الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » سوريا ما بعد الأسد.. الأقوال والأفعال

سوريا ما بعد الأسد.. الأقوال والأفعال

تدور رحى معارك قوية على التراب السوري بين الجيش الحر وجيش الأسد وقوّاته وشبيحته، ويدور في الآن ذاته لغط سياسي كبير حول سوريا دوليا وإقليميا، وهو لغط تفترق فيه المواقف والسياسات، كما تختلف فيه الرؤى الحاضرة لطرق الحل وتتناقض الوسائل والأساليب لتحقيق أهداف غير متفقة ولا متوائمة بسبب العجز الدولي المتعثر دائما بالفيتو الروسي الصيني في مجلس الأمن، والمعاق لأسباب كثيرة خارجه.

الجيش السوري الحرّ يثير الإعجاب حقا فهو يؤكد مرة بعد مرة أنّه ممثل حقيقي على الأرض للشعب السوري الرافض بتاتا لنظام بشار الأسد وعصاباته، وهو بعملياته وبدعم الشعب له يحقق النجاح تلو النجاح في معارك لم تحسم الحرب بعد ولكنّها تزيد أرصدته وتضعف مواقف الأسد، وتخلخل بنى جيشه وأجهزته الأمنية والقمعية.

لم تزل المعادلات والتوازنات الدولية تراوح مكانها تجاه الوضع في سوريا، ولم يزل الفرقاء يفتشون عن مخرج ما يحفظ للجميع مصالحهم ومكانتهم الدولية من روسيا الاتحادية إلى الولايات المتحدة، ومن سوء حظ الشعب السوري أنّه أصبح مركز صراع دولي لا شأن له به ولكنّ عليه أن يتحمل كل تبعات انتظاراته ومشاوراته وموازناته حتى يحظى بحل حقيقي ينهي المشكلة ويقضي على النظام الأشد وحشية في العالم المعاصر.

رؤية بشار الأسد لجرّ البلاد إلى حرب أهلية وأوهامه بخلق دولة علوية في جبال العلويين لم تحظ بدعم مثل التردد والاضطراب الذي يشهده العالم اليوم والقوى المؤثرة فيه تحديدا تجاه سوريا، فكل ما يجري دوليا هو أقوال يتصاعد صخبها ولكن بلا أفعال، تعلو فيها نبرات الخطاب ويشدّد فيها على بعض الصياغة اللغوية الغاضبة ولكن شيئا منها لا ينتقل من القول إلى الفعل، نسمع جعجعة ولا نرى طحينا.

في ظل هذا الوضع تبدو سوريا اليوم كخط حرب باردة جديدة بين المتصارعين العالميين السابقين، الغرب والشرق، أو الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى، مع قوى إقليمية مختلفة هذه المرة فيها إسرائيل وإيران وأطرافها والمحور الأصولي جديد التشكل مع القوى المستقرة والثابتة التي كانت منخرطة سابقا في محور الاعتدال. إن سوريا ليست فيتنام ولا أفغانستان، وبالتأكيد ليست البوسنة والهرسك، إن ما يجري في سوريا لا تحدده المجازر وحجمها وإن أثرت في تحريكه وحلحلته ولكن تؤثر فيه مصالح الدول العظمى وصراعات دول الإقليم، قديمها وحديثها، وهي مصالح تدار في مرحلة انتقالية ذات أثر كبير على العالم والمنطقة قبل أن يكون على سوريا، والآثار التي سيتركها هذا الصراع الدموي الممتد على كامل الخريطة السورية ستبقى عميقة وكلما تأخر الحل ضربت بجذورها أكثر فأكثر وأصبحت مهمة النجاة منها لاحقا أصعب وأكثر تعقيدا وأكلافا.

سيسقط نظام الأسد ولكن المعارضة السورية حتى اليوم تظل مشتتة بلا راعٍ، مختلفة بلا تنسيق، وسيصبح العالم المتردد جزءا من جريمة تفشي الأدواء المتخلفة في العالم العربي انطلاقا من سوريا، فستنطلق الطائفية بلا عنان والقبلية بلا وثاق وقل في الإثنية مثل ذلك، وكل هذا سيكوّن مشهدا جديدا سيدفع الجميع ثمنه ولن يقتصر تأثيره على السوريين والصراعات القائمة حاليا.

كتبت سابقا عن وهم الدولة العلوية الراسخ في ذهنية الأسد (16 يونيو/ حزيران، 7 يوليو/ تموز) وقد لفت انتباهي في كثير من ردود الأفعال التي رصدتها علو النبرة الانتقامية ذات الطابع الطائفي الصارخ والتي كانت سياسات الأسد هي المحرك الأكبر لها وهو ما سيحصده هو وعائلته وطائفته حنظلا طائفيا مقيتا. وسيكون على عقلاء سوريا وأصدقائها في المنطقة والعالم أن يتنبهوا لحجم هذا الخطر الطائفي المقبل وأن يحسبوا له حسابه قبل الفراغ من رحيل الأسد وإيقاف حمّام الدم الممنهج الذي لا يبدو أنّه في وارد التخلي عنه ما لم يتم إجباره على الرحيل بالقوة.

يدير الجيش السوري الحرّ معركة كبرى في حلب وهي بالتأكيد معركة مختلفة عن معارك دمشق السابقة، فحلب تقع في أقصى الشمال السوري والمناطق بينها وبين الحدود التركية واقعة منذ زمن بيد الجيش السوري الحرّ يتحكم في حراكها ويؤمن طرقها ما يضمن له تمويلا مستمرا بعكس قوّات الأسد المقبلة من دمشق والتي يسهل على الجيش الحرّ قطع طرق إمدادها ومهاجمتها والتقليل من فاعليتها وقدراتها التدميرية.

يخوض الجيش الحرّ معاركه ضدّ النظام وفق «حرب العصابات» التي من الواضح أنّه بدأ يتقنها أكثر من ما مضى، وبدأ مقاتلوه يعرفون كيف يكرون ويفرون وفقا لهذه الطريقة التي هي أنجع بكثير بالنسبة لهم من مواجهات عسكرية تقليدية بين جيشين يدافعون فيها عن مواقع ثابتة بل إنهم سيخسرون كثيرا حين يفكرون في عمل كهذا.

بناء على ما سبق فإن سوريا ما بعد الأسد سيكون لها مكانة مختلفة تماما عمّا كانت عليه سوريا تحت رئاسته، وستكون إيران أكبر الخاسرين وسيخسر معها كل ذيولها المنتشرة في المنطقة من العراق إلى لبنان وحزب الله حيث أقدمت إيران في ظل سعارها المحموم لدعم الأسد في معركة خاسرة بكل المقاييس على كشف هذا الحزب طائفيا حتى لدى بعض الذين استطاع خداعهم سابقا من مثقفين وإعلاميين وساسة عبر شعارات جوفاء كالممانعة والمقاومة وبقية الأكاذيب التي تكشّفت عن معدن طائفي محض وسيعاني حزب الله كثيرا في أي نشاطات مقبلة مع قيام دولة معادية له في سوريا ما بعد الأسد.

وعلى الجهة الأخرى في العراق ومع الطائفية المتفشية برعاية إيرانية منذ 2003 سيواجه العراق دولة سورية لا تكنّ لحكومة العراق أي ود أو حسن جوار، وامتدادات القبائل العربية السنية على طرفي الحدود فاعلة وقد أجبرت المالكي على فتح الحدود لبعض اللاجئين السوريين، وهو أمر سيكون على العراق أن يحسن التعامل معه الآن وأن ينأى بنفسه عن محرقة إيران التي ترمي فيها كل شيء لإنقاذ الأسد.

جيد أن يحاول أصدقاء سوريا العرب وغيرهم أن يتحركوا دبلوماسيا في المؤسسات الدولية لخلق مواقف كاشفة بل فاضحة للدول الداعمة لنظام الأسد، ولكنّ الأجود والأصحّ الذي أثبتته الأيام والأحداث هو أنّ المعركة في سوريا تحسم على الأرض بأيدي السوريين وسواعدهم.

————-

نقلاً عن الشرق الأوسط

-- عبدلله بن بجاد العتيبي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*