الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » العلاقات التركية ـــ الإيرانية وورقة الإرهاب

العلاقات التركية ـــ الإيرانية وورقة الإرهاب

تدهور العلاقات التركية ـــ الإيرانية كان أمرا متوقعا في ظل تضارب المصالح والتباين الكبير بين موقفي البلدين من الثورة السورية، وكلما اشتدت الاشتباكات وتقدم الثوار وتكبدت قوات النظام السوري خسائر فادحة واقتربت ساعة النصر للثورة تعمقت الأزمة بين أنقرة وطهران وخرجت من مجرد التصريحات والتلميحات لتأخذ أبعاداً أخرى.

التصريحات التي يدلي بها مسؤولون إيرانيون بين الفينة والأخرى منذ اندلاع الثورة في سورية تتهم تركيا بالوقوف في صفوف ”قوى الاستكبار” ضد ”محور الممانعة”، وذلك للدعم الذي تقدمه الحكومة التركية للمعارضة السورية. وكانت الخارجية التركية قد طلبت أكثر من مرة التوضيح من الجانب الإيراني بشأن تلك التصريحات التي تصدر غالبا من العسكريين، إلا أن نظيرتها الإيرانية دأبت على القول إن هؤلاء المسؤولين تصريحاتهم لا تمثل السياسة الخارجية الإيرانية، إنما تعبر فقط عن آرائهم الشخصية، ومع ذلك لم ينقطع دابر التصريحات، بل ارتفعت من مستوى إرسال رسائل إلى التهديد المباشر لتركيا.

وكانت آخر هذه التصريحات تلك التي أدلى بها رئيس الأركان الإيراني اللواء سيد حسن فيروزآبادي الذي حمَّل فيها مسؤولية الدماء المسفوكة في سورية كلاً من تركيا والسعودية وقطر، واتهم فيروزآبادي هذه الدول بـ ”مساعدة أمريكا ”الشيطان الأكبر” على تحقيق أهدافها العدوانية”، محذِّرا من أن ”الدور سيأتي بعد سورية على تركيا”. وجاء الرد التركي على تصريحات فيروزآبادي سواء في بيان الخارجية التركية أو تصريحات أردوغان وداود أوغلو يذكِّر إيران وقوف تركيا إلى جانب طهران في ملفها النووي ورفض أنقرة فرض عقوبات جديدة على طهران في التصويت في مجلس الأمن، وكأن الحكومة التركية تطلب من قادة إيران الوفاء للصداقة التركية ـــ الإيرانية وعدم نكران الجميل.

لكن التحول الأخطر في العلاقات التركية ـــ الإيرانية ليس في التصريحات المتبادلة ولا في اختلاف المواقف مما يحدث في سورية، بل في تحريك طهران حزب العمال الكردستاني ضد تركيا والدعم اللوجستي الذي تقدِّمه له، حيث تؤكد التقارير أن عدداً من قادة حزب العمال الكردستاني ومجموعة من عناصره انتقلوا إلى معسكر شهيدان الموجودة في الأراضي الإيرانية بالقرب من الحدود التركية وأن الجيش الإيراني خصَّص أحد مخافره لاستخدام حزب العمال الكردستاني في هجماته على الأهداف التركية.

حزب الحياة الحرة الكردستاني امتداد حزب العمال الكردستاني في إيران، بعد مفاوضات مع السلطات الإيرانية ألغى نفسه العام الماضي وترك القتال ضد القوات الإيرانية وانضم عناصره إلى عناصر حزب العمال الكردستاني. وتشير التقارير الاستخباراتية إلى تزويد النظام الإيراني حزب العمال الكردستاني بأسلحة متطورة، وأن الإرهابيين يستخدمون أجهزة لاسلكية تابعة للقوات الإيرانية، وأن الجيش الإيراني يساعدهم على العبور إلى الأراضي التركية، كما تتم معالجة المصابين منهم في المستشفيات الإيرانية. وتعتقد أنقرة أن النظام الإيراني هو الذي دفع حزب العمال الكردستاني في الأسابيع الماضية للاشتباك مع القوات التركية على نطاق واسع في منطقة شمدينلي في محافظة هاكاري بهدف إشعال ”ربيع كردي” على غرار ثورات الربيع العربي، لكن المنظمة الإرهابية فشلت في هذه المهمة وتكبدت خسائر فادحة لعدم تعاون سكان المنطقة معها.

الأوساط الحكومية في تركيا تعيش هذه الأيام خيبة أمل كبيرة بسبب المستوى الذي وصل إليه العدوان الإيراني بعد أن بذلت تركيا جهودا حثيثة لتعزيز العلاقات مع إيران في إطار سياسة تصفير المشاكل مع الجيران وسعت لحل الأزمة السورية بالتعاون مع طهران، لكن النظام الإيراني، رغم المساعي الدبلوماسية التركية وزيارة أردوغان لطهران، اختار الوقوف إلى جانب النظام السوري حتى النهاية والمشاركة في ارتكاب المجازر، إضافة إلى استخدام ورقة الإرهاب ضد تركيا. وتستغرب تلك الأوساط السلوك الإيراني وكأنه تغير من الجيد إلى السيئ، وتتساءل ”كيف تؤيد دولة إسلامية كل هذه المجازر؟” لكن الحقيقة ليست كما يرى هؤلاء، لأن السياسة الإيرانية ثابتة لم تتغير؛ إيران التي لعبت بالأمس دورا في احتلال العراق وأفغانستان وقتلت ميليشياتها العراقيين من أجل مصالح طهران هي نفسها تقوم اليوم بالإشراف على المجازر الوحشية التي يرتكبها شبيحة النظام السوري وتقتل ميليشياتها السوريين، بل الحكومة التركية هي التي تذبذبت وأخطأت في قراءة عقلية نظام الملالي بسبب تفاؤلها المفرط وعدم أخذها دروس التاريخ والحاضر في الاعتبار في التعامل مع إيران، واصطدمت في النهاية بجدار الحقائق.

الجيش التركي يمكن أن يلاحق عناصر حزب العمال الكردستاني ويضرب معسكراتهم في شمال العراق، وقد يتدخل في شمال سورية أيضا لملاحقتهم وضرب معسكراتهم بالتعاون والتنسيق مع الثوار، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ”كيف سيتم التعامل مع المعسكرات الموجودة في إيران والإرهابيين الذين يأتون من هناك؟”.

إحدى الفتيات اللاتي يقاتلن في صفوف حزب العمال الكردستاني اعترفت في التحقيق معها بعد أن ألقت قوات الأمن التركية القبض عليها بأنهم يشعرون بالأمن والأمان في ”معسكر شهيدان” لعلمهم بأن القوات التركية لا تستطيع أن تهاجمهم في الأراضي الإيرانية. وليس من المتوقع أن تعترف طهران بدعمها لحزب العمال الكردستاني أو وجود معسكرات للمنظمة الإرهابية، كما أن طلب الوفاء من إيران لما مضى من العلاقات الحميمة لن ينفع الحكومة التركية، وسيبقى أمام أنقرة خيار وحيد وهو أن تدرك حقيقة النظام الإيراني لتتعامل معه على هذا الأساس.

———–

نقلاً عن الاقتصادية

-- إسماعيل ياشا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*