السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » حقيقة الجهاديين في سوريا

حقيقة الجهاديين في سوريا

كما يقال في المثل المصري: «اللي يخاف من العفريت يطلع له»، ظلت الولايات المتحدة وأوروبا تصران على رفض إمداد الجيش السوري الحر بالسلاح، خوفا من وصوله إلى يد متطرفين إسلاميين. من المؤسف أن النبوءة تحققت دون أن يمد الغرب الثوار بالسلاح، فالجهاديون موجودون في سوريا، والجيش الحر يواجه النظام بلا سلاح نوعي.

كان من المتوقع أن المماطلة في حسم معركة الثوار مع النظام ستعطي المتطرفين الإسلاميين من تنظيم القاعدة وغيرهم من التنظيمات المسلحة فرصة الدخول والتمترس داخل الأراضي السورية، كعادة هذه الجماعات في استيطان الأراضي المهزوزة التي تفتقر للاستقرار الأمني.

ما ذكره تقرير صحيفة الـ«نيويورك تايمز» عن وجود للجهاديين في سوريا، يتوافق مع ما نشاهده من لقطات فيديو مصورة لجماعات مسلحة استبدلت بعلم الثورة السوري العلم الأسود الذي ترفعه الجماعات الجهادية، كما يفسر مشهد العناصر المسلحة التي أعلنت من معبر «باب الهوى» الحدودي مع تركيا بعد تحريره عن إقامة دولة إسلامية.

الجهاديون موجودون، لا مجال للإنكار، وتصريحات القيادات العسكرية في الجيش السوري الحر تؤكد ذلك، خاصة في إدلب وحمص، صحيح أن وجودهم ليس جوهريا من حيث العدد، ولكنها كتائب سيئة السمعة، مدربة، تملك السلاح، وتقف بجانب أفراد الجيش الحر في مواقع مقاومتهم للجيش النظامي، وسيزداد حجم وجودهم مع كل يوم يمضي بلا حسم. قيادات الجيش الحر ليست راضية عن هذا الواقع، خاصة أن عناصر الجماعات المسلحة تعلن نيتها الجهادية لتقيم إمارة إسلامية سنية، أي أن أهدافها تختلف عن أهداف الجيش الحر الذي يسعى لدولة مدنية تجمع كل الأطياف.

متى دخلوا ومن أين؟ ربما كان التفجير الانتحاري الذي ضرب دمشق في العاشر من مايو (أيار) الماضي، وقتل 55 مدنيا، أول الأحداث التي شككت المجتمع الدولي في وجود تنظيم القاعدة، الذي جاء من بوابات يعرفها جيدا، وسلكها قبل ذلك من العراق ولبنان.

ادعى النظام السوري وجود هذه الجماعات المسلحة قبل أن يوجدوا فعليا بعام كامل، حينما كانت الثورة سلمية، ثم أصبحت مسلحة من أفراد منشقين عن النظام، واستخدم الأسد الطائفية ليشتت المعارضة، فقرب إليه العلويين وقصف تجمعات السنة، وهدد المسيحيين بهم. من المستغرب أن هذه الخطة الأسدية فشلت مع الثوار في الداخل، ولكنها نجحت خارج سوريا، فهناك تعاطف سني لدى شعوب البلدان العربية مع القضية السورية، واجتاح الناس شعور أن سوريا أرض للجهاد الإسلامي السني، على الرغم من أن حقيقة الوضع السياسي لا تقول ذلك.

الذين أشعلوا الثورة السورية ليسوا جهاديين، بل كانوا أطفال درعا الذين كتبوا بعفوية على جدار لم يقرأه إلا بضعة من الناس «الشعب يريد إسقاط النظام»، هؤلاء الأطفال ليسوا جهاديين، وعشيرتهم التي ناشدت النظام الكف عنهم وأظهرت ولاءها للرئيس بشار حينها لم تكن تنوي فرض المذهب السني وإقامة إمارة إسلامية، والذين خرجوا متظاهرين 6 أشهر بعد هذه الحادثة عراة الصدور كانوا مواطنين عاديين مسالمين، والجيش الحر الذي تشكل بعد ذلك كان يستهدف الثورة على نظام قمعي متسلط أهانهم وقتل أبناءهم، وليس الثورة على الطائفة العلوية التي تعايشوا معها وجاوروها وصاهروها.

لم تكن الآيديولوجيا حاضرة في أهم فترات الثورة السورية الشعبية، وهو عامها الأول. المجتمع السوري معتدل الديانة، وبعضه علماني على الرغم من ديانته ومذهبه. في الواقع، في كل ثورات الربيع العربي لم تكن الآيديولوجيا الإسلامية تحديدا حاضرة، على الرغم مما آلت إليه الأمور من تمكين للإسلاميين في سدة الحكم، وهذا من أظهر الدلائل على هبوط منحنى الفكر الإسلامي بعد أن وصل لقمته، بداية القرن الحالي.

الجيش الحر المعترف به من دول العالم ليس جيشا جهاديا، بدليل أنه يحمل تركيبة ممزوجة من السنة والعلويين والمسيحيين، والحديث عن إمارة إسلامية سنية هو حديث جاء مؤخرا ومتأخرا بعد أن أسس الثوار السلميون قاعدة عريضة لهم من التعاطف والدعم العالمي.

الشام ليس شام السنة، كما تردد بعض الكتائب المسلحة التي دخلت سوريا بعدما نجحت المعارضة في فرض حضورها على المشهد، كما أنه لا المجلس الوطني ولا الجيش الحر يقبلون بهذه النزعة المتطرفة، بل إن الكل يجمع على أهمية التوافق الوطني، ويد الأسد التي بطشت بالسوريين لم تترك أيا من فئات المجتمع بلا ألم أو فقدان. عشوائية القصف للأحياء السكنية لم تدع مجالا للشك في أن ضحايا بشار الأسد هم كل المجتمع السوري؛ فالقنابل التي تدك المنازل لم تسأل صاحب البيت عن مذهبه الديني، وكما هدمت الصواريخ المساجد فقد دكت الكنائس وشردت العلوي والسني والدرزي والمسيحي، وحتى المدن المعروفة بخصوصية دينها أو مذهبها لا تعني خلوها من غيرهم.

ولنتذكر أن من الطائفة العلوية من يحمل حسا وطنيا عاليا أبى عليه أن يوالي نظاما اختار أن يوغل في الدم، وأن هذه الطائفة لا يمكنها أن تعرض تاريخها للتلوث أو مستقبلها للخطر من أجل المراهنة على رجل فاشل.

الحقيقة أنه لا الطائفة ولا الجماعة ولا القبيلة تستطيع أن تواري سوأة طاغية أو تنظف وجهه المتسخ بالإجرام، لم نرَ ذلك مع صدام حسين ولا القذافي، ولا قبل ذلك مع تشاوشيسكو رومانيا، أو بينوشيه تشيلي، أو ميلوسوفيتش صربيا، فالطغاة يموتون فرادى، بلا عصبة.

* كاتبة سعودية

————–

نقلاً عن الشرق الأوسط 

-- آمل بنت عبدالعزيز الهزاع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*