الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الطريق إلى تطوير استخدامات الأوقاف والزكوات

الطريق إلى تطوير استخدامات الأوقاف والزكوات

على الرغم من أن الأمة الإسلامية تنعم بإرث حضاري كبير جدا جعلها تتسنم ذروة العمل الإنساني في قرون خلت، فقد اندثر معظم هذا الإرث، لكن ليس باندثار مفاهيمه أو باندثار مرجعياته العلمية، بل باندثار الممارسات الحضارية له واندثار التطوير والتحديث لجعله يتناسب مع المفاهيم الحديثة في العمل الإنساني وقيوده المتزايدة، التي تفرضها الاتفاقيات الدولية والأنظمة المحلية المستحدثة لحفظ أموال المتبرعين من الاستغلال أو توجهيها في غير ما خصصت له. فمفاهيم مثل الوقف الخيري والصدقات والزكاة وغيرها من المفاهيم المرتبطة بتوفير مصادر مستديمة للإنفاق في أوجه الخير هي من المفاهيم المستقرة في الفكر الإسلامي وفي كتب الفقه والثقافة الإسلامية ويتعلمها النشء منذ سنوات التعليم الأولى، لكنه مع ذلك يتلقنها في إطار الحل والحرام ومفاهيم الترغيب والترهيب.

وليس في إطار حضاري للعمل الخيري الفاعل والمنظم والابتكارات التمويلية للهندسة المالية في أعمال الخير، بل الأدهى من هذا وذاك أن تجف منابع هذا الفكر كلما ترقى الإنسان في مدارج العلم سواء في كليات الشريعة وأصول الدين أو كليات الأعمال حتى تختفي تماما في ميدان العمل الخيري الفعلي، وتظهر هذه المفاهيم مسلوخة من إطارها التنفيذي والقابلية للتطبيق، بل مجرد اجتهادات وأساليب تقليدية لجمع التبرعات المالية وفقا لهذه المفاهيم بلا إطار يحميها ويحمي العمل الخيري، ولتنفيذ مشاريع مقطوعة في عمل خيري ينقطع بانقطاع الحماس والمتحمسين له، لذا تفشت ظاهرة عدم وجود متخصصين ومهنيين ثقات في العمل التطوعي والخيري، وذلك كله رغم وجود مرتكزات عميقة جدا في ثقافة الإنسان المسلم لهذه الأعمال. 

ومن المدهش فعلا أن فكر الهندسة التمويلية للعمل الخيري والاجتماعي بشكل عام حققت تطورا متقدما جدا، لكن في بيئات غير إسلامية، بل حتى غير متدينة وتصنف بأنها ليبرالية المنهج.

ففي ظل هذه البيئة الليبرالية تطورت مفاهيم القطاع الثالث وفي أحضانه ترعرعت نظريات العمل الخيري وحدد لها إطارها الحديث وطريقة عملها والرقابة عليها وتقاريرها المالية، ومن ثم تطورت المفاهيم المحاسبية وهندسة التمويل الخاصة بها، ومن ذلك نظرية المحاسبة عن الأموال المقيدة وطرق التقرير عنها وأساليب الإفصاح الشفافة والرقابة الداخلية عليها، كما تطورت مفاهيم المسؤولية الاجتماعية للشركات ومفاهيم الاستدامة وتداخل العمل بين قطاع الأعمال والقطاع الخيري بشكل لافت مع نهاية القرن الماضي وأوائل القرن الحالي وأصبحت الشركات تفصح أكثر وأكثر عن دورها في تنمية المجتمع ودعم أوجه العمل الخيري فيه. كل ذلك تم تطويره خارج إطار الفقه الإسلامي، رغم ذلك الكم الهائل من الدعوات للعمل الخيري التي يزخر بها. 

ولهذا ومع احتكاك الأمة الإسلامية المتزايد بالعالم من حولها وتدفق الثروات بين يديها عادت مفاهيم الفقة الإسلامي للواجهة في أعمال الخير، لكنها اصطدمت بمفاهيم وطرق محاسبية وقيود تنظيمية متزايدة حدت إلى مستوى بعيد من قدرة المفاهيم الفقهية في دعم العمل الخيري الحديث، ويبدو لزاما اليوم على أهل التخصص العمل جنبا إلى جنب من أجل استخراج مفاهيم تنفيذية من ظل المفاهيم الفقهية والعمل على تطوير أدواتها المحاسبية والرقابية والتمويلية لدعم أوجه الخير في هذا البلد المعطاء. 

وهنا لا بد من الإشارة إلى أهمية البحث العلمي التجريبي والتطبيقي، ولا بد من توجيه بعض الاستثمارات لدعم مراكز متخصصة في هذا المجال، كما يجب أن تتجه الكليات الشرعية وكليات الأعمال إلى إضافة مناهج متخصصة فيما بينها لدعم قدرات الخريجين للوصول إلى أجيال أكثر وعيا وقدرة على التطوير.

————–

كلمة الاقتصادية

-- كلمة الاقتصادية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*