الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » فكرة التزام المرافق العامة في الفقه الإسلامي

فكرة التزام المرافق العامة في الفقه الإسلامي

*مدخل:

ربما كان من المستحسن الاستعانه بالنظريه الحديثه في فكرة التزام المرافق العامه، لبحث معالم هذه الفكرة في الفقه الإسلامي، وذلك نظراً لأن التصوير الحديث للفكرة قد عني بإبراز أسسها وتوضيح معالمها وخصائصها على نحو ربما لايوجد في كتب الفقه الإسلامي، وفي رسم الفكرة رُجعَ بصفة أساسية إلى الأستاذ الدكتور: عبدالرزاق السنهوي في كتابه الوسيط الجزء السابع (القسم الأول) فصل التزام المرافق العامة، والأستاذ الدكتور الطماوي في كتابه مبادئ القانون الإداري العربي (الطبعة الرابعة)

النظرية الحديثة لالتزام المرافق العامه

مقدمة وتعريف:

١-  لعل أول سؤال يواجه الباحث في هذه النظرية السؤال المتعلق بطبيعة القواعد القانونية التي تحكم العلاقة بين الإدارة والأفراد.

ويمكن القول أنه حيث يواجه هذا السؤال فإن الغالب أن يؤخذ بالرأي القائل بأن لهذه القواعد طبيعة خاصة تميزها عن القواعد المماثلة التي تحكم علاقة الفرد بالفرد وتتمثل هذه الطبيعة بأن الإدارة لا تكون مع الفرد في مركز الند للند، وإنما يكون لها في علاقتها معه مركز ممتاز.

وأساس هذا الرأي ومبرره فكرة السلطة العامة أي أن كون الإدارة صاحبة سلطة وسيادة هي ماترجع إليه حاجة الإدارة لقواعد قانونية مستقلة ومتميزة عن قواعد القانون الخاص

وذلك وفق مايذهب إليه رأي قديم.

أو فكرة المرفق العام أي قيام الإدارة على توفير الإشباع لحاجات عامة أي أن  فكرة المرفق العام ومقتضيات حسن سيره هو ماترجع إليه حاجة الإدارة لقواعد قانونية مستقلة ومتميزة عن قواعد القانون الخاص.

وذلك وفق مايذهب إليه رأي حديث.

أو فكرة السلطة والمرفق العام مجتمعين.

وذلك وفق مايذهب إليه رأي أحدث.

خلاصة القول أن فكرة المرفق العام هي أساس، أو تَدْخُل في أساس، تمييز القواعد القانونية التي تحكم علاقة الإدارة بالأفراد.

٢- وعلاقة الإدارة بالأفراد تنشأ عن ممارستها لنشاطها، والإدارة تمارس النشاط في صورتين:

1.فهي تكتفي أحياناً – وذلك مايغلب على الإدارة في العصور القديمة أو في المجتمعات التي يسودها النظام الفردي- بأن تضع الضوابط المنظمة لنشاط الأفراد والتي تكفل تحقيق هذا النشاط لأهدافه دون المساس بالمصلحة العامة أو بمصلحة خاصة أخرى مشروعة، ثم هي تترك بعد ذلك للأفراد أن يزاولوا نشاطهم، وتترك لهم وحدهم أن يتولوا هم إشباع رغباتهم وحاجاتهم بوسائلهم الخاصة.

2.وفي بعض الأحيان – وذلك مايغلب على الإدارة في العصور الحديثة وفي المجتمعات التي يسودها النظام الجماعي- لا تكتفي الإدارة بهذا النشاط الفردي بل تتدخل بنفسها لإشباع حاجة من الحاجات العامة وذلك إذا قدرت أن الأفراد بوسائلهم الخاصة لا يستطيعون إشباع تلك الحاجة أو رأت أن المصلحة العامة تستلزم تدخلها لإشباعها.

٣- والمرفق العام يمكن تعريفه بأنه مشروع يعمل بإطراد وانتظام وتديره جهة الإدارة أو تنظمه وتشرف على إدارته ويقصد به أداء خدمات أو سد حاجات ذات نفع عام ويخضع لنظام قانوني معين، ومن أمثلته مرافق الدفاع والأمن والقضاء والصحة والتعليم ومرافق النقل الجوي والبري والبحري، والنور، والغاز، والماء.

٤- ومن التعريف يمكن استنتاج خصائص المرفق العام فهو:

أولا: إنما يقوم على أساس القصد في إشباع رغبة جماعية وسد حاجة عامة.

