الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » أسلوب القرآن في الحوار

أسلوب القرآن في الحوار

مازلنا في إطار الحديث عن البحث المعمق الذي قام به العالم المغربي محمد الكتاني في بحثه عن أصول الحوار في الإسلام والذي جمع فيه درر المعاني وسبر فيه غور النفائس؛ 

وسنتوقف اليوم عند أساليب القرآن في الحوار، مثل القول بالموجب، والتسليم، والانتقال والمناقضة ومجاراة الخصم، ولا يتسع المجال لتحليل كل هذه الأنماط وهي كثيرة وسنكتفي بأهمها. 

فإذا نظرنا في أسلوب القرآن من حيث المبنى ألفيناه نسيجا من الإخبار والتقرير، والاستفهام والأمر والنهي، ووجدناه من حيث النسق العام الغالب عليه، حوارا موصولا بين الخالق سبحانه، وبين سائر مخلوقاته. وفي مقدمتها الإنسان مستخلفا في الأرض، ومكلفا مسؤولا عن تشخيص هذا الاستخلاف. بل وجدنا صيغ هذا الحوار المتمثلة في القول ومشتقاته، والسؤال والجواب والاستفهام هي الغالبة. 

فهناك في القرآن ما يناهز ثمانمائة صيغة لفعل “قال”، “قالوا” في مقابل ما لا يصل إلى النصف منها “قل”. التي أمر النبي أن يبلغ بها أمر ربه. أما عدد المشتقات للفعل “قال” الواردة في القرآن فيناهز ألفا وثمانمائة مرة. ويكفي ذلك دليلا على أن القرآن اعتمد أساسا على أسلوب الحوار في التوجيه والدعوة إلى التمييز بين الحق والباطل. 

كما يلاحظ القارئ ألوانا من أساليب الحوار تشخص حال المتحاورين وطبيعة أقوالهم، بين تقرير وإنكار، وسؤال وجواب. وأن خطاب الله تعالى يظل مطبوعا بالتسامي وجلال الربوبية، وبالموعظة الحسنة وبالرحمة للإنسان وهدايته في مقابل خطاب المخلوق المطبوع بالعناد والجحود والغرور. 

فمن أمثلة الاستفهام الإنكاري، الذي هو من سمات الحوار الأساسية نقرأ قوله تعالى: 

– {أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا} (30) سورة الأنعام. 

– {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى} (40) سورة القيامة. 

أما صيغ الاستفهام فمن العسير حصرها، ولاسيما في مجال الاستدلال على الربوبية، أو حث الفكر على التدبر والنظر، مع تشديد الحصار الجدلي حول المنكر للحقيقة، بوضعه أمام الجواب الوحيد. ومن أمثلته قوله تعالى: 

– {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} (34) سورة يونس. 

– {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} (35) سورة يونس 

ومن أساليب الحوار في القرآن خطاب الله تعالى لعباده على صورة مسائلتهم مباشرة أو على لسان أنبيائه. عما هم صانعون، إذا ما ركبوا مطايا الإنكار وحل عليهم عقاب الله. ومن أمثلته قوله تعالى: 

– {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ} (46) سورة الأنعام. 

وهذه الصيغة بذاتها واردة أكثر من عشرين مرة في القرآن. وهناك أسلوب المحاجة. الذي يرد فيه فعل حاج، يحاج، أي جادل بالحجة. مثل قوله تعالى: 

– {هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (66) سورة آل عمران. 

– {قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} (139) سورة البقرة. 

ومن أساليب الحوار في القرآن مد حبل الحوار أمام الخصم بكل إنصاف في تودد أو إحالة على ضميره، ليميز بين الحق والباطل من ذات نفسه. قال تعالى: 

– {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ } (24 – 26) سورة سبأ. 

