتيجة كارثية، غير آبه بحياة الناس، ولا بخياراتهم أو حقوقهم. 

يتكامل مع هذا عدم قدرة المجتمع، لعوامل متداخلة، على وضع حد لتهور الحاكم. ولذلك نشأت الحاجة لتدخل خارجي للتخلص من الديكتاتور في حالتي العراق وليبيا. 

وتتأكد المعادلة نفسها مرة ثالثة في سورية هذه الأيام، وبشكل أكثر بشاعة من ليبيا. دخلت الثورة السورية بعد أكثر من ستة عشر شهراً على بدايتها حالة من التوازن القاتل: لا تستطيع المعارضة الإجهاز على النظام، ولا يستطيع النظام وقف الانتفاضة. وما بينهما يستمر النظام في ممارسة القتل بالتقسيط. 

المعادلة تعني أن النظام خسر المعركة، ومآله السقوط. بقاؤه كان يعتمد على صمت المجتمع واستسلامه. وهذا تصدع تماماً. بل يبدي السوريون شجاعة غير عادية أمام قوة الآلة العسكرية للنظام، وبشاعة أساليبه. كأنهم يعوضون الضعف المادي للمجتمع بمخزون قوتهم المعنوية.

لم يكشف الربيع العربي في البلدان الثلاثة عن طبيعة العلاقة بين النظام السياسي والمجتمع وحسب. بل كشف الطبيعة الإجرامية التي ينطوي عليها هذا النظام، وأنها طبيعة كامنة تنتظر لحظة الإفصاح عن بشاعتها دفعة واحدة. 

وما يؤكد ضعف المجتمع هو سقوطه في شرك الخدعة السياسية للنظام، وعدم قدرته على مقاومة تمدد هذا النظام للسيطرة على مفاصل السلطة فيه. 

كل ذلك يعني شيئاً واحداً صار معروفاً، وهو أن التجربة السياسية العربية التي بدأت مع بدايات القرن الماضي فشلت فشلاً ذريعاً في بناء الدولة. أي أن حوالى القرن من عمر المجتمعات العربية لم يسفر في الأخير إلا عن نظام له سلطة سياسية خاضعة لحكم الفرد، من دون إطار مؤسسي، أو أساس قانوني، أو شرعية مستمدة من قاعدة اجتماعية تمثل الغالبية. 

صار الحاكم هو نفسه مصدر شرعية حكمه. وعندما أراد المجتمع إصلاح هذه المعادلة، حصل الصدام الدموي الذي نشاهده الآن. وهو صدام طبيعي. فالنظام الذي تشكّل مضمونه الاجتماعي عصبوي – مافيوي، ومن ثم فإن الهامش السياسي فيه محدود. هو نظام متوحش ينزع دائماً نحو العنف والدم. 

لذلك كان النظام في كل الثورات العربية هو الذي بادر إلى العنف وسفك الدم منذ اليوم الأول، خصوصاً النظامين السوري والليبي. لم يكن هناك مجال لتفادي الصدام الدموي إلا بتنازل النظام، وقبوله بأن معادلة القوة التي تحكم علاقته بالمجتمع هي معادلة منحرفة، وغير طبيعية، وأنها استنفدت أغراضها، وتجاوزت زمن صلاحيتها.

لا بد من التنويه هنا باختلاف حالتي تونس ومصر، مع أنه اختلاف لا يرقى إلى أن النظام السياسي في هذين البلدين أضعف منه في الحالات الثلاث السابقة. في الحالة المصرية تحديداً لا يزال الجيش قوة وازنة، ورمزاً لما يعرف بالدولة العميقة. هو مؤسسة قوية متماسكة، ويتمتع بقاعدة شعبية، والجميع في حاجة لتعاونه لتجاوز مرحلة انتقالية لا تبدو قصيرة أو سهلة. ما يميز الحالتين التونسية والمصرية أن المؤسسة العسكرية فيهما ليست متماهية مع الطاقم الحاكم، كما في حالات العراق وسورية وليبيا. بل مؤسسة تتمتع بدرجة معقولة من الاستقلال والمهنية. 

الأمر الآخر، أن المجتمع المدني فيهما أقوى وأكثر نضجاً. وكلا هذين العاملين سمح بخروج الجماهير بأعداد كبيرة شكلت ضغطاً سياسياً على النظام لتقديم تنازلات كبيرة، وإن لم تؤدِ إلى سقوط النظام وانهياره. في سورية وليبيا التجمع ممنوع، والتظاهر مخاطرة تؤدي إلى الموت. 

ولذلك سيتواصل سقوط النظام في تونس ومصر بشكل تدريجي، وبآليات سياسية. وربما يحدث الشيء نفسه في ليبيا في أعقاب نجاحها في أول انتخابات برلمانية بعد سقوط العقيد. 

أما في سورية فالطريق معمد بالدم. وهو ما يطرح سؤالاً لم تعد المساحة تتسع له: بعيداً عن مؤشرات القوة المادية الظاهرة على السطح، ما المقصود بقوة النظام، وضعف المجتمع، وما هي أسس ذلك في الحالتين؟

—————–

* كاتب وأكاديمي سعودي

———————

نقلاً عن الحياة 

-- خالد الدخيل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*