هذه الرغبة أو الحاجة هي على قدر من الأهمية يحول دون تركها للمشروعات الفردية وكما يقول أحد الفقهاء أن هذه الخدمة هي ما يُقّدر الرأي العام في وقت من الأوقات، وفي دولة معينة، أن على الحكام القيام بها نظراً لأهميتها للجماعة ولعدم إمكان تأديتها على الوجه الأكمل بدون تدخل الحكام، أو لأن الإدارة ترى أن في المصلحة العامة تقضي بأن تقوم هي بها.

وإذا كان القصد من المرفق العام سد الحاجة العامة فيجب أن لا يستهدف بصفة أساسية الربح وإن كان هذا لا يمنع من أن تدر إدارة المرفق العام في بعض الأحيان أرباحاً.

وهو ثانياً: يدار من قبل الجهة الإدارية أما مباشرة أو بأن تكون إدارتها تحت إشرافها ومراقبتها.

وهو ثالثاً: محكوم بنظام قانوني معين وهذا النظام يقوم على المبادئ الآتية (وكلها مبادئ مستحدثة من طبيعة المرفق العام):

أولاً: يجب أن يُكْفل للمرفق العام الدوام والاستقرار، ويكون ذلك بأن يتوافر فيه:

(1) الاستمرار (٢) والانتظام (٣) ومسايرة التطور.

ثانياً: يجب أن تكفل المساواة التامة -أمام المرافق العامة- بين الجمهور، فتكون فرص الانتفاع بالمرفق العام أمام جميع المستهلكين متساوية ولا يمتاز مستهلك على مستهلك آخر.

ثالثاً: يجب أن يكون المرفق العام في متناول من يحتاج إليه فلا يحرم منه لعلو سعره، والمرافق الإدارية البحتة (الدفاع والأمن والقضاء) تكون عادة مجانية، أو بمقابل لا يعنت الدافع، أما المرافق الاقتصادية فهي تكون عادة بمقابل في صورة رسم، ويراعي فيه دائماً أن لايكون مرهقاً للمستهلك.

رابعاً: تسري على المرافق العامة قواعد خاصة بها ليست هي القواعد المدنية التي تحكم علاقات الفرد بالفرد وإنما هي قواعد القانون الإداري.

٥- وتنقسم المرافق العامة – من وجه- إلى:

1.مرافق إدارية بحتة وهي المرافق التي تؤدي خدمات عامة غير ذات صفة اقتصادية، وهذه هي المرافق التي سبق القول في أن الدولة كانت تقتصر عليها في الماضي وأهمها مرافق: الدفاع والأمن والعدالة والصحة والتعليم،

2.مرافق اقتصادية وهي المرافق التي تسد حاجات ذات صفة اقتصادية، وتلك كمرافق توريد المياه والكهرباء والغاز والنقل الجوي والبحري والبري، وهذه المرافق في تزايد مضطرد وتطور سريع وبخاصة في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وتحتل هذه المرافق طابع الدول الحديثة القائمة على المبادئ الاشتراكية والاقتصاد الموجه.

٦- وانشاء مرفق عام معناه اقرار الهيئات الحاكمة بأن حاجة جماعية (ما) قد بلغت من الأهمية مبلغاً يقتضي تدخلها لكي توفرها للأفراد باستخدام وسائل القانون العام سواء كان الأفراد يستطيعون بوسائلهم الخاصة  اشباع تلك الحاجات أم لا.

ولما كانت وسائل القانون العام تنطوي على قدر كبير من المساس بحقوق الأفراد وحرياتهم كان لابد من إحاطة هذا الإنشاء بشيء من الضمانات للتأكد من أن هذا المساس له مايبرره، ولهذا فإن الغالب في الدولة الحديثة اشتراط أن يتم إنشاء المرفق العام لقانون أو بناء على قانون.

وكما يتم إنشاء مرفق، يتم إنهاؤه.

طرق إدارة المرافق العامة:

٧- نظراً لاختلاف أنواع المرافق العامة فقد كان من الطبيعي أن تتباين طرق إدارتها وفي الاختيار بين هذه الطرق تضع الإدارة نصب عينيها اعتبارات متعددة سياسية واجتماعية واقتصادية كالمرافق التي تمس الدولة في كيانها كمرافق الدفاع والبوليس والقضاء ليست كغيرها من المرافق كتوريد المياه والكهرباء والغاز.

ومن هذه الطرق يعنينا طريقتان:

الطريقة الأولى: طريقة الاستغلال المباشر:

وذلك بأن تقوم الدولة بنفسها أو بواسطة أحد الأشخاص الإدارية بإدارة المرفق العام مباشرة بعمالها وأموالها ويسري على عمالها نظام الموظفين العاملين، وعلى أموالها قواعد النظام المالي وتحكم هذه الإدارة على العموم قواعد القانون العام، وهذه الطريقة هي الطريقة التي تدار بها في الدول الحديثة جميع المرافق الإدارية وذلك إما لأن هذه المرافق غير مربحة فلا يمكن أن يُقِبل عليها الأفراد، وإما لأن الدولة ترى أن من الخطورة أو غير الملائم أن تسمح للأفراد بالمشاركة في إدارتها.