ففي هذه الآية منتهى الإنصاف في الحوار. فبالرغم من كون حقيقة الرزق ومصدره مما لا يمارى فيه عاقل، فإن الله تعالى أوحى إلى نبيه أن يقول للمنكرين إن الحق لا يحتمل أن يكون إلا في إيمان أحدنا بهذه الحقيقة وإنكار الآخر لها. وانظر كيف خاطب القرآن أولئك المنكرين للحقيقة بالأسلوب الأبلغ في النفاذ إلى قلوبهم. فإنه لما بين أن أحد الفريقين على الهدى، والآخر على الضلال من غير تعيين. وكان الإجرام هو تنكب سبيل الحق. فإنه حسم في الأمر بأن قرر أن أحدا لن يكون مسؤولا عن فعل الآخر. لكنه إمعانا في الموادعة والحث على محاسبة أنفسهم نسب الإجرام إلى سلوك المؤمنين، ومجرد الفعل إلى المخاطبين من الكفار. ثم ترقى القرآن في جدالهم بأن قرر أن الذي يجمع الناس ليوم معلوم هو ربهم، خالقهم والعليم بما في صدورهم. وهو الذي سيفصل بينهم فيما هم فيه مختلفون و”الفتح” في الآية هو الفصل بالحق. وهكذا ترقى الجدل من الغيماء والإيحاء إلى التصريح. لما في إثبات يوم الحساب من المصارحة بأن الكافرين هو الضالون. ويسمي هذا التدرج عند أهل الجدل بالترقي. وبعد ذلك يتنقل القرآن إلى تعجيز المخاطبين، إذ طالبهم بأمر غير ممكن: 

{قُلْ أَرُونِي الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ شُرَكَاء} (27) سورة سبأ. 

فهذا الانتقال من الاحتجاح على بطلان ألوهية الأصنام إلى إبطال ذلك بدليل البداهة، عن طريق الاستفسار، حث على الرجوع إلى منهج الاستدلال بما هو ممتنع على وجود الممكن. ولهذا يبادر القرآن إلى النفي على أساس المعاينة للواقع. إذ طالبهم بأن يروه شخوص هؤلاء الشركاء لله. وكان حتما أن يشيروا إلى الأصنام. لكن هل في هذه الأصنام ما يدل على الألوهية. وهي حجر جامد لا يبصر ولا يعي، ولا يتحرك، ولا يدفع عن نفسه، فأي سفاهة للعقل كهذه السفاهة. في تأليه ما لا حياة فيه. 

وقد دار الحوار في القرآن الكريم حول قضايا متعددة، تتصل بالعقيدة، كإثبات وجود الله سبحانه، وإثبات البعث والجزاء، أو إثبات صدق الرسالة المحمدية مثل سائر الرسالات السماوية السابقة، أو إثبات كون القرآن كلام الله الذي ليس له مرجع سواه. 

كما دار الحوار القرآني حول موضوعات أخرى، كالإيمان والكفر، والخير والشر، والجبر والاختيار. وقد جرى هذا الحوار بين الأنبياء والرسل من جهة، وبين أقواهم وأحيانا بين أشخاص من غير هؤلاء، من جهة ثانية. واعتمد القرآن في حواره مع المخالفين، في كل هذه القضايا ولاسيما في مجال العقيدة، الجدل بالتي هي أحسن، القائم على الاستدلال العقلي، وإجالة الفكر في ملكوت السماوات والأرض، كما اعتمد على ضرب الأمثال وعلى شتى أنواع القياس. وبذلك لم يترك القرآن الكريم منهجا من مناهج الإقناع للمخالفين إلا استعمله. 

ومن يتدبر خطاب القرآن للنبي (صلى الله عليه وسلم) أو لغيره، يجده لا يقتصر على خطاب العقل وحده، ولا على الفطرة وحدها. ولا على ملكات الخيال والعاطفة والحدس، وإنما يحاور من يخاطبه بالقول الذي يناسبه، وبالدليل الذي يفحمه، وبالأسلوب الموجز، الذي تعتبر كلماته القليلة والبليغة بمثابة رشق السهام الذي لا سبيل إلى تجاهله أو الرد عليه. 

فالحوار أصل في الشريعة الإسلامية، وهذا هو أسلوب القران ونهج الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وفي هذا الصدد لم تكن مفاجئة دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله ابن عبدالعزيز لقادة دول العالم الإسلامي في هذه الظروف إلى عقد قمة إسلامية استثنائية في مكة المكرمة في 26 – 27 من شهر رمضان المبارك حيث تعودنا على مبادراته وحرصه على التضامن الإسلامي، وسبق وأن المملكة دعت لعدة قمم استثنائية إسلامية عقدت في مكة المكرمة، بل إن أول قمة إسلامية عقدت في التاريخ الإسلامي كانت بدعوة من جلالة الملك عبدالعزيز عام 1926م فالمملكة اعتمدت الحوار والشورى منهجاً وللحديث بقية. 

———–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية 

-- د. عبد الحق عزوزي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*