ويلاحظ أنه في العصور القديمة كان يعهد أحياناً للأفراد بإدارة المرافق العامة كما في حالة التزام جباية الضرائب أو الخراج، كما كانت بعض الشركات –الاستعمارية، كشركة الهند الشرقية- تقوم بإدارة جميع المرافق في البلاد المستعمرة.

وتتبع هذه الطريقة في إدارة بعض المرافق الاقتصادية كما تقتضي طبيعته أن يدار بهذه الطريقة كمرفق البريد والبرق، والإذاعة وقد تتبع هذه الطريقة في إدارة بعض المرافق الاقتصادية الأخرى لأسباب ترجع إلى أن نفقات هذه المرافق أكثر من أرباحها وذلك كالنقل بالسكة الحديد، أوبغرض توفيرها للمنتفع بسعر أقل كتوريد المياه.

كما أن أخذ الدولة بنظام اقتصادي معين، اشتراكي أو رأسمالي ونحوه، له أثره في هذا المجال.

الطريقة الثانية: الإدارة بطريق الالتزام:

وفي هذه الطريقة تعهد الإدارة في إدارة المرفق العام واستغلاله إلى ملتزم (فرد أو شركة) يقوم بتمويل المرفق ويستقل بتبعاته الماليه فسيتأثر بكل الإرباح ويتحمل كل الخسائر، وإنما تُحدد السلطة الإدارية في عقد الالتزام: نوع المرفق العام، والشروط التي يدار بها المرفق، وطرق الإشراف على الإدارة، كما تبين الحقوق والواجبات التي تكون للملتزم وعليه نحو السلطة الإدارية ونحو المنتفعين بالمرفق العام.

والإدارة تواجه اعتبارين:

أولاً: أن الملتزم من أشخاص القانون الخاص يبغي الربح من وراء الالتزام.

وثانياً: أنه في الوقت ذاته يدير مرفقاً عاماً يجب أن يكفل له الاستمرار، والانتظام، ومسايرة التطور، ويجب أن يكفل للجمهور المنتفعين بالمرفق أسعاراً معقولة

أي بمعنى آخر تواجه الإدارة اعتبارين: مصلحة الملتزم، ومصلحة المنتفعين، وتحاول التوفيق بينهما فإن استعصى عليها التوفيق غلبت مصلحة المنتفعين وهي مصلحة عامة على مصلحة الملتزم وهي مصلحة خاصة.

عقد التزام المرافق العامة:

٨- الطبيعة القانونية للعقد:

في تطور الفقه الحديث كان الرأي السائد في الماضي أن عقد الالتزام عقد مدني يخضع للقواعد المدنية التي تحكم العقود الخاصة وأهم هذه القواعد أن العقد شريعة المتعاقدين فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين.

ولكن مالبثت عيوب هذا الرأي أن تكشفت وأهم هذه العيوب أنها تجعل عقد الالتزام جامداً لا يتطور ولا تستطيع السلطة الإدارية أن تعدل شروط تنظيم المرفق وتسييره ولا الأسعار المقررة إلا برضا الملتزم فهي تُولِي الملتزم حماية تتنافى مع طبيعة المرفق ومقتضياته وما يجب للإدارة من سلطة تستطيع بموجبها أن تساير بالمرفق ما يقتضيه التطور فتعدل بمحض سلطانها دون حاجة إلى رضى الملتزم، وتنظيم المرفق وأسعاره على الوجه التي تقتضيه المصلحة العامة.

ونتيجة لذلك نشأ رأي متطرف آخر انتشر بوجه خاص في ألمانيا وإيطاليا ويذهب هذا الرأي إلى أن عقد الالتزام إنما هو تصرف قانوني من جانب واحد هو جانب الإدارة فهي التي وضعت شروط الالتزام بسلطتها الآمره، ورضخ لها الملتزم باختياره قبولها ويترتب على هذا الرأي أن السلطة الإدارية تستطيع بمحض سلطانها أن تعدل من شروط الالتزام وأن تلغيه، وكما وضعته بإرادتها المنفردة فتستطيع أن تعدله بإرادتها المنفردة دون حاجة إلى رضا الملتزم.

وتكشفت عيوب هذا الرأي بإغفاله إرادة الملتزم مع أن هذه الإرادة لعبت دوراً أساسياً في تكوين عقد الالتزام، ثم إنها تطلق يد الإدارة في عقد الالتزام حتى فيما يتعلق منه بالحقوق الشخصية التي كسبها الملتزم بموجب العقد فتزعزع مركزه.

ولهذا فقد قامت نظرية في العصر الحاضر صاغها الفقيه الفرنسي دويجيه ومقتضاه أن التزام المرافق العامة (عمل قانوني مركب) يحتوي على نوعين من النصوص:

1.نصوص تعاقدية وهي النصوص المتعلقة بما ينشئه عقد الالتزام من حقوق والتزامات شخصية للملتزم وهي النصوص المتعلقة بمدة الالتزام وكيفية استرداده وبالاتزامات المالية المتبادلة بين مانح الالتزام والملتزم وبالجملة كل شرط يمكن الاستغناء عنه لو أن المرفق أدير إدارة مباشرة.

فمثل هذه الشروط تخضع للقواعد التي تحكم العقود عادة.

2.نصوص لائحية وهي النصوص الخاصة بتنظيم المرفق العام وحسن سيره كتحديد أسعار الخدمات المقدمة والإجراءات الكفيلة بحفظ سلامة المنتفعين وشروط الانتفاع بالخدمة التي يقدمها المرفق وبالجملة كل الشروط التي لا يستغني عنها لو أدير المرفق العام بالطريق المباشر.

ومثل هذه النصوص نصوص تنظيميه لها حكم القانون فتملك السلطة الإدارية بمحض سلطانها ومن غير رضا الملتزم نقضها أوتعديلها بما يتفق مع المصلحة العامة.

٩- كيف يمنح الالتزام:

يمكن يمنح الالتزام عن طريق الاحتكار فيكون للملتزم حق الانفراد باستغلال المرفق العام فلا يجوز لغيره أن يستغل المرفق، ويكون ذلك عادة في المرافق العامة التي  لا يحتمل المنافسة اذ يكون منها ضياع للأموال والجهود، وتشدد في العادة في منح الالتزام بهذه الطريقة  اذا تشترط مثلاً صدور المنح بقانون ويمكن أن يمنح عن طريق الامتياز فيكون للملتزم حق استغلال المرفق العام ولا يمنع غيره من الأفراد والشركات من استغلاله أيضاً ولكن في هذه الحاله تتعهد الإدارة عادة للملتزم بأن لاتمنح غيره من المنافسين له التسهيلات التي تمنحها إياه كالترخيصات اللازمة والإعانات وحق استعمال الأملاك العامة وما إلى ذلك، فيكون في الغالب في وضع المحتكر الفعلي، ومثل هذا الالتزام يمنح عادة بإدارة أدنى من القانون، وعادة تشترط القوانين تحديد مدة لمنح الالتزام مهما كانت الطريقة التي تمنح به.

١٠-  آثار الالتزام:

إن التزام المرفق العام باعتباره كما قدمنا عملاً قانونياً مركباً يولد التزامات و حقوقاً مختلفة.

ويمكن حصر الحقوق التي تمنح بها الإدارة مانح الالتزام في :

1-   حق الرقابة على إعداد المرفق العام و إدارته.

2-   حق تعديل النصوص اللائحية بدون توقف عن إرادة الملتزم.

حق استرداد المرفق قبل انتهاء مدته.

وهذه الحقوق كلها تستمد من طبيعة المرفق العام ووجوب مسايرته للظروف دائماً ليؤدي خدماته على أحسن وجه.

و تنحصر حقوق الملتزم في:

1.اقتضاء الرسم المتفق عليه من المنتفعين بالمرفق و لا يمنع ذلك من حق الإدارة بتعديله بإرادتها المنفردة زيادة أو نقصاً بشرط أن لا يخل ذلك بحق الملتزم في الحصول على ربح معقول.

الحصول على المزايا المالية المتفق عليها من الإدارة.

التوازن المالي للمشروع فلا يجوز للإدارة الإخلال بهذا التوازن عن طريق تدخلها في تنظيم المرفق العام

١١-  يلاحظ أن هذه الطريق بالرغم من مزاياها لها عيوبها ، لذا فإن الاتجاه العالمي عدم استعمال هذه الطريق إلا لإدارة المرافق الاقتصادية قليلة الأهمية كتوريد المياه و النور ، و النقل المحلي أما بالنسبة للمرافق الاقتصادية الأكثر أهمية فيلجأ في العادة إلى طريقة من الطرق الآتية:

أ- خصوصية الاستغلال     ب – الاستغلال المختلط     ج – التأميم

في الفقه الإسلامي

تحفظ:

إن اختلاف الصياغة بين الفقه الإسلامي و الفقه الحديث ، و عدم مواجهة الفقه الإسلامي مباشرة لكل التصويرات الفقهيه التي قدمناها ، يجعل من غير المتيسر الجزم بمذهب الفقه الإسلامي فيما يتعلق بهذه التصويرات، و لذا فإن تخريج مثل هذه التصويرات في الفقه الإسلامي، يجب أن يؤخذ على أساس الافتراض الخاضع للمناقشة.

المسألة الأولى: طبيعة القواعد القانونية التي تحكم العلاقة بين الإدارة و الفرد .

أ- بادئ ذي بدء يحسن أن نكون على بيّنةٍ من أمرين، كان لهما أثر كبير في مذهب الفقه الإسلامي بالنسبة لهذه المسألة:

أولاً: تحكم الصياغة الفقهيه، ورغبة الفقهاء (عادة) في اخضاع كل القواعد القانونية مهما أمكن لمنطق قانوني واحد ، و قد رأينا فيما سبق أن الفقه الحديث في نظريته لالتزام المرافق العامة رآه في البداية عقداً مدنياً بحتاً.

ثانياً: الظروف التي وجد فيها الفقه الإسلامي ، و تتميز بتخوف الفقيه من إعطاء السلطة للادارة نظراً لصفة الاستبداد الغالبة على الحكام في تاريخ الدولة الإسلامية.

فالأصل أن الإمام المجتهد العادل كما سنرى مسلط إلى حد على تعديل العلاقات القانونية بين الإدارة و الإفراد عند اقتضاء المصلحة و مسلط على إجراء التصرفات التي تستهدف المنفعة العامة في حدود القواعد الشرعية ، و الأصل أنه لا يجوز لأحد أن يغتصب هذه السلطة و أن يفتات عليها، ومع ذلك فنظراً لغلبة الاستبداد على الحكام و انعدام العدل و الاجتهاد في غالبهم حرص الفقهاء على تقييد حرية السلطان في تعديل العلاقات القانونية التي نشأت بين الإدارة و الأفراد فلم يجوزوا للسلطان تغيير مقدار الخراج عن ما وضعه الأئمة السابقون ، و قيدوا حريتهم في الاقطاع و التصرف في الأموال العامة ، و أجازوا للأفراد أن يتولوا بأنفسهم التصرف – في بعض الأحيان – بما يقع تحت أيديهم من الأموال العامة بصرفها في مصارفها الشرعية ، بل أجازوا للأفراد الاستيلاء لأنفسهم – في بعض الأحيان- على بعض الأموال العامة ( تراجع ١،٢،٣،٤ ).

ب- تنشأ العلاقات القانونية إما بسبب عمل مادي أو عمل قانوني  ، وفي مجال الحديث عن العلاقات القانونية بين الأفراد فالأصل أن يكون العمل القانوني الذي ينشئ العلاقة القانونية هو العقد حيث يختار الطرفان و يرضيان أن تنشأ بينهما العلاقة القانونية ، و حيث لا يستقل فرد واحد بإرادته المنفردة بإنشاء علاقة قانونية بينه و بين غيره.

أما في العلاقات القانونية بين الإدارة و الفرد فالغالب أن يظهر العمل القانوني الذي ينشؤها في صورة الإدارة المنفردة فالإرادة ليست نداً للفرد  ، و لها سلطان عليه يكون لها بموجبه أن تصدر قرارات بإرادتها المستقلة و تؤثر على مراكز الأفراد القانونية.

وفي الفقه الإسلامي نرى أن الفقهاء تحت تأثير من سيطرة الصياغة الفقهيه و الرغبة في تقييد حرية الإرادة قد حرصوا على أن يصوروا الأعمال القانونية التي تصدر عن الإرادة الإسلامية في صورة العقود ، لا في صورة القرارات و التصرف بالإرادة المنفردة.

فالإمامة نفسها عقد ، بين الإمام و أهل الاختيار ، و المناصب الأخرى كالوزارات و القضاء  و الامارات و الوظائف الأخرى  إنما توجد بواسطة عقود أو عهود للتقليد بين الإمام و الوزير و بين الإمام أو نائبه والقاضي، أو بينهما و الأمير، أو بين نواب الإمام في تدرجهم في مراكز النيابة ، و متولي الوظائف الأخرى، و كل هذه العقود عقود وكالة ، أو عقود إجارة.

و تمكين الفلاحين من العمل على أراضي الدولة الزراعية لخراج مضروب عليها عقد خراج ، و ضرب الجزية على الذميين عقد ذمة.

و تمكين الحربيين من دخول دار الإسلام و المقام فيها آمنين عقد أمان ، ولم يقتصر هذا التصوير على التسمية أو على التكييف بل حاول الفقهاء ما أمكن تطبيق أحكام العقود بين الأفراد على هذه العقود ، فمن ناحية :  اشترطوا أحياناً صدورها مراعى فيها ( الشكل ) الواجب مراعاته في إبرام أشباهها من العقود بين الأفراد و من ناحية أخرى ترتبت النتيجة المنطقية للعقود وحيث يكون لها القوة الملزمة لطرفيها و حيث يكون العقد شريعة المتعاقدين و لعل الفقهاء رأوا أصلاً لهذه الفكرة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم حينما بعثه إلى اليمن إذ جعل ديباجه عهده إليه الآية الكريمة : ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) .

( يرجع إلى ٢٢،٢١،٢٠،١٩،١٨،١٧،١٦،١٥،١٤،١٣،١٢،١١،١٠،٩،٨،٧،٦،٥).

 جـ – و حينما ينتهي الفقه إلى تكييف أعمال الإدارة القانونية و قراراتها بأنها عقود و يحاول أن يجري عليها أحكام العقود فإنه لا مجال سيواجه موقفاً صعباً.

و أول مظاهر صعوبته المتعلقة بالشكل ، فاشترط صيغ العقود العادية قد يترتب عليه بطلان كثير من الأعمال القانونية الإدارية بما يترتب على ذلك من نتائج تناقض المصلحة العامة. ولهذا فقد احتاج الفقهاء إلى النص بأن هذه العقود لا يراعى فيها ما يراعى في العقود المعتادة.

و بعد ذلك فإن منافاة أحكام العقود الإدارية لطبيعة العقود أن طبيعة هذه العقود تتنافى مع هذه الأحكام توجب القول بعدم إمكان تكييفها بالعقود العادية أو القول بعدم انطباق بعض أحكام تلك العقود عليها و إذ كان الفقهاء قد التزموا تكييفها بما يشبهها من العقود المعتادة فقد التزموا أيضاً القول بعدم انطباق بعض أحكام العقود المعتادة عليها و لكن كيف تبرير ذلك ! لقد يرون بأن المصلحة العامة تقتضي اختصاص عقود الإدارة بأحكامها.

و إذاً، فقد تقررت هذه القاعدة التي سيكون لها أعظم الأثر ، أن المصلحة العامة من شأنها أن توجب اختصاص العقود العامة ( وقد سموها كالفقه الحديث بها الاسم ) بأحكام قد لا تتفق و أحكام العقود الخاصة ( وقد سموها أيضاً كالفقه الحديث بهذا الاسم ).

توضيح بعض ما سبق أن بعض الفقهاء التزم تكييف الخراج بأنه بيع للأرض بثمن دوري مؤبد ، ولكنه لم يُعرف في عقود البيوع المعتادة بيع بثمن دوري مؤبد.

و التزم بعضهم تكييفه بأنه إجارة ، و كان ينبغي لهم لو التزموا تطبيق أحكام الإجارة عليه ، أن يكون باطلاً لعدم تقدير المدة و في حالة الخراج على الشجر أن يكون باطلاً جرياً على أصولهم في أنه لا يجوز إجارة الشجر لأخذ ثمارها.

و الأمر الأكثر أهمية ما يتعلق بالقوة الملزمة للعقد ، فإذا كانت تولية الوظائف العامة وكالة فينبغي أن يكون العقد جائزاً من الطرفين ، فيجوز للمولي التخلي عنه ، أو كانت إجارة فينبغي أن يكون العقد ملزماً للطرفين فلا يجوز للإدارة فسخه حتى تنتهي مدته إذا كان محدد المدة.

وقد التزم الفقهاء أن هذه العقود العامة تنطبق عليها أحكام تختلف أحياناً مع أحكام العقود الخاصة ، و قرروا بأن العلة في ذلك اقتضاء المصلحة العامة لهذا التمييز .

و ذهب بعضهم خطوة أبعد من ذلك فرأى أن هذه العقود العامة عقود متميزة فهي غير العقود الخاصة ، وتطبق عليها أحكام غير الأحكام التي تطبق على العقود الخاصة ، و ذلك بما يتلاءم و طبيعتها ، فالخراج أصل بنفسه ، وهو عقد متميز عن العقود الخاصة ، وقد عقد على المصلحة و النظر للإسلام ، و عقود الهدنة و الأمان عقود غير لازمة.

يراجع (٣٥،٣٤،٣٣،٣٢،٣١،٣٠،٢٩،٢٨،٢٧،٢٦،٢٥،٢٤،٢٣،١٤،١٣)

د: وقد رأينا أن الفقه الحديث حينما انتهى إلى أن العلاقة القانونية التي تكون الإدارة طرفاً فيها ينبغي أن تحكم بقواعد قانونية متميزة عن القواعد التي تحكم العلاقات القانونية بين الأفراد رأيناه في بحثه عن أساس لهذه النتيجة يتردد بين فكرتين فكرة السلطة ، و فكرة المنفعة العامة ، أما الفقه الإسلامي فلا يتردد في تأسيس النتيجة المشار إليها على فكرة المنفعة أو المصلحة العامة ، وهذه الفكرة فكرة أصلية في الموضوع في الفقه الإسلامي إذ يرى هذا الفقه أن السلطة أو الولاية العامة محدودة الاختصاص باستهداف المصلحة العامة فتصرف الوالي منوط برعاية المصلحة العامة فإذا تجاوز هذه المصلحة فالأصل أن يكون معزولاً عن التصرف ، و أن يكون تصرفه غير نافذ ، و لا أثر قانونياً له.

يراجع ( ٣٩،٣٨،٣٧،٣٦ ).

هـ : و إذا كان تصرف الوالي في حدود المصلحة فإن ذلك يقتضي وجوب أن تكون العلاقة القانونية التي ينشؤها بتصرفه ( سواء اُعْتُبر أنه عقد ، أو تَصّرفٌ بالإدارة المنفردة) يجب أن تكون موافقة للمصلحة العامة في الابتداء و الاستمرار بمعنى أنه إذا تبين أن العلاقة القانونية التي انشئت لغرض المصلحة العامة قد استنفذ غرضها ، فإنه يتعين نقضها و إلغاؤها.

وترد على الذهن حينئذ قضية الحقوق المكتسبة، والمراكز القانونية الثابتة ومايجب لها من الرعاية وابعادها عن خطر الاضطراب والتزعزع.

والفقه الإسلامي بعد أن انتهى إلى أن للوالي في حدود التَصَرّف بالاجتهاد، قرر أن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد ولهذه القاعدة أساس عملي إذ لو قيل بأن الاجتهاد ينقض بالاجتهاد لما استقر أمر وللزم أن ينقض النقض إلى مالا نهاية.

وإذا قيل بأن الاجتهاد لاينقض بالاجتهاد فأنما ينبغي أن يكون ذلك بقدر ما تحمي هذه القاعدة الحقوق المكتسبة والمراكز القانونية الثابتة به، وإذا قيل بأن الاجتهاد حُكم، فإنما ينبغي أن يكون ذلك في عين القضية التي صدر فيها.

ولا ينبغي لهذه القاعدة أن تشل يد الإدارة عن ممارسة التصرف بما تقتضيه المصلحة العامة، ولهذا نرى الفقهاء يصرحون أحياناً بأن قاعدة الاجتهاد لا تنقض بالاجتهاد إنما تطبق في شأن الماضي ولا تطبق في شأن المستقبل بمعنى أنها تطبق بقدر تفادي الأثر الرجعي للتصرف، وأحياناً ينازعون في طبيعة التصرف وصحة تكييفه بأنه حُكم، ومن ثم إجراء قواعد الأحكام عليه.

وهم في هذا يتنازعهم عاملان:

وجوب حماية الحقوق المكتسبة، والمراكز القانونية، وإضفاء صفة الالزام على الأعمال القانونية

وجوب حماية المصلحة العامة.

يراجع (٥٥،٥٤،٥٣،٥٢،٥١،٥٠،٤٩،٤٨،٤٧،٤٦،٤٥،٤٤،٤٣،٤٢،٤١،٤٠).

و- والفقه الحديث بعد أن انتهى إلى أن القواعد القانونية التي تحكم علاقات الإدارة مع الأفراد قواعد متميزة في طبيعتها، قبل فكرة القضاء المتخصص لتطبيق هذه القواعد، بالرغم من معارضة هذه الفكرة لمبدأ وحدة القضاء، فوجد القضاء الإداري، الذي يتميز باختصاصه بحل المنازعات التي تنشأ بين الإدارة والأفراد، ويتميز بقواعده التي قد تختلف عن القواعد التي تحكم القضاء العادي وكذلك في الفقه الإسلامي وجد إلى جانب القضاء قضاء متميز يعني بحل المنازعات التي تنشأ بين جهات الإدارة أو بين الجهات الإدارية والأفراد، ويطبق هذا القضاء قواعد متميزة عن القواعد التي يطبقها القضاء العادي ولاسيما تلك القواعد المتعلقة بالاثبات والإجراءات، وقد سٌمي هذا القضاء قضاء المظالم أو ولاية المظالم.

(يراجع ٥٩،٥٨،٥٧،٥٦).

ز- والخلاصة، أنه يمكن القول بأن الفقه الإسلامي كمبدأعام يقبل فكرة تمييز القواعد القانونية التي تحكم علاقة الإدارة مع الأفراد عن تلك القواعد التي تحكم علاقة الأفراد بالأفراد.

والأساس القانوني لهذه الفكرة في الفقه الإسلامي، نظرية المنفعة العامة والمصلحة العامة. ولا يرتب الفقه الإسلامي على قبوله لهذه الفكرة الإخلال بمبدأ حماية الحقوق المكتسبة أو المراكز القانونية الثابتة، وهذه الفكرة هي -في الغالب- سبب وجود قضاء متخصص في المنازعات الإدارية. يحكم هذه المنازعات ويطبق في حكمه لها قواعد متميزة عن قواعد القضاء العادي.

المسألة الثانية: وظيفة الإدارة وسلطتها فيما يتعلق بالمرافق العامة:

هل تقتصر وظيفة الإدارة في الإسلام على وضع الضوابط المنظمة لنشاط الأفراد دون أن تتجاوز ذلك إلى التدخل إلى إشباع رغباتهم وحاجاتهم؟ أم أنه من وظيفتها العمل على توفير الحاجات العامه للأفراد وإشباع هذه الحاجات؟

وبعبارة أخرى هل تقتصر سلطة الإدارة في الدولة الإسلامية على القوامه على المرافق العامة ذات الطابع الإداري البحت أم يمكن أن تمتد لتنظيم المرافق العامة ذات الطابع الإقتصادي.

أ- يتبين من النصوص أن من واجب الإدارة في الإسلام العمل على توفير كل ما أمكن اعتباره من الحاجات العامه للمجتمع الإسلامي.

والأصل في ذلك -وفق منطق الفقه الإسلامي- أن توفير الحاجات العامه للمجتمع الإسلامي فرض ديني وهو واجب لا على شخص معين بذاته وإنما على المجتمع يؤديه المجتمع ممثلاً في الإدارة، أو يؤديه ممثلاً في بعض أفراده فهو مما يطلق عليه فرض الكفاية، ولا فرق في ذلك بين المرافق العامه الإدارية البحته، والمرافق ذات الطابع الإقتصادي، فالدفاع الخارجي (الجهاد) والدفاع المدني (الشرطة والحسبة) والعدالة (القضاء) كلها من فروض الكفاية ، كما يعتبرمن فروض الكفاية توفير الخدمات والسلع المحتاج إليها.

وفرض الكفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، فإن عطله الكل أثموا وكان من واجب الإدارة أن تحملهم على أدائه.

يراجع (٦٠، ٦١، ٦٢، ٦٣).

ب- وفي تاريخ الإدارة الإسلامية كانت الدولة في الغالب تسيطر على جزء كبير من مصادر الثروة القومية وكانت لذلك بالإضافة إلى توفيرها المرافق الإدارية البحتة تنشط لإشباع الحاجات العامة كلما كان ذلك ممكناً عملياً وكلما قدرت أن الأفراد بوسائلهم الخاصة لا يستطيعون إشباع تلك الحاجات.

وكان المفترض لذلك أن الدولة لديها القدرة على توفير الخدمات العامة المعتادة، عن طريق الخراج والجزية والزكاة، والمصادر الأخرى الأقل أهمية.

ولكن الفقهاء واجهوا فرض عدم كفاية هذه المصادر المعتادة لمواجهة الحاجات العامة، فقبل بعضهم فكرة نقل العبء المالي اللازم لمواجهة هذه الحاجات إلى المجتمع، ورأوا أن من المممكن فرض جبايات على المجتمع تضاف إلى المصادر المعتادة لبيت المال.

يراجع (٦٤، ٦٥).

ج- على أنه لأسباب تاريخية -كما هو الحال بالنسبة للدول الأخرى في العصور القديمة- كانت الدولة تقصر أغلب نشاطاتها على تنظيم المرافق العامة ذات الصبغة الإدارية البحتة.

وعند الرجوع إلى المارودي مثلاً في تعداده لوظائف ذات الطابع الإداري البحت.

————–

*كتب هذا البحث في أوائل الثمانينات الهجرية (1383 هـ)

بطلب من سمو الأمير مساعد بن عبدالرحمن وزير المالية في ذلك الوقت (رحمه الله)

“أتبع في هذا البحث منهج المقارنة مع النصوص، وشرط سلامة مثل هذا المنهج ألا يكون اختيار النصوص انتقائيا بحيث تتفق مع الآراء والأفكار المسبقة للباحث أو تهدف للاستدلال لها“ – المؤلف

-- معالي الشيخ / صالح بن عبدالرحمن الحصين